لا أعتقد أنه من اليسير على المرء أن يتخذ قراراً بإنجاز مثل هذه الأعمال الحاسمة فى مجال التاريخ خصوصاً تلك الأعمال التى أخذت على عاتقها تصوير حقبة معينة من حقب التاريخ فى شمولها ووحدتها الكلية زمانيا ومكانيا كهذا العمل الذى يهتم فى الاساس بوضع تخيل عام حقيقى وعلمى عن تاريخ الامبراطورية الرومانية التى امتدت على مدار خمسة قرون وامتدت مساحتها لتغطى اكثر من ثلث مساحة العالم المعروف آنذاك . وشملت شعوبا وثقافات وأديان متعددة وامتصتها وأعادت صياغتها لتكون أدت دورها التاريخى من ثم لتنتقل الى مرحلة التدهور والإنحلال . ويرتحل الكاتب بالقارىء بين اجزاء الامبراطورية من حدود فارس شرقا الى المحيط الاطلسى غربا ومن اسوان جنوبا حتى انجلترا وبحر الشمال . ويطلعه على المعارك التى خاضتها . انتصاراتها وهزائمها . نشرها للحضارة وسقوطها على يد القبائل المرتحلة والمحاربة والمتصفة بالهمجية . ويعرفه على أباطرتها العظام منهم والأنذال . ويصور له فنونها المختلفة ويقدم له كبار هذه الأعمال الى جانب اصحابهم . اما عن تاريخ الامبراطورية نفسه فهو حقبة حضارية ودورة روحية كاملة وهى تتبع خط الحياة الفردية المعتاد الذى يصعد الى ذروة هذه الحياة وشدة قوتها وجموحها ثم يعود ليهبط حتى العجز الكامل عن التقدم اى الموت . وهذه هى الصورة الكلية التى يريد الكاتب ابرازها كهدف نهائى للعمل وهى التى تتطلب لانجازها شروطا وتعقيدات شكلية كبيرة ولكن الكاتب نجح فى تقسيم موضوعاته المتنوعة وفتراته الزمنية الطويلة بشكل رائع يضفى فى النهاية الوحدة على العمل ولا يعوقها . كما نجح فى تلخيص الاحداث والإبقاء على الموضوعى والمؤثر واغفال السرد والتفاصيل والأمثلة الا فى أضيق الحدود حتى لا يتشتت القارىء عن الهدف الرئيس ولا يمل من السرد التاريخى المطنب وهو ينتقل بنا بين حكم الاباطرة والاسرات المختلفة من يوليوس قيصر واغسطس والاسرة اليوليوكلاودية الى اخر اباطرة اسرة ثيودوسيوس ليحكم على كل منهم بما له وما عليه حتى يتضح للقارى ما للامبراطورية ككل وما عليها كما نرى انحلال الوثنية وتقدم المسيحية ودورها وعلاقتها بالامبراطورية كما نشهد على الانتقال من العصور القديمة الى العصور الوسطى ومن الحكم الامبراطورى المطلق الى حكم الاقطاع . كل هذا يسير فى خط متواصل ومتلاحم لا يقطع تجانسه قاطع ولا يعكر صفوه شائبه وهو يتبع منهجا علميا لا استنتاجات ذاتية ويتبع العقل والانصاف ولا يؤيد الاراء المتطرفة وان كانت هى السائدة نظرا لطبيعة العصر المتطرفة التى غابت عنها الحيادية وهو الامر الذى ادى الاتجاه الى عصور عرفت بالعصور المظلمة التى تبدأ بانهيار الامبراطورية الغربية . ونظرا لنقص الادلة من تلك الحقبة التى يستشهد بها المؤرخون فى نظرياتهم فى عصرنا ونقص الادلة والاثار هذا يرجع الى هجمات المسيحيين المتطرفين على الاعمال الوثنية كالمعابد والاعمال الفنية التصويرية ذات الطابع الوثنى او التى اقامتها الامبراطورية فى الولايات عندما ساد الخلاف والاضطهاد بينهم وبين المسيحيين . وكذلك نظرا لغزو البرابرة وسلبهم للكثير وحرقهم للمدن وللوثائق التى لا يرغبون فى بقائها وهكذا اختفت الأثار التى لربما ساهمت فى تأكيد تصوراتنا الا ان هذه الاجتهادات التى يقوم بها الانسان - نظرا لغياب الأدلة وندرتها - هى اساس حكمة وجوده ذاته .