تحدث يعقوب في صفحات كتابه الأولى عن دوره المتفاني -هو وجهازه- في خدمة الوطن والحفاظ على أمن المواطن، اعتقد أن البعيد عما يجري في الساحة الفلسطينية سيتعاطف مع المحقق بيري ذو الأخلاق الطيبة وسيبغض أولئك الفلسطينين المخربين محبي القتل وسفاكي الدماء، ولكن دفاعه المستمر عن نفسه وعن رجال الشاباك في بعض الاتهامات الموجهة إليهم كشفت سمهم الدفين وفظاظتهم البوليسية.
بدأ يعقوب بيري عمله الميداني التابع للشاباك للصدفة في مدينتي: نابلس عام ١٩٦٧، تحدث عن عمليات التخريب التي نفذت بأيدي رجال فتح والجبهة والتي اتخذت من منطقة القصبة مركزاً لها... ثم انتقل بعد ذلك إلى أماكن مختلفة. الكتاب ممتع، مشوق، ومفيد، يكشف بعض خفايا جهاز الشاباك وسياسة حكومته الاسرائيلية، شدني كتابه منذ قراءتي لصفحاته الأولى...
وهذه بعض العبارات والقصص التي اقتبستها من كتابه الثمين بالنسبة إلي: ١-"ولكنَّ الصمت -مثلما هو دوماً في نابلس المحوطة بالمؤامرات- يظهر كالوهم ليس أكثر. (يشير بيري هنا إلى التهدئة المؤقتة التي تسود نابلس والتي لا تبرح حتى تشتعل بالمقاومة من جديد). ٢-"رجال الشاباك يلعبون دور المحقق الطيب قبالة المحقق الشرير، يتعين عليهم أن يستخدموا سحرهم الشخصي وقدرتهم على منح الخاضع للتحقيق الإحساس بأنهم يقفون إلى جانبه". ٣-"ليس عبثاً أن تنتشر في أوساط إستخبارات العالم مقولة: إن جهاز الأمن يفشل عندما يصل عميله إلى حبل المشنقة، ويكون ناجحاً بالمقابل عندما يستطيع تحويل العميل إلى عميل مزدوج أو ثلاثي". ٤-"قابلتُ عدة (مخربات) اعتقلن، القاسم المشترك لهنَّ جميعاً كان القدرة على الصمود في التحقيق، كنَّ يصممن على آرائهن، يتغلغل فيهنَّ الكبرياء الوطني، ويثقن بعدالة نضالهنَّ". ٥-" نابلس (١٩٦٨) هي مدينة التناقضات، ففيما كان (المخربون) يهددون وحتى يحاولون اغتيالي، شاركت في لقاءات اجتماعية لوجهاء نابلس التي حملت طابع صالون سياسي، وقد عرف الجميع أنني رجل شاباك إلا أن ذلك لم يزعجهم، كانت هذه اللقاءات تعقد في منزل ريموندا الطويل (حماة عرفات فيما بعد)، وكانت الشاعرة فدوى طوقان التي كتبت قصيدة شهيرة عن توقها إلى إلتهام كبد جندي إسرائيلي تلقي أحياناً على المجتمعين بعض إبداعاتها الجديدة عن الإحتلال الإسرائيلي". ٦-" خدمتُ في نابلس حوالي عامين وعرفت كل شارع وزقاق وكل سقف مرتبط بسقف آخر... وقد أكثرت من الجلوس في المقاهي والحديث مع السكان، رأيت الكراهية في عيونهم ولكنهم كانوا يعرفون دائماً بواجب إدخال الضيوف بأكمله، ولم يحاولوا بتاتاً المس بي خلال إستضافتي في منزل خاص أو خلال جلوسي في مقهى بنابلس". ٧- "القاعدة تقول: إنه لا يجوز لرجل المخابرات أن يبدي اهتماماً بالغاً بما يسمعه من العميل، كي لا يترك لديه انطباعاً بأن المعلومات التي قام بنقلها هامة للغاية". ٨-" فعلى سبيل المثال ساد الاعتقاد في صفوف هذه الفئة (الفئة الدينية المتطرفة لليهود) بأنه في حالة تدمير المسجد الأقصى، ستعلن الدولة العربية عن الجهاد ضد (إسرائيل)، الأمر الذي سيدفع الله إلى إنقاذ شعبه (بإخراج