وقف أمام المرآة، لم يتفاجأ من الأخاديد التي حفرت وجهه، ولا من المستنقعات الداكنة التي تُطوّق عينيه حتى توشكان أن تغرقا فيها، لم يتفاجأ إطلاقاً:" من يستطيع أن يُصدّق أنّي أبلغ التاسعة والثلاثين من عمري؟"، قالها في نفسه ثم اقترب من المرآة وأطلق زفرة عميقة أثارت ضبابة موّهت الصورة على سطحه. نظر إلى لوكاس المموه:" يالله! ما أشبه هذه الصورة بي! أنا بهذا السراب، وهذه اللاملامح ذاتها بالضبط". ثم نفخ أخرى، يُريد لتلك الصورة التي بدأت تتضح تدريجيا أن تختفي ثانية، وربّما أراد لهذه الأسئلة التي تنخر في رأسه أن تتلاشى؛ تماما مثل هذه الغمامة.
طيلة حياته مع صوفيا لم يجرؤ لوكاس على البوح لها ولا حتى لمرة واحدة عن سبب الكابوس ونوبة الصرع التي تعتريه بعد كل كابوس، رغم أنّه قد مرّ على زواجهما ما يُقارب ثلاثا وعشرين سنة. ها هي صوفيا تذوب كقطعة سكر في مياهه المالحة، تضيع شيئاً فشيئاً، بينما الفراغات بين أصابعه تجعل من انتشالها وإعادة بلورتها أمراً مستحيلاً. فكرة أن صوفيا قد ضاعت إلى الأبد لوحدها كانت بالنسبة له فكرة قاتلة.
ما كانت صوفيا تُدرك أن لوكاس ودَّ لو أنّه يستطيع البوح، ولكن فقط لو امتلك القدرة على ذلك! كان عاجزاً من أن يصف لها ماحدث، وعاجزاً من أن يستحضر ذلك الماضي برمته وبكل تفاصيله الساخنة والغضة والقاصمة !
كراكاتو أسم لبركان يقع في جزيرة بركانية في اندونيسيا.
جعلت منه مهرة بنت أحمد بركاناً يسكن في الأنفس لإنسان هذا الزمان ، بطل الرواية لوكاس وقعت له حادثة أليمة في هذه الجزيرة حين كان طفلاً في التاسعة، وحين استيقظ من نومه فجأة إثر كابوس مخيف للحادثة بعد عشر سنوات ، ظل هذا الكابوس يجثم على صدره ويقلقه ويتسبب له بحالات نفسيّة ونوبات صرع لمدة تزيد عن العشرين عاماً ، مما أنعكس بشكل سلبي على حياته حتى خسر زوجته وحبيبته صوفيا.
ما أدهشني حقاً في هذه الرواية هي قوة الصياغة. وصفيّة بطريقة مذهلة فيها الكثير من الفلسفة، والتشويق ، دسمة المشاعر تدعوك الى التأمل والتفكير العميق حتى تصل الى السلام الداخلي.
"لن أصلي لأجل الحقيقة، سأصلي للباحثين عنها، فالحقيقة ليست بحاجة إلى من يصلي ، بل بحاجة الي من يصل".
أجد هذا النوع من الروايات يستحق الاهتمام والعناية، ليس على مستوى القارىء فقط، وإنما على مستوى الأدباء والنقاد والناشرين، فهي تحوي على ذكاء لغوي مميز، وأفكار حديثة ومبتكرة، إضافة إلى الكثير من الحكم والمعلومات التي بالفعل قد تغير أفكار من يقرأها، وبالتالي تتغير حياته ... شكرًا جزيلاً للكاتبة التي أضافت إلى ذاكرتي تعاليم ماكسميليان وشغف ألكسندر وإيمان خالد وبساطة لويزا .. واستمتعت كثيراً كمثل جون .. أو أكثر.
