هذا كتاب من أدب الرحلات للشاعر الأستاذ صالح جودت .. يروى لنا فيه أجمل ما رأى وشاهد وقرأ خلال رحلته الطويلة في مختلف أركان العالم .. بقد طاف بكل ركن من أركان العالم حتى بلغ اليابان شرقا وأمريكا غرباوالقطب شمالا وسجل لنا بقلمه الطائر ما رآه في تلك البلدان وقص علينا أغرب الحكايات وأجمل الأساطير ويرى الكاتب أن الأديب لا يستغنى عن الرحلة الجسدية فلها أثرها على الكاتب فهي إنفتاح على دنيا جديدة بكل أجوائها وألوانها وحضاراتها وثقافتها وفنها وهزلها وجدها فالأسفار مادة للكاتب لا تفنى وقد كانت الإلهام الأول لكثير من الكتاب العالميين أنك في هذا الكتاب تشم عطور الشرق و ترى حضارة الغرب فتمضى أجمل اللحظات مع فلسفة شاعر الرباعيات عمر الخيام وأغاخان ومستنجيت وسومرست موم .. لقد سجل صالح جودت بعض أحاسيسه في رحلاته شعرا لكنه رأى في هذا الكتاب أن المقالة والمقالة وحدها هي التى تستطيع أن ترسم الصورة الصادقة للبلد الذي يزوره الكاتب وتتيح له براحا متسعا وصادقا للوصف الشامل بخلاف القصيدة أو القصة أو الرواية لأن هذه الأعمال تلتقط بضع لقطات محدودة ثم تضفي عليها سياقا من صنع الخيال وبعد فلنتركك أيها القارئ لتمضى أجمل اللحظات مع أغرب الأساطير وأجمل الحواديت في هذا الكتاب الفريد
بهرني صالح جودت كمترجم أولا في رواية العجوز والبحر وبهرني ككاتب ثانيا في هذا الكتاب الذي حصلت عليه مجانا فهو يحكي حكاية من كل بلد زارها لكنه ليس كتاب رحلات فيبدأ من الهند ويحكي عن سيد هارتا الذي عرف لاحقا ببوذا مرورا بالأمريكتين وشعراء المهجر ويعود للشرق للحديث عن شهيد القومية العربية عبد الرحمن الكواكبي ويستمر في الشرق وليسرد سيرة حياة عمر الخيام ويطير مرة أخرى لامريكا ليصف النفوذ الصهيوني الهائل في نيويورك ويذهب لعاصمة النور للقاء مع مستنجيت نجمة الميوزك هول وأحد رواده العظام (وأنا أول مرة اسمع اسمها ومعرفش يعني ايه ميوزك هول أساسا :D) ويعود أخيرا لموطنه القاهرة للحوار مع سومرست موم ويقرر الذهاب لروسيا ليتكلم عن ألكساندر بوشكين أمير الشعراء الروس ذو الأصول المصرية !! وينتهي الحديث من فيينا عن سيجموند فرويد
فرصة سعيدة يا عم صالح أمتعتني كثيرا وأتطلع لقراءة المزيد لك
قدَّمَ صالح جودت هذا الكتاب الصغير بقوله: في جولاتي بين ربوع هذا العالم، التقطت عشرات من القصص، وذات ليلة، جلست استعرض شريط رحلاتي، وأحوال أن أتذكر أجمل قصة التقطها من الهند، ثم من المهجر، ثم من مكة المكرمة، ثم من انجلترا، ثم من اليابان، ثم من إيران، ثم من أمريكا، ثم من فرنسا، فإذا هي مزيج لذيذ من الأساطير والحواديت، في العقائد والتقاليد والأدب والشعر والسياسة والفن وكتبتها .. فكانت هذا الكتاب
(!!)