المسيح)، واعتقدت كذلك بأن تدمير المسجد الأقصى سيؤدي إلى تحقيق الحلم في إقامة دولة (إسرائيل الكبرى) التي كانت قائمة في عصر الهيكل الثاني". ٩- اختطف عام ١٩٨٤م أربعة (مخربين) من سكان غزة حافلة رقم (٣٠٠) في محطة الباصات المركزية في تل أبيب، قتل رجال الشرطة اثنين من المخربين وأسروا الآخرين، بعد التحقيق معهما أمر رئيس الشاباك رجاله بقتل المخربين وأخبر وسائل الإعلام -كاذباً- بأن الأربعة مخربين قد قتلوا خلال تواجدهم داخل الحافلة، بعض الصحفيين الذين تواجدوا في منطقة الحادث كانوا قد التقطوا صوراً للمخربين المأسورين دون علم رجال الأمن الأمر الذي كشف كذب الشرطة و أحرج الحكومة الإسرائيلية وكشف جهاز الشاباك في مواطن ضعفه فيما بعد. ١٠- شُكلَّت لجنة لنداو للتحقيق في أساليب تحقيق الشاباك مع (المخربين)، قدمت اللجنة تقريرها المطوَّل إلى رئيس الحكومة آنذاك إسحاق شامير، كان مؤلف من جزئين: أحدهما علني والآخر سري، في الجزء العلني قررت اللجنة أن هناك حالات توجد فيها ضرورة لإستخدام الضغط الجسدي بهذا القدر أو ذاك مع مشبوهين بنشاطات تخريبية، كذلك أكد التقرير على وجوب عدم محاكمة أي من محققي الشاباك الذين قدموا إفادات كاذبة على الرغم من الخطورة البالغة الكامنة في أعمالهم وذلك لما قد يترتب من ضرر وتعطيل لعمل وحدة المحققين في جهاز الشاباك، كذلك خلص التقرير إلى وجوب عدم تقديم محققي الشاباك المتورطين في ممارسة أساليب الضغط الجسدي والنفسي للمحاكمة باعتبار أنهم تصرفوا بموجب أوامر وتعليمات المسؤولين عنهم بغية انتزاع معلومات حيوية عن منظمات الإرهاب.
١١-قصة: في إحدى العمليات الميدانية... لم ينجح بيرى ومن معه من رجال الشاباك في اعتقال أحد (المخربين) في قرية بيت فوريك التابعة لمدينة نابلس، فقط نجحوا بإطلاق النار صوبه، اعتقد بيرى ومن معه أن (المخرب) سيلجأ حتماً إلى طبيب ليداوي جراحه النازفة، وهذا ما حدث فعلاً فقد وصلت إخبارية للشاباك من أحد عملائها العرب بأن طبيب يقطن في إحدى مخيمات المدينة قد عالج الشاب مساءً، طلب بيري من ضابط شؤون الصحة في منطقة يهودا والسامرة أن يستدعي كل الأطباء الذين يعيشون في نابلس ومخيماتها لاجتماع طارئ حول موضوع مهني ما لتمويههم عن موضوع (المخرب) المصاب، حضر الأطباء ومن ضمنهم الطبيب الذي عالج (المخرب) صبيحة اليوم التالي، طلب بيري من رجل شاباك عمل في منطقة أخرى غير معروف عند أهالي المدينة أن يحضر الإجتماع بصفته ضابط قيادة شؤون الصحة، في إحدى الإستراحات فتح رجل الشاباك محادثة مع الطبيب عن عمله ومشاكله المهنية ومن ضمن هذه المشاكل أن دورية روتنية إسرائيلية دخلت إحدى المنازل في بيت فوريك وأطلقت النار على أحد سكانها الذي أسرع بالهروب، تأوه رجل الشاباك أمام الطبيب فقد اتضح له أن هذا الهارب بريء وأعرب له عن قلقه من مقتل هذا الشاب خشية أن تثار فضيحة وفتنة إذا ما مات، اعتقد الطبيب أن الإسرائيليون يبحثون عن هذا الشاب لمعالجته وإنقاذ حياته فدلهم على المكان الذي لجأ إليه وهو منزل أحد أقاربه... إنه دهاء اليهود مكرهم.