حقيقة باديء ذي بدء شدني عنوان الروايةوالغلاف، ثم حين انتهيت إليها ووجدت أن الكاتبة خليجية ترددت قليلاً، فنادراً ما يكتبن الخليجيات رواية تخرج عن إطار النمطية وحكايا الأفلام، ولكن حين قرأت الكلمة المكتوبة على صدر الرواية:" من الحكمة فقدان الحكمةأحيانا" علمت أني أمام كاتبة لا يستهان بها، وكذلك الكلمة المختارة على الغلاف الخلفي، تشجعت واقتنيتها، وأستطيع القول الآن أن الكاتبة غيّرت من نظرتي اتجاه الكاتبات الخليجيات، أخرجتهم من النمطيةوكسرت قالب الاعتياد، استمتعت بكل حرف وكل كلمة .. رواية عميقة تحمل من فلسفات الحياة الشيء الكثير والثمين
النص الروائي الذي بين أيدينا يمنح لقارئه فرصة كبيرة للوقوف على تجربة أدبية تمتلك من المؤهلات ،ما يجعل منها كاتبة إماراتية بإمتياز ، تمكنت من إحداث القطيعة من خلال نص أدبي يختلف جذريا عن تلك الكتابات التي لم تتمكن من وضع جسور ثقافية وفكرية ما بين الغرب والشرق ،في محاولة جادة من الكاتبة مهرة بنت أحمد من وضع الإنسان ليس كقضية وإنما كأساس لبناء الإنسان في حد ذاته عبر محاكاة الذات الإنسانية في أقصى التوقعات الممكنة وتلك غير ممكنة ،قصد الوصول في النهاية إلى نتيجة واحدة تكمن في أن الذات الإنسانية رغم إختلافات والتباينات الحاصلة والمتغيرات المحيطة داخليا وخارجيا ، تبقى مركز الأنبعاث والشغف إلى الحياة إن لم نقل أكسير الحياة بأكمله ، ولن يتأتى لنا ذلك إلا عبر معرفة كبيرة وشاسعة لهذا الكائن الذي حباه الله دون باقي الكائنات بالعقل ..هذه النظرة أو الفكرة الشمولية لا تهدف إلى وضع أطروحات أكل عليها الظهر وشرب وإنما تبحث هي الأخرى على أقنعة العقل الإنساني بأن الذات الإنسانية واحدة ذات بعد مختلف وتجليات متباينة وأن الإنسان هو الباعث على الحراك وأن الداخل هو الأساس ، بعيدا عن أي نظرة مادية تريد أن تجعل من الإنسان أسير المادة أو الجماد وأن خلاصه الحقيقي يكمن في تلك الرؤية العميقة للداخل الذي يبقى يشكل في حد ذاته الأسطورة أو الكنز الدفين .الكاتبة الإماراتية مهرة بنت أحمد القادمة من أقاصي الذات الإنسانية عرفت من خلال نسق روائي محكم ولغة إبداعية راقية الوصول إلى إخراج القارئ من عنق ال زجاجة بفضل تلك التركيبة السحرية التي إمتجزت فيها اللغة الإبداعية بالصورة الفنية والأسلوب السردي الذي ينم على أن الكاتبة لها ما لها في ترتيب نص روائي لم يصنع القطيعة مع النمطية وإنما قدم قفزة نوعية على مستوى الأادب الخليجي مشكلا بذلك محطة مفصلية سيكون لها إمتداد في الأفق المفتوح وليس المحدود
بصدق كبير لا أظنني أملك المؤهلات لأنتقد الرواية تقنياً ..
ولكنني - كقارئة- وجدتها متكاملة تماماً .. شيء أشبه بفيلم أمريكي .. الفكرة الفلسفية تجلّت بتأنِ بطول صفحات الكتاب , لنصل إلى الاستنتاج الأخير بمنطقية كبيرة .. ليس ثمة دهشة تخص الاستنتاج لأننا نعرفه على ما أظن .. الدهشة كانت أن صياغته تبدّلت وأصبحت أكثر وضوحاً .. لقد تحول من خانة الاستنتاج إلى خانة القناعة التامة .. الرضا إن سكن في قلبك فأنت أسعد مخلوقات الله .. لن تكون يوماً التعيس الأوحد على هذه الأرض .. هنالك دائماً من يعاني مثلك أو أكثر منك .. وهذا كفيل بان يمنحك قليل من المواساة على أقل تقدير ..
