كتاب صديق، من محب وفيّ للموسيقى الكلاسيكية. أحسن ما فيه طبعًا الجزء الخاص بترجمات الموسيقيين، سعدت بتواجد إدفارد جريج وهو المنسي دائمًا في كتب السير، وكعادة المؤلفات العربية لم يلمّح لمثلية تشايكوفسكي، المؤثر الأكبر على طبيعة موسيقاه. الجزء التقني من الكتاب شجعني على تعلم النوته، وسرت فيها شوط لا بأس به، لكني اكتشفت إنه ضرب من التهوّر في غياب آلة بين يديّ لذلك فقد أتوقف عن ذلك مؤقتًا مكتفيًا بالتلقّي فحسب.
*
على ما أتذكّر، في بداية الكتاب، كان حماسه واندفاعه في التدليل على أهمية الموسيقى خلاه يقع في فخ مزعج بالنسبة لي كشخص محب للموسيقى والأدب على حد سواء، وهو إنه رجح كفة الموسيقى علي سائر الفنون الأخرى في كل مقارناته، وإن كنت أتفق على ذلك في بعض المقارنات، زي قدرة الموسيقى على التعبير عن المشاعر المعقدة، وكذلك قدرتها على التعبير عن المجرد، إلا إنه وصل لحد تهميش دور الأدب وسائر الفنون، وعجزها عن تناول موضوع زي وجود الإنسان وصراعه، فانتصر للموسيقي اللي في رأيه قدرت تصيغ العلاقة الشائكة دي في مقطوعات زي السيمفونية الخامسة لبيتهوفن والخامسة لتشايكوفسكي، وأقر بفشل الأدب في ذلك، ودا قصر نظر وعجز واضحين في فهم الأمور، متصدرش من محب حقيقي للفنون عامة.
في مقارنته لذلك بين الموسيقى والأدب حول قدرة الأولى علي التعبير عن مواضيع إنسانية وجودية، دلل علي انتصارها بإنها لا تحتاج إلى لغة ليفهما جميع الشعوب، وقصور رأيه هنا واضح من تجاهله للمقدرة النقدية في الأدب دون الموسيقي اللي النشاط الأساسي فيها هو التلقّي، ففيها يكتفي المستمع بالتلقي والتذوق، غير الأدب اللي بيتميز بإثارة الأفكار والنقد لأن عملية القراءة نفسها أكثر تعقيدا من الاستماع في إنها بتثير الحس النقدي أكثر، فلا يكتفي القاريء بمجرد التلقي أو التذوق لكن أيضا المشاركة والنقد- الأمر الغير متاح في حالة الموسيقي- اللي في رأيي هي بالنسبة للإنسان نشاط جمالي أكثر من فكري، تعبيري أكثر من نقدي- وأنا أعتبر النقد نشاط إنساني رفيع. أيضا المدى الزمني الواسع اللي بيستهلكه القاريء في القراءة (قارن بين سرعة مرور الجملة علي القاريء، بسرعة مرور النغم علي المستمع) بيساعد وبيدفع الحس النقدي دا.
هو أراد من مقارنته إنه ينتصر للقدرة على التعبير(نشاط حسّي) على القدرة على النقد (نشاط فكري) في موضوع فكري من الأساس، اللي هو موضوع وجود الإنسان مثلًا. ودا عجز عن موازنة الأمور، في ترجيح كفة الموسيقى على الأدب.