ما شبِعتُ يوماً من مادةِ علوم القرآن، وما قَنعتُ أبداً من ارتشاف رحيقها.
وإن مَثَلِي وأنا أقرأ هذا الكِتاب كمثل الذي يسأل أبيه عن حكايةٍ في عصر ما قبل جده، فأحاله أبوه إلى جده مباشرة ليخبره بما سَمع، ويُوعِظه بما فقه.
والجد هنا هو ابن كثير المؤرخ المُلهم الحافظ.
فما توانى جَدِّي ولا ادَّخر جهداً عن الشرح والتبسيط، وراح يجمع المرويات والآثار لي ويعلِّق عليها بفهمه وبُعد نظره.
ولو كُنت قرأت لأبي بكر بن أبي داود، أو أبي عبيد القاسم بن سلام ما وسعني فهم الحاصل والماثل، وما أدركت كل تلك المعاني، وترادفات المثاني.
ولقد قرأت في علوم القرآن ما يربو على الثلاثين مؤلفًا ما بين مصنفاتٍ للمتأخرين، ورسائل ماجستير ودكتوراه لمعاصرين، ولكني وجدت في فضائل القرآن لابن كثير مادةً أقرب، وتفصيل أعمق، ورؤية أبلج.
ولا يمكنني الزعم بأن هذا الكتاب منبت لعلوم القرآن وبهِ أصل الحكاية، ولكِنَّه إستحالَ يتلألأ بِزُبدتها، وعصير لُبَّتها.
في هذا الكتاب أجابني ابن كثير على كثير من الأسئلة التي دارت في خلدي وقيَّدتها في كُنَّاشتي وأنا أقرأ للمتأخرين، والمعاصرين عن جمع القرآن، وترتيبه، فكان ما ميَّزَ ابن كثير عن غيره ممن قرأت لهم هو دنوِّه النسبي من القرون الثلاثة المُفضلة، وربَّما تآلُف عقلي مع عقله، ولا أقول بهذا إعلاءً لشخصي، ولا حتى مقاربةً، ولكن كأنَّما اطَّلع ابن كثير على ما جاب في صدري فأجاب، وسمع هواجسي فأسكنها بمِدادِ دواتِه.
فكانت مطالبه صِنو مطالبي، وسؤالاته أخوات سؤالاتي، فاطَّرد مُراده ومرادي، وتساوق استفهامي مع إفهامه.