١٢-قصة(٢) على لسان بيري: تسللت خلية إلى المنطقة من أجل تجنيد مخربين وتنفيذ عمليات في إسرائيل، لم تكن المعلومات التي نقلت إلينا كثيرة، عرفنا فقط أن الخلية تملك الكثير من الأسلحة وفي الليل تغير على هذه القرية أو تلك للتزود بالغذاء والماء والأدوية. شغلنا كل شبكة مصادر معلوماتنا من أجل الحصول على تفاصيل أكثر دقة ولكننا لم نصب كثير نجاح، جلسنا ساعات طويلة واستعرضنا إمكانيات مختلفة للعمل وفي نهاية المطاف وصلنا إلى نتيجة أننا سننجح في إيجاد إتصال مع الخلية فقط إذا عملنا في الميدان... كانت الفكرة تشكيل خلية (مخربين) وهمية تتحرك أيضاً في نفس المنطقة على أمل أن تنجح في إيجاد إتصال مع الخلية المطلوبة... قررنا أن نختار لهذه المهمة المعقدة فقط الأفضل، مقاتلي دورة الأركان... تم اختيار ثلاثة مقاتلين من الدورية ذوي ملامح شرقية كاملة، يجيدون اللغة العربية ويعرفون عادات القرويين، وزودناهم بملابس تميز (المخربين) وبكلاشينكوفات وكمية كبيرة من الذخائر وتم إخفاء أجهزة اتصال صغيرة جداً على أجسامهم يفترض استخدامها في اللحظات الحرجة فقط... اتفقنا مع يعقوبا (قائد المهمة) بأن يمتنعوا (أفراد المجموعة) على غرار الخلية المطلوبة عن الدخول إلى مراكز القرى وأن يترددوا فقط على البيوت عند الأطراف، وحددنا أيضاً أن يقوموا كل ليلتين بالعودة إلى المنازل التي زاروها على أمل أن يكون أحد القرويين قد اتصل في تلك الأثناء بالخلية الحقيقية... في الليلة الرابعة خلال زيارة مجدّداً لعائلة قروية خلق الاتصال أخيراً و رغم كلّ المخاوف أثبتت الطريقة نفسها و قال صاحب البيت الذي توجّهوا إليه إنه عثر على الخلية المطلوبة و روى لأفرادها عن الخليّة الجديدة ، و بشّر بـ "أنهم يريدون مقابلتكم غداً الساعة الثالثة بعد الظهر" ، و حتى أنه أشار إلى مكان اللقاء – بستان ناءٍ في المنطقة- . كما أبلغ يعقوبا بشيفرة تلقّاها من قائد (المخرّبين). تحت جنح الظلام أرسلنا وحدة مختارة إلى المنطقة من أجل إلقاء القبض على (المخرّبين) عندما يحدث الاتصال و لإنقاذ رجالنا في حالة وقوع خلل غير متوقّع . حفر الجنود حفراً عميقة و قبل أن يبزغ الفجر اتخذوا مواقعهم خلف الصخور . كان التمويه ناجحاً جداً إلى درجة أن القرويين الذين خرجوا صباحاً لفلاحة الأرض لم يلاحظوا الكمين إطلاقاً . وضعنا طائرة مروحيّة على أهبة الاستعداد و كنا نقرِض أظافِرنا من شدة التوتر . لم نرَ شيئاً من موقِعنا البعيد عدة كيلومترات من هناك و لكن يعقوبا شغّل جهاز اتصاله و أبلغ أنه يرى (المخرّبين) يقتربون . كانوا أربعة و مشوا بعيدين عن بعضهم البعض بصورة ملحوظة و بعد دقيقة أو اثنتين سمعنا يعقوبا يطلِق الشيفرة صارخاً و سمعنا العربيّ يردّ عليه ، و اقتربوا من بعضهم البعض . سار يعقوبا في مقدّمة خليّته و سار (المخرّبون) خلف قائدهم و ركع جميعهم و أشعلوا سجائر و شرع يعقوبا و قائد (المخرّبين) بمحادثة تقليدية حول الأحوال ، تحدّث يعقوبا عن قصة التغطيّة التي تضمّنت تفاصيل – مختلفة طبعاً – عن قريته و والديه و أبناء عائلته العرب ، فيما تحدّث قائد (المخرّبين) عن نفسه . و بعد عشر دقائق تقريباً خاضوا في جوهر الموضوع فقال يعقوبا إنه أحضر معه أوامِر موجودة في جعبته أخفاها في مكانٍ قريب ، و أجاب (المخرّب) بشيء ما لم نستقبله بوضوحٍ في جهاز الاتصال و عندها و بدون سابق إنذار سمعت أصواتَ أعيرة نارية في جهاز الاتصال و وصلت إلى مسامعنا صدى قتالٍ إلى أن صمت جهاز الاتصال . أمرت فوراً المروحية بالإقلاع و التوجّه إلى المكان و كان لديّ شعور سيء جداً . قفزت في سيارة جيب و انطلقت مسرِعاً إلى المنطقة . وجدت هناك أربعة (مخرّبين) ميتين و يعقوبا تنزِف الدماء من يده ، و قد روى لي أنه فجأة و دون أي سببٍ ظاهر للعيان نظر إليه قائد (المخرّبين) مشتبهاً و أعدّ مسدسه للإطلاق . و قد تمكّن العربي من إطلاق عيارٍ واحدٍ أصاب أصبع يعقوبا و عندها انقضّ الجنود من الكمين و قاموا بتصفية الخلية .
