كنت قد قرأت الجزء الأول من هذا السفر العظيم في العام الماضي ( ٢٠١٧م)، فأحببت أن أختم هذا الكتاب الرائع بقراءة الجزء الثاني هذا العام ، ويبدأ الجزء الثاني من هذه السيرة العطرة على صاحبها الصلاة والسلام من هجرته إلى المدينة إلى وفاته صلى الله عليه وسلم ، وكما قلنا في الجزء الأول هو كتاب كُتب بمداد الروح وبحب كبير من العلامة محمد بن محمد أبي شهبة لجناب النبي صلى الله عليه وسلم ، تميّز في الواقع باعتماده الكتاب والسنة مصدرًا لهذه السيرة الطيبة ، فتجده يقف مع الآيات القرأنية التي لها علاقة بأحداث السيرة متأملًا وفاحصًا كما فعل مع آيات ( يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه ) والتي فيها إعذار من الله تعالى لسرية " عبد الله بن جحش" عندما قاتلوا في رجب في السنة الثانية من الهجرة ، وكذا مع الآيات التي نزلت في براءة السيدة العفيفة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .
ومع أن في الكتاب " بعض " الأحاديث الضعيفة إلا أنها خارج أمور التشريع ، ويمكن قبولها كرواية تاريخية ، مثل " وثيقة المدينة " فقد قبلها الشيخ - رحمه الله- ومن بعده قبلها أيضًا الشيخ أكرم ضياء العمري الذى أعمل منهج التحقيق التاريخي، وكذا منهج التحقيق اللغوي حتى قال بأن الوثيقة ألفاظها كانت مستعملة ومألوفة في عهد النبوة ثم قل استعمالها بعد ذلك ، ومع ذلك هناك بعض الاختيارات كنت أتمنى لو كان الشيخ- رحمه الله- عقّب في الهامش بأن هناك سرديات أخرى غيرها في الصحيح ، مثلًا من المشهور في السير أن على -رضي الله عنه -بارز الوليد في غزوة بدر ، وهو اختيار الشيخ هنا ، لكن في الصحيح من حديث على بن أبي طالب الذي رواه أبو داود ان عليًا بارز شيبة ، فكنت أتمنى أن مثل هذه الأمور كان أشار لها الشيخ - رحمه الله- لتعم الفائدة .
يصحح الشيخ أبو شهبة - رحمه الله- بعض أخطاء كُتّاب السيرة مثل ابن اسحاق - رحمه الله- مثل قوله أن الجهاد شرع قبل الهجرة ، فيعتبر أبو شهبة أن هذا من أوهامه ، وهو يُرجّح أن تشريع الجهاد كان في أوائل السنة الثانية للهجرة ، وكذا يرد على افتراءات المستشرقين في زعمهم انتشار الإسلام بالسيف ، بل هو يستخدم ردود المستشرقين [ مثل دور منغم و توماس كارليل ] الذين دحضوا هذه الفرية .
في الحقيقة أن الشيخ - رحمه الله - كان معنيًا في هذه السيرة بتتبع أخطاء المستشرقين حول السيرة ما استطاع إلى هذا سبيلًا ، من ذلك مثلًا نقده لأباطيل المبشّرين والمستشرقين حول قصة افتنان النبي- عليه السلام -بزينب بنت جحش -رضي الله عنها- وهذه الترهات من الروايات الباطلة التي تمسك بها دورمنغم ولامنس وغيرهم .
حقيقة الكتاب ممتاز جمع بين الأسلوب العلمي والجدالي مع المستشرقين حول السيرة ، وفي نفس الوقت تميّز بالروحانية العالية في تأملاته لحياة النبي -عليه الصلاة والسلام- واستخلاص درر الفوائد منها .