أو رسالة "الدهشة"!، فلم أتوقع الكتاب هكذا، وإن كنت عثرت عليه دون غلافه أو مقدمته، لما توقعت - وإن خلت الأرض إلا منه! - إن كاتبه هو صاحب هذه الأبيات الخالدة:
أَيْنَ مِنْ عَيْني حَبِيبٌ سَاحِرٌ
فِيْهِ نُبْلٌ وَجَلاَلٌ وَحَيَاءْ
وَاثِقُ الخُطْوَةِ يَمْشي مَلِكاً
ظَالِمُ الحُسْنِ شَهِيُّ الكِبْرِيَاءْ
عَبِقُ السِّحْرِ كَأَنْفَاسِ الرُّبَى
سَاهِمُ الطَّرْفِ كَأَحْلاَمِ المَسَاءْ
مُشْرِقُ الطَّلْعَةِ في مَنْطِقِهِ
لُغَةُ النُّورِ وَتَعْبِيْرُ السَّمَاءْ
وإن كان هذا الكتاب في صفحات كثيرة منه مكتوب بلغة النور وتعبير السماء، كما يقول!، إلا إن إبراهيم ناجي في هذا الكتاب ليس إبراهيم ناجي كما عرفته، وإلا فما توقعت أن يحدثني عن حياة سقراط، ونظريات أفلاطون وفلسفته، وعن الحضارة اليونانية القديمة، وعن تطور العقل البشري، وعن رسالة النقد، وعن مذاهب الفن الحديث ودالي وبيكاسو، وعن علم النفس بهذا الأسلوب الخصب واستعراضه النظريات المختلفة الكثيرة في هذ العلم والحديث عنها بهذا اليسر والموسوعية
نسيت حتى إنه كان طبيبًا!، أو أن أستاذه في كلية الطب كان النابغة الرائد الدكتور: علي إبراهيم
.
.
قال أحمد رامي، في تقدمته لهذا الكتاب قصة عجيبة عن كيفية معرفته بناجي، وقد كان يعرفه قبل من أشعاره التي ينشرها في الجرائد:
وكنت ألقاه لمامًا، وأنا لا أعرف أنه شاعري الحبيب، فأرى في لفتته وإيمائه ما يذكرني بالطائر الفزع الذي يحسو الماء رشفة بعد لفتة، ويحييني فإذا حب يتبلور في نظرة ويتألق في ابتسامة، وإذا به يلقي عليَّ من شعري - ولا أعرف من الذي يتكلم - أبياتًا متلاحقة ربما لا أحفظها أنا بهذه النشوة، ثم نفترق وأظل أقول في نفسي: مَن يا ترى يكون ذلك الشقيق للروح، ويمضي الزمن فتطلع الجرائد وفيها شعر لناجي، وأقرؤه وأردده وأنا لا أعرف أن هذا الشاعر الهفاف في سمائي هو ذلك الحبيب الذي ألقاه حينًا بعد حين وأود أن أعرف اسمه
هذه أول معرفتي بناجي، أحببته لنفسه .. ولشعره، دون أن أعرف الصلة بين هذين الأثنين
.
.
وعلق ببالي الآن ما قاله ناجي في رسالة الأخلاق:
الدين قائم على الحقائق التي لا تُناقش، أما الفلسفة فشرح الحقائق البعيدة للحقائق الظاهرة، وأما العلم فتطبيق عملي لهذه الشروح والتعليقات، [...]، فالدين يتكئ على الفلسفة، والفلسفة تتكيء على العلم، وأن الفلسفة إذا عجزت تطعلت إلى الدين، وأن العلم إذا وصل إلى إزمةٍ تطلَّع إلى الفلسفة طالبًا منها المعونة
وإبراهيم ناجي كذلك هو القائل في ديوانه:
كلُّ شيءٍ صارَ مُرًا في فَمَي
بعدَ أن أصبحتُ بالدنيا عليما
آهِ!، مَن يأخذُ عمري كلَّه
ويعيد الطفلَ والجهلَ القديما
ويجدر بي أن أقول إنني أصبحت أنظر إلى هذين البيتين نظرة مختلفة بعد أن قرأت له هذا الكتاب
:D