من جهة أخرى .. أنا سعيدة بانه ثمة كاتبة خليجية إماراتية امتدت إلى الرواية الفلسفية , إلى الحكمة .. بعد أن تشبعنا في السنوات الأخيرة من الروايات العاطفية ..
سعيدة جداً وفخورة جداً .. وبانتظار العمل القادم بكل تأكيد .
" خُلقنا من تُراب ، لكن حنينا الدائم إلى السَّماء ، لماذا بظنّك يُشعرنا السفر و ركوب الطائرة بنشوة غريبة لا نستطيع تفسيرها ؟ نحن نجهل أن سبب النشوة هو أننّا حين نركب الطائرة فإننا نقترب من السّماء ، نقترب من موطننا الأصلي ، و نبتعد عن الأرض مصدر غربتنا "
هذه الرواية كانت رحلة تصالح و سلام مع دواخلنا المبعثرة جداً جميلة
كتاب اكثر من رائع ، تجد نفسك به ، تشعر بأنك أنت "لوكاس" التائه ، تعيش معه آهاته و تشعر بتسرب ضحكاته ، تشعر في بادئ الكتاب أنك دخلت نفقا". و تريد الخروج منه و كلما حاولت جاهداً مسرعاً بالقراءة لكي تخرج من هذه الظلمة ، تجد نفسك غارقاً أكثر ، فليس بمقدورك اقفال الكتاب و عدم العوده له ، تشعر بأنك مجبر على إكماله للخروج من سريعاً، و يبدأ أول بصيص النور في الجزء الرابع و تبدأ أثغرتنا تبتسم من قلوبنا مع بسمات "لوكاس" ، و تبرق العيون لسماع ضحكاته النابعه من قلبه، و أخيراً الجزء الخامس الذي نجد اننا جميعاً كنا "بطل القصه" و أننا نحن من كنا نحتاج لإنعاش ذاكرتنا و إيجاد أنقسنا في قلوبنا و قلوب من نحب، فلا تغيير المكان ولا السفر و لا الوحده ستغيرنا.،
حيرتني هذه الرواية .. والله أعلم أنها ستتبوأ منزلة بين الأدب العالمي وتنال مكانة ليست هينة، إذا ما قرأناها متجردين فإنها تحرك كوامنا في النفس وتفتح أبوابا مغلقة، وأظنني لست وحدي، أكيدٌ من أن هناك غيري من ساعدته للوقوف على قدميه من جديد ..
من واقع خبرتي في علم النفس فأعتقد أنها تؤسس لمنهج علاجي جديد في علم النفس وهو المنهج العملي .. أين الخبراء والنقاد ليفتوننا في أمرنا؟
اكتبي أكثر، فهناك كثر يتمنون من يساعدهم على اكتشاف أنفسهم بقالب شهي ممتع كهذا
الروايةفاقت الروعة التي سمعتها عنها،جالت بي الروايه في أجمل مدن العالم والأحداث كأنها صور حقيقه تمثل أمام ناظري بأدق تفاصيلها،خاضت بنا غمار الكثير من العلوم منها علم النفس التمثل في حالة لوكاس العصية وتعايمات ماكسميليان المجنونة،،، المهم حبيتها وااااااايد واااااايد.