:D
صراحة باستثناء القصة الأولى الذي تحدث فيها عن بوذا، والذي جاءت على نمط حكاية الأساطير، وبعنوان جاذب مثل: (قصة بوذا: المعلّم الذي حارب الأصنام .. فأصبح صنمًا)، وبدأها قائلاً
تقول الأسطورة: منذ خمسة وعشرين قرنًا من الزمان، كانت تقوم عند أقدام جبال الهملايا، ممكلة من ممالك الهند، اسمها مملكة (ساكيا)، يحكمها ملك أسمه (سود هودانا جوتاما)، وكان ملكًا قويًا، واسع الثراء، محبًا لشعبه، محببًا إليهم، وكان يقيم في قصر شامخ بحاضرة ملكه (كابيلافستا)، ولكنه كان، على فرط ما واتاه الله من أسباب السعادة، حزينَ النفس، لأنه لم يرزق ولدًا
وكان هذا الولد هو بوذا!، والحمد لله كانت هذه القصة الوحيدة على هذا الأسلوب، أو كانت هذه الأسطورة الوحيدة في الكتاب، فهو يعود بعدها إلى أسلوبه الصحفي، إلى الحواديت، وذكرياته في أمريكا وإنجلترا واليابان، وعن الشخصيات التاريخية بأسلوب صحفي كذلك كعمر الخيام، والكواكبي، وعن حوار صحفي فاتن للغاية أجراه مع سومرست موم، خلال زيارته لمصر، وقبل تحديد ميعاد الزيارة التي حلم بها منذ أن سمع أن موم ينوي قضاء أيام في مصر، عكف صالح جودت ولمدة ليلتين حتى مطلع الفجر، على قراءة إحدى كتب موم، واستوقفته أثناء قراءته للكتاب عبارة قاله موم عن هؤلاء الناس الذين يتهافتون على مقابلة أهل الشهرة تقول: إن مباهاتك أمام أصدقائك بأنك تعرف المشهورين، ليست إلا دليلا على صغر قدرك
.
.
قرأت هذه العبارة، فخبت في نفسي جذوة الشوق إلى لقاء الرجل، وأحسست أنه صفعني قبل أن أراه، وترددت في الذهاب، بل لقد أوشكت أن أخلف موعدي، ولكن هل ترحم صاحبة الجلالة رعاياها، وأنا منهم؟!، وهل يغفر قارئ الصحف للكاتب هذا الإهمال
(!)
وانتصرت الصحافة!، وذهب في الموعد تمامًا، ودخل إلى غرفة الكاتب الكبير ووحده يلعب وحدَه لعبة من ألعاب الورق يقطع بها الوقت
وكان أول ما قلته للرجل، لكي أفتح الباب بين قلبي وقلبه: أنا آسف لإزعاجك يا مستر موم، إذ أعرف أنك كما قرأتُ لك، لا تحب الذين يتهافتون على مقابلة أهل الشهرة
فقاطعني الرجل بما طيّب خاطري، وقال: إلا الصحفيين .. إني أرحب بهم وأحب لقاءهم في كل وقت، لأنهم يذكرونني دائمًا بأيام الشباب، حينما كنت أقدح بقلمي في سبيل العيش
وأنهى هذا الحوار الخصب بسؤال عن كيف يرى النهاية بعد أن جاوز الثمانين من العمر، (وهو الملحد القديم)، فتحدث سومرست موم عن الذين ينتحرون هربًا من التقدم في العمر ثم قال: ولماذا نهاب الشيخوخة والضعف والموت؟، إن الحياة لا معنى لها والموت نهاية كل حي، وليس بعد الموت حياة أخرى
ويطرق قليلاً، ثم يقول:
لقد كان الصباح جميلاً، وجاء الظهر فكان فاتنًا، وأقبل الغروب فكان رائعًا .. ثم جنَّ الليلُ!، ومن الغفلة أن يسدل المرء ستائرَ غرفته ويوقد المصباح ليرى النور ولا يرى الليل
هذا جميل!
وتحدث صالح جودت في حدوتة أخرى عن عمر الخيام، وأشاد بالتأكيد بترجمة صديقه المقرّب: أحمد رامي، وقال إن هناك رباعية صحيحة النسب إلى الخيّام وقع عليها رامي ولم يجرأ على ترجمتها فيما ترجمه من الرباعيات، ثم قال لنا صالح جودت ترجمتها نثرًا كما نقلها هو من رامي، وهي تقول
إن الخيّام كان في خلوة مع إحداهن وأمامهم قنينة النبيذ وكان يصب لها الكأس تلو الآخر، ويتلو عليها من شعره وإذ هما كذلك هبّت عاصفة هوجاء أطفأت القنديل وأمالت قنينة النبيذ فنظر الخيّام إلى السماء قائلا: ماذا جرى يا إلهي!، أنحن نسكر وأنت تعربد
وعند هذه الرباعية التي (نستغفر الله في ترجمتها)، نقف لنتساءل: هل كان هذا الشاعر مؤمنًا أو كافرًا؟، لقد اختلف الباحثون في مدى إيمان عُمَر
..إلى آخر هذا (المبحث)!
ولا حقًا!، وإلا فأنت وجدت ببراعة منفذًا مقبولاً أدبيًا لحكاية حكاية هذه الرباعية المجهولة