أديب وصحافي ومدرس وباحث فلكلوري لبناني. دكتور في الفلسفة واللغات السامية ومحاضر جامعي. له ابحاث في اللغة واللهجات والأمثال والملاحم والأساطير القديمة، تميز بدراساته العلمية والأكاديمية، درس اللغات السامية والحضارات القديمة في الجامعة الأمريكية في بيروت، وكلية الإعلام في الجامعة اللبناني. أتقن عدداً من اللغات السامية كالسريانية والعبرية القديمة أي الكنعانية والأوغاريتية المكتوبة بالحرف المسماري. اهتم ببعض الجوانب من تاريخ لبنان وتراثه الشعبي ولهجات قراه وعاداتهم وتقاليدهم وأمثالهم، إضافة إلى اهتمامه بتبسيط قواعد اللغة العربية والخط العربي.
لم يمنعه التعليم عن الكتابة والتأليف، فكان له عدد كبير من المقالات والبحوث في الصحف والمجلاّت، اضافة الى كتب مختلفة المواضيع، جلّها في اللغة والأدب وقد أعار اللغة العامية الكثير من اهتمامه، وكانت له آراء خاصة بهذا الموضوع تنمّ عليها مؤلفاته. كتبه المطبوعة: 1. اسمع يا رضا – مطبعة الكريم جونيه 1956 – 224 صفحة 2. معجم أسماء المدن والقرى اللبنانية – مكتبة لبنان – 1972 – 191 صفحة 3. يسّروا أساليب التعليم – الجامعة الأميركية. بيروت 1956 – 86 صفحة 4. محاضرات في اللهجات والأساليب ودراستها – مطبعة الرسالة 1955 – 91 صفحة 5. معجم الألفاظ العامية – مكتبة لبنان – 1973 – 195 صفحة 6. هذا أيسر. رسالة الى وزير التربية شارل مالك.
من الكتب الجميلة التي قرأتها، ولطالما وقعت في غرام الكتب القديمة ذات المحتوى العميق البعيد عن السطحية في البحث والتأليف، بعد انتهائي من قراءته، ذهبت لقراءة المراجعات القليلة حوله وتعجبت من الاستخفاف بأهميته بل وبعضهم ترك معرفة محتوى بعض الفصول المتروكة (حتى لا يتزعزع إيمانه!) وبدأ بإبداء رأيه بكل ثقة حول ما تركه بأنه لا مصداقية له وغيرها من الأعذار!
أعجبني الكاتب (ويبدو أنه مسيحي) إلا أنه لم ينحاز على حساب دينه أو دين غيره وإنما واصل البحث عن الحقيقة مهما كلف ذلك أن يكون اعتراضا لما هو مكتوب في دينه، هذه شجاعة نفتقدها عند كتّابنا كثيرًا
الكتاب هو بحث، بحث بكامل حيادية وأكاديمية استمتعت بدقة الكاتب واتضاح غزارته الفكرية والبحثية لاخراج مثل هذا الكتاب، أحببت الزمن الذي أُخرِج فيه هذا الكاتب كتابه، باعتباره لبنانيًا ومسيحيًا فلا ننكر الضرر الذي ستولّده الحرب الأهلية لو ظهر هذا الكتاب بعد سنوات قليلة فقط قد يغيّر مجرى ذلك كله، أي مع دخول الحرب (الكتاب طُبِع عام ١٩٦٣، والحرب بدأت بالسبعينيات وانتهت على مضض مع بداية التسعينيات بتبادل اتفاقات إيقاف القتال رغم بقاء الكراهية في نفوس الكثير من مختلف أطياف الشعب اللبناني نتيجة تلك الحرب الأهلية).
ما زلت أعتقد بأنه لو تأخر قليلا في كتابة الكتاب لربما سينجر الكاتب لوقع التعصب مع الحرب الأهلية، من يعلم؟ كتابه هذا كشف عن صدق الباحث في بحثه دون المساس بالأديان بسوء أو تعصب والتركيز على الحيادية ضمن إطار المصداقية الأكاديمية
حسنا، فلنعد لنتحدث حول الكتاب الجميل، بدأ الكاتب كتابه بمقدمة جميلة حول المرة الأولى التي سَمِع فيها عن قصة أحيقار الحكيم وكانت أثناء طفولته من لسان امرأة عجوز، كانت الأمهات يرسلن أطفالهن في عطلات أيام الطقس السيء وتوقف المدارس إلى علية تسكنها عجوز لتحكي للأطفال حكايات، من بينها حكاية عن شخصية تسمى أحيقار وكان حكيما، ومن ثم تسرد قصة حول ذكائه في حل المعضلات التي تواجه ملكه باعتباره هو وزيره. تمر السنون، وإبان دراسته الجامعية في إحدى الدول الغربية يصادف أن أخرج أحد دكاترته مخطوطة آرامية قديمة اكتُشِفَت مؤخرًا (حينها) وكانت تعتبر أقدمها مدوّنة لحكاية بطابع وثني (كونها من زمن آشور) دوِّنَت فيها قصة أحيقار ليكتشف بذلك أن ما كانت تحكيه تلك العجوز لأطفال الحي عمرها ما قبل الميلاد وقد وصلت شفهيًا طوال تلك المدة حتى مع وجود بعض الإضافات والتغيير وإضفاء الصبغة الدينية المسيحية/اليهودية بها.