قرأت الكتاب أنا وصديقتي في الوقت نفسه... ووقعنا تحت تأثيرها .. اسرتنا تفاصيلها وأحداثها الشيقة لثلاثة أيام أو أكثر ... رائعة عشنا الأحداث وتساءلنا مع البطل كما تساءل .. بكينا معه وضحكنا معه ... تعرت الذاكرة أمامنا وتعلمنا كيف نتصالح معها ونعتبر عوراتها جزء منا لا يتجزأ ... وكم نتمنى لو أن دكتور ماكسمليان موجود حقيقة.. بل أننا نتندر أحيانا ذات حزن لو انه موجود فنلجأ له ليعالجنا بعلاجه الصاعق والغريب الذي اخترعه . .. حقيقة رواية مرئية فعلا كما قال أحدهم، شعرنا ونحن نقرأ أننا نشاهد فيلما.. متلهفات لجديدك يا مبدعة
رواية مميزة، وفكرتها مختلفة... أعجبني الإبحار في عوالم بعيدة عن جنسية الكاتبة، وهو ما ذكرني برواية سارة حيدر الأولى "زنادقة" التي كتبتها في سن 17، لكن تبقى تجربة الكاتبة الإماراتية مهرة أكثر نضجا ربما بحكم السن
الرواية الخليجية تمر حاليا بمرحلة ازدهار، يؤثث هذا المشهد الشاب المتحرر أسماء صنعت طريقها عن طريق الاختلاف عن السائد، وما نجاحهم في مزاحمة الكبار في مختلف الجوائز المرموقة إلا دليل من مجموع دلائل تشير إلى هذا التميز، ترشحت رواية مهرة لجائزة الشيخ زايد، ومازلت أتمنى لها التوفيق في كل أعمالها القادمة
كم نحن بحاجة إلى رواية تجمع بين الأحداث والحكمة، التشويق والفلسفة، أتذكر في إحدى المقابلات التلفزيونية مع أحد النقاد يقول:"كتب الفلسفة مملة وعميقة بحيث تستعصى على أفهام الكثيرين، والروايات أحداث وصفية مجردة، وكم نحن بحاجة إلى رواية تجمع بين الاثنين" وهذا ما توفر بقوة بهذه الرواية، الاستمتاع والفائدة.
رحلة لوكاس مع ذاكرته المثقوبة محفوفة بالآلام الانهائية بيد أنها تنتهي بحل بسيط جدا لم ينتبه إليه لوكاس !
أشعر بالأسی بأن تنال عدة شبه روايات اماراتية الصيت العالي وتبقی هذه الرواية طي الهدوء والسكون .. قلم مهرة متمكن جدا ومبدع جدا لدرجة أنك لن تستكثر علی نفسك قراءة نفس السطر مرة أخری .. بكل ثقة أقول : سأقتني الاصدار التالي لمهرة.
رواية رائعة ... عميقة جدا في معانيها و مفرداتها و ترابط افكارها ... بعد رحلة عناء يكتشف لوكاس انه لا يصلح له سوى قلبه لكن شرط ان ينفص عنه غبار السنين و يتعايش مع ذكرياته الأليمة ...
مع اني لا أحب هذا النوع من الروايات الفلسفية لكن شدتني هذه الرواية و عشت تفاصيل رحلة "لوكاس" مع صفحات الكتاب ...
الشكر كله للكاتبة على هذه الوجبة الدسمة من المشاعر الداخلية التي تدعوك للتفكر في حالك و تتمنى ان تصل للسلام الداخلي الذي وصل له "لوكاس" ...
كراكاتو .. رواية نفسية فلسفية عن النفس بانثيالاتها المتداخلة مع الحياة. تناغمت بين الرمزي والواقعي .
كراكاتو.. البركان الثائر ماهو الا الوجه النظير لجوهر لوكاس المختزن والمكتنز بالغضب والخوف والألم. لو كاس الذي عاش أزمة مع روحه، و في ضجيج داخلي مستمر لا يهدأ كأفقٍ رماديٍّ ومجهول!
ناقشت مهرة في روايتها هذه الأبعاد الجوانية للنفس المهترئة والتي تعاني من النوستالجيا العقيمة، ونكوص أشبه بالقسري في الذاكرة. خطت بنى معرفية للوصول بها للسلام الروحي والرضا عبر تقنيات نفسية وروحية محكمة، كخفض الحساسية التدريجي بتعريض النفس لاختبارات متدرجة في الشدة والأثر. العزلة والتأمل. برأيي اتبعت مهرة في علاج الشخصية الرئيسية "لو كاس" نهج المدرسة النفسيّة المعرفية والتجريبية. بإعادة تشكيل هندسة أو صور الخطط الذهنية للعقل .
