يعالج هذا الكتاب قضية مهمة في مجال مقارنة الأديان وهي قضية تاريخ نقد العهد القديم واتجاهاته ، والمكتبة العربية بشكل عام تفتقر إلى مؤلفات في هذا الأمر ، ومن هنا تأتي أهمية دراسة دكتور أحمد هويدي أستاذ الدراسات اليهودية بكلية الآداب جامعة القاهرة.
يرى الدكتور إلى أن أول إشارة نقدية لنصوص العهد القديم كانت إشارة النبي إرميا عندما أشار إلى وجود كذب في التوراة بسبب الكتبة ، إلى أن تقدم هذا النقد خطوة على يد " علماء التلمود" وإشاراتهم لوجود تناقض بين الروايات ، ثم دارت التساؤلات حول عملية " تثبيت نصوص العهد القديم والاعتراف بقانونيتها " حيث تم التغاضي عن أسفار أكثر أهمية ، وكذا تساؤلات علماء التلمود حول من ألف كل سفر من الأسفار ، هذه التساؤلات لا يرى الدكتور أنها وصلت لدرجة " منهج" ولكنه يرى أن الأسئلة في حد ذاتها قيمة نقدية مهمة .
في العصر الوسيط حيث تأثر اليهود بعلوم المسلمين حدث تطور في عملية بحث العهد القديم على المستوى اللغوى والديني والفلسفي ، وفي هذا التأثر بالمسلمين يرصد الدكتور العمل التفسيري لأبراهام ابن عزرا بوصفه الباحث البارع في لغة العهد القديم وكذا الناقد التاريخي له ، فيؤكد الدكتور هويدي أن النقد التاريخي الذي قدمه ابن عزرا لأسفار التوراة وبقية أسفار العهد القديم استمده من عمل " ابن حزم الأندلسي " الذي قدم نقدًا متينًا لأسفار العهد القديم ، وبالمناسبة هناك فصل كامل في الكتاب عن منهج ابن حزم في نقده للتوراة ومصادره التي اعتمد عليها في هذا الأمر .
أما النقد المسيحي نفسه للعهد القديم لم يظهر إلا في عصور متأخرة ، وهذا التأخر في النقد لأن الكنيسة اعتبرت العهد القديم إرث مقدس لهم ، فكان النصارى الأوائل في حاجة إلى إيجاد دعم لهم من داخل العهد القديم ، لكن في فترة الوجود اليهودي بالأندلس وفي ظل التسامح الإسلامي تطور نقد العهد القديم عند المسيحيين .
في القرن الحديث - القرن السابع عشر- قدَّم " باروخ سبينوزا نقدًا علميًا موضوعيًا لأسفار العهد القديم ، وطرح إشكالات حول مؤلفي العهد القديم وتوقيت تأليفهم ، فبمنهجه العقلي استطاع الوصول إلى أن موسى -عليه السلام- ليس هو كاتب التوارة ، وأن سفر القضاة لم يُكتب بواسطة القضاة ، وأن الكاتب الذي ألف سفري عزرا ودانيال هو نفسه الذي ألف سفري أستير و نحميا .
لم يتوقف الأمر عند سبينوزا ، فمن منتصف القرن الثامن عشر بدأت حركة نقدية أوسع ، ونشأ الكلام عن المصادر وتطورها ، فقد وجد الكاهن الكاثوليكي " إلكسندر جديس" في نفسه الشجاعة على إعلان ان موسى -عليه السلام -لم يكتب التوراة ، ووضع نظريته " الأجزاء " = أن التوراة في صورتها الحالية مجموعة أجزاء منعزلة ، وهذه الأجزاء جُمعت من عصور مختلفة ومن مصادر عديدة .
وجاء فلهاوزن ووصف تطور ديانة العهد القديم ثم فحصه للأجزاء القانونية الموجودة بالتوراة ، ثم يذكر الدكتور هويدي أنه استُحدثت بعد ذلك أساليب جديدة في النقد ، كالبحث الأدبي في قصائد الرثاء في العهد القديم، وكذا قصائد الزواج، وهي أساليب بحث جديدة .
يرصد الكتاب كذلك أثر النقد الغربي في تطور النقد اليهودي ، مثلًا " حاييم هرمان شتينتل" كان يقارن الخرافات العبرية الموجودة في العهد القديم مع تلك الموجودة عند شعوب الشرق ووصل إلى الأصول اليونانية لأساطير العهد القديم .
أما اتجاهات نقد العهد القديم في الغرب فقد شملت " النقد النصي " و " النقد المصدري " و " النقد الأدبي " ، وقد استفاض المؤلف في شرح هذه الاتجاهات ، فالمشاكل المرتبطة بعملية تدوين وكتابة العهد القديم هي من اهتمام " النقد النصي " ، أما مصدر التوراة كإشكالية يهتم بها " النقد المصدري " ، بينما " النقد الأدبي " يبحث عن إجابة أسئلة " من مؤلف النص ؟ " و " متى وأين دون النص " .
الكتاب ليس كبير الحجم فهو ١٩٠ صفحة ، ولكنها صفحات ثقيلة ومركّزة ، وبالكتاب أسماء نقاد كثيرة ومصطلحات جديدة بالنسبة للقاريء البعيد عن هذا المجال ؛ مما جعل الكتاب على صغر حجمه مادة دسمه تُراجع مرات ومرات .