كما قلت سابقا، ألتمست من الكاتب أنه مسيحي (وقد أكون مخطئة)، والسبب في هذا هو تشبعه بالمعرفة اللغوية للآرامية والسريانية ومنها كان دقيقًا في الشرح والتطبيق لأجل بحثه، نعم هناك الكثير من يستطيع التعلم ولكن القليل من يتقن الفروق باختلاف المخطوطات واختلاف المعاني للألفاظ ما لم يكن مجتهدًا أو من السلك الكهنوتي الشرقي أو تعلُّمًا منذ الصغر، كثير ما يتفوق بها أبناء المسيحيون في العراق والشام وفلسطين الذين بعضهم من الأهمية أن يدرسوها بصغرهم في الكنائس، ولا ننكر أن الاحتفاظ بهذا العلم القيّم بالأجيال القديمة أعمق عن الأجيال الحديثة التي لا تتقنها وبالكاد تتذكر بعض حروفها.
قسّم الكاتب دراسته على حسب النصوص الأقدم فما بعد، بدءًا بالنص الآرامي المكتشف في جزيرة فيلة في مصر من بقايا جالية يهودية (ربما قبل الميلاد) مكتوبة بالآرامية (قبل ظهور العبرية كما يتضح) إلى نص سرياني مع ترجمتها إلى النص العربي حول قصة أحيقار وأيضا ما ظهرت في حكايات ألف ليلة وليلة، ومن ثم دخل بدراسة القصة من خلال البحث اللغوي والزمن وعلاقتها أو تطابقها مع ما ذكر بالتوراة والإنجيل إلى البحث حول مدى التطابق وحول ما أثير أن أحيقار الحكيم هو ذاته لقمان الحكيم في القرآن وآخرها تحدث عن فن الخرافة الذي اشتهر في الأدب الشرقي...وأعترف أنني أحببت دقّته في دراسته حول لقمان الحكيم وقصة أحيقار ونفيه لادعاءات الكثير أن الشخصيتين هما ذاتها بناءً على ما توصل عليه فقط وليس لأنه توصل إلى الأصل، رغم اثباته سابقًا أن القصة لم تكن مسيحية أو يهودية المزعوم فيهما دينيًا أنها الأصل.
كذلك ربط الكاتب بشكل عجيب بين الأمثال الشعبية في لبنان مع الأفكار ذاتها بل وبعض الحكم هي ذاتها المنسوبة إلى أحيقار في المخطوطات الأقدم، ومع ذلك يقول الكاتب بأنه من الصعب القول أن الحكم كلها قد تُنسَب لأحيقار الحكيم وحده (ناهيك عن فقدان القصة الأصلية التي دون إضافات والمرجح أن تظهر بشكل اسطوانة طينية أو لوح منقوش) وإنما قد تكون تراكمات من الحكم (ولا يُعنى هنا بالأحداث المذكورة بالقصة) ربما قد تم نسبها إلى أحيقار ضمن الزيادات والتغييرات حول القصة على مدى العصور وأنه لا يمكن على وجه الدقة الأخذ بأنها حكم لأحيقار فعليًا كما هو الحال مع الحكم المنسوبة للقمان الحكيم في الأدب العربي التي كثير منها لم يذكره القرآن وإنما تم تداوله شفهيًا حتى إنها دوّنت متأخرًا.
كرر الكاتب في بداية كتابه وفي نهايته أن كتابه هذا هو بحث حول ما توصل إليه ولا يعني أنه أصاب بصحته التامة، وأنه يأمل باستمرار الأجيال العربية من بعده في التنقيب عن أصل هذه الحكاية الجميلة باعتبارها إرث الشعوب العربية العظيم.
قرأت الكتاب منذ وقت طويل جدًا. أذكر كيف أنني ربطت مباشرة بين أحيقار الحكيم و لقمان الحكيم (من القصص القرآني) و أنهما الشخص نفسه، لكن الكاتب يدحض هذه المقارنة. و يذكر كذلك بأن مثل هذه المقابلة ممكنة أيضًا عند المسيحيين و اليهود و في الأدب الشعبي بأشخاص مختلفين و يدحضها كذلك.
وصايا أحيقار المذكورة في الكتاب هي في الأصل مكتوبة باللغة الآرامية على ورق البردي. عُثر على البردي الذي كتبت عليه الوصايا في مصر على يد البعثة الألمانية مابين 1906-1908.
تعرفت في هذا الكتاب الممتع على أحيقار واضع الأمثال، صاحب الرأي و المشورة، الحكيم، حامل أختام الملك، و على خلاصة تجاربه في الحياة. و قد يكون أعظم درس نتعلمه من أحيقار الثمن الذي دفعه أحيقار الحكيم كان كبيرًا جدًا ليخرج بهذه النتيجة. باقي الفصول التي تطرقت لتاريخ و نص الوصايا الأصلي و غيرها من الأمور العلمية / التاريخية / الأكاديمية تجنبّت قراءتها و تركتها لأهل الاختصاص :)