يقول ميشال فوكو: " نحن لا نعيش في مساحة بيضاء محايدة. نحن لا نعيش، نحن لا نموت، ولا نحب في صفحة مستطيلة من ورق. نحن نعيش، ونموت، ونحب في فضاء شبكة منحوتة، ملونة، في مناطق مضيئة ومظلمة، واختلاف في مستويات الدّرج، والثقوب، والمطبّات، وغيرها من المناطق التي يصعب تفتيت اختراقها." وهو ما سعت مهرة في شرحه و علاجه للقارئ من خلال رحلة لو كاس في الالتقاء بذاته من جديد.
اللغة كانت حراك متناغم بين الذهني والحسي . كما استخدمت بشكل بارز ثنائية الظاهر والباطن في مخيلة السرد.
بداية ما قرأت الرواية ظننت الرحلة ستكون في كراكاتو مغامرة وفيها أحداث شيقة لأجد نفسي في مغامرة وإثارة وتساؤلات ورحلة في أعماق النفس . لغة الرواية شيقة ورائعة ومؤثرة وتشدك لتعرف أكثر لتفهم أكثر . الأحداث مليئة بالاثارة والتشويق والتنوع . أحيانا تبدأ من الحاضر للماضي وأخرى من الماضي للحاضر . حقيقة تكنيك عالي بالخيال . ثمة أكثر من عقدة وأكثر من حبكة . والحلول أحيانا قوية وغريبة و احيانا سخيفة لكنها عميقة في النفس . لا اعرف ان قصدت ذلك تماشيا مع فكرة الرواية التصالح مع الذات والقلب . أي أن الاحداث السخيفة تحدث ندوبا عميقة ان اهملت . كما ان الرواية تميزت بثقافة الروائية العالية أشعار غوته وفلسفة نيتشه وباولو كولو . والرحلة بارجاء العالم .
حظيت مؤخراً برفقة «كراكاتو» لمهرة بنت أحمد وولجت إلى عوالمها الزاخرة .. شدّ انتباهي الثراء اللغوي للكاتبة، ما جعلني أقول لنفسي: «إنكِ أمام قارئة من الطراز الرفيع يا أسماء»، كما استوقفني المخزون الثقافي والنضج الذي لا يكتمل أي عمل أدبي أو روائي إلا به.
استوقفني أيضاً عنصر التشويق حيث إن مهرة تقول ولا تقول فتحبس أنفاس القارئ، تسقيه عطشاً وتعبث بأعصابه في خطة ناجحة لاستعجاله إتمام الرواية.
جنحت مهرة إلى توزيع عدد من الأقفال بين ثنايا الرواية وتركت للقارئ مهمة البحث عن مفاتيحها من خلال متابعة القراءة، فحين تقرأ كراكاتو لا بد أن تتساءل عن كُنه الحادثة التي تعرض لها لوكاس في طفولته ولا بد أن تفكر مليّاً في سبب عدم رغبة لوكاس في إنجاب الأبناء، كما أن علامة استفهام كبيرة ومثيرة ستصول وتجول في رأسك حيال لغز الرؤيا، كما أنك ستسأل نفسك: لماذا يطلب الدكتور ماكسيمليان قلب لوكاس يا ترى؟ وما حكاية كل من خالد ولويزا وجون وألكسندر؟ وما سر قبولهم استبدال قلوبهم مع لوكاس؟
لفتت انتباهي الطريقة الارتجاعية لكابوس الحادثة وما تحمله من أبعاد حيث إنها تشي بانفراج الأزمة، كما كانت تعيد برمجة عقله وتصطحبه تدريجياً إلى ما قبل الحادثة وكأن شيئاً لم يكن، معالجة ندوب ذاكرته رويداً رويداً ومؤهِّلة إياه لحياة طبيعية.
شدَّتني أيضاً مهارة مهرة في تشكيل شخصياتها حيث إنها نحتت ملامحهم وأعطت كل واحد منهم كاريزما خاصة، فكان لكل شخصية مهمة محددة ودرس معين تقدمهما للوكاس وللقارئ أيضاً على طبق من سحر.
يبدو من كراكاتو أن بإمكان مهرة أن تُفلسِف أي فكرة تقع بين يديها، كما بإمكان خيالها أن يجمح إلى أبعد الحدود وهذا ما أثبتته الرؤيا المثيرة ذات الدلالات العميقة التي رآها لوكاس في منامه، والتي اتضحت شيئاً فشيئاً .. كما اتضح أن لكل عنصر ولكل حدث قيمته وتأثيره على مجرى الأحداث.
أهنِّئ مهرة بنت أحمد على «كراكاتو» التي تمكَّنت بمنتهى البراعة من أن تمرّر أفكارها الفاخرة وفلسفتها الساحرة بين سطورها مخترقة عقل القارئ ومستحوذة على اهتمامه، وسأكون دائماً في انتظار ما يجترحه قلمها من ألق.
تساؤل أخير: ماذا لو تجسّدت «كراكاتو» في فيلم سينمائي؟
ندوب الذاكرة كثيرة ولكن عندما نعلق في إحدى هذه الندوب تصبح عائق كبير في حياتنا. كذلك كان لوكاس استيقظ ذلك الندب بعد عشر سنوات ليوقظه من الكبت الذي كان بداخله، بعد كل تلك السنوات استمر في ملاحقته عشرين سنة ليفزعه وهو في نومه. في رحلته لعلاج هذا الندب فقد الكثير والكثير وأهم شيء فقده هو زوجته ولكن لم يفده أي علاج ولا اي معالج نفسي. اخر علاج قرر أن يجربه هو العزلة في الريف ولكن بعد مدة تسرب إلى قلبه اليأس بأن اخر حل أيضا لم يكن له مفعول، ولكن الصدفه تعرفه على الطبيب النفسي ماكسمليان والمعروف في تلك الآونة بسبب طريقة العلاج الجديدة التي اقترحها، تلك الطريقة التي تسببت في ضجة إعلامية كبيرة لدرجة ان الاعلام أطلق على الدكتور لقب المجنون بسبب طريقته الخيالية. كراكاتو هو بركان ثائر يقع في إندونيسيا، ماهو إلا وجه النظير لجوهر لوكاس المختزن والمكتزن بالغضب والخوف والألم. لوكاس الذي عاش في صراع داخلي مستمر لا يهدأ كأفق رمادي مجهول!
👌🏼تجربتي مع الكتاب: "من الحكمة فقدان الحكمة أحيانًا" من هلوسات لوكاس.
أبحرت الكاتبة في سماء علم النفس والفلسفة، اصنفها من أفضل الكتب الأدبية الفلسفية النفسية تناغمت الرواية بين الرمزي و الواقعي. كسرت الكاتبة كل الحواجز التقليدية والنمطية خرجت من إطار الكاتبات الخليجيات والنصوص والأفكار الدارجة سحرت بالطريقة الأدبية الإبداعية التي جمعت بين الأدب والفلسفة والتشويق. ذهبت في رحلة لوكاس للبحث معه عن السلام الروحي والرضا وفي نهاية المطاف وجدت نفس الذي وجده لوكاس وهو الحل البسيط الذي لم أفكر فيه المعالج القريب الذي لم يخطر على بال لوكاس هو ذاته وصلت للطريق بتقنية نفسية وروحية محكمة جدا. " تظل طوال الطريق تتلفت حولك بحثا عن المرشد الروحي الذي سيأخذ بيدك نحو النجاة، دون أن تعلم أنك لن تجده حولك، لأنه موجود داخلك، رافقك منذ أول خطوة بحث... "