١٣-اعتقلت القوات الإسرائيلية خالد الشيخ علي من غزة بتهمة زرع عبوات تفجيرية أدت إلى مصرع اثنين من الجنود الإسرائليين، تناوب المحققون على انتزاع الاعترافات من خالد ولكنه أبى مما دفع أحد المحققين إلى ضربه على بطنه ضربة نقلته إلى الرفيق الأعلى كما ادعى بيري، تم التحقيق مع المحققين المعنيين بخالد فاعترف اثنان أنهما الجانيان، حكمت المحكمة على المحققين بالسجن ستة شهور، بعد إطلاق سراحهما استقالا من الجهاز وهما يحملان جروحاً نفسية لا تندمل بسرعة كما قال بيري. بعد مقتل خالد شكلت ا��دولة لجنة (سوكر) في الفترة الواقعة ما بين (١٩٨٧-١٩٩٢) من أجل مراقبة تحقيقات الشاباك في مركز غزة، وجدت اللجنة أنه كانت هناك في مركز التحقيقات المذكور في غزة تجاوزات أكثر مما أبلغ الشاباك الذي لاقى الكثير من النقض على أسلوبه المستخدم.
١٤- ما قاله بيري عن أحمد ياسين: عندما كان فتى في السادسة عشرة من عمره، قام ياسين بحركة وقوف على الرأس على شاطئ البحر في غزة، سقط على ظهره وتعرض لإصابة بالغة في عموده الفقري... إعاقته الشديدة، تواضعه، بساطته، ورقة طباعه، مضافاً إليها سعة معرفته وإلمامه الكبيرين بخبايا وجوانب الشريعة الإسلامية، كل ذلك جعل منه ما يشبه ولياً مقدساً بين سكان القطاع، لقد روى هؤلاء بتأثر وانفعال صنائع المعجزات وقدرة الإشفاء العجيبة التي يتمتع بها، صوره علقت على ملصقات وكتب قرآن، بطاقات بريدية، وعلاقات مفاتيح، كان بمثابة مرجع ومفتي في الشؤون الدينية، وهو الرجل الذي أسس عملياً حركة حماس. في البداية عملت المنظمة كجمعية خيرية اجتماعية باسم "المجمع الإسلامي"، سجلت بشكل قانوني لدى مسجل الجمعيات في "إسرائيل"، على رأس الجمعية التي حاولت إيجاد حلول لمشكلات التعليم والضائقة الإقتصادية، وقف أحمد ياسين. رغبنا بالطبع في اعتقاله وتقديمه للمحاكمة إن كان ذلك ممكناً، وذلك بغية تشويش نشاطات حماس، لكنه لم يكن سهلاً دس عملاء في صفوف حماس من أجل جمع أدلة ضده. حتى أولئك العملاء القلائل رفضوا التعاون عندما طلبنا منهم معلومات عن الشيخ ذاته "نفعل أي شيء... إلا هذا..."، هكذا قالوا. هالة الإحترام الذي أكنوه له وقفت فوق كل شيء آخر.
١٥-"غالبية الناشطين البارزين في الجهاز العسكري لحماس جندوا من بين الطلبة في الكلية الإسلامية بغزة، والتي كانت ولا تزال معقلاً بارزاً لحماس، مثلما أن جامعة النجاح في نابلس كانت ولم تزل معقلاً للتنظيم في يهودا والسامرة".
١٦-"المساجد أيضاً لعبت دوراً هاماً في النشاطات السرية لحماس، فبداخلها أخفيت أرشيفات التنظيم، وجرت لقاءات سرية وعقدت الصلة أو الإتصال بين كبار مسؤولي التنظيم ومرؤوسيهم. لقد شكلت المساجد دفيئة مثالية لـ (الإرهاب).
١٧-ما قاله بيري عن صلاح شحادة: "تحدثت مع شحادة مطولاً في السجن، ومن أجل إثارة جو من الرهبة أثناء محاولتي لإقناعه بتقديم اعتراف أحضرت معي مرات عدة للتحقيق قائد المنطقة الجنوبية وضباط كبار آخرين. منعناه من النوم وحققنا معه بشكل مكثف ومتواصل، ولكن شحادة كان مسؤولاً صلباً لا يرضخ. واقف على الإعتراف فقط بوثائق ثابتة لا تقبل الجدل أو الطعن، عرضناها أمامه، لكنه رفض بشدة الإدلاء ولو بنزر قليل من المعلومات الجديدة. من السهل فهم ذلك... فقلة من الناس فقط، يتمتعون بإرادة وعزم قويان مثله، يستطيعون النهوض بالدور والمركز الذي أشغله شحادة في حماس. أشخاص من هذا النوع، قادرون على امتصاص وتحمل أي وضع أو ظروف صعبة، والصمود في وجه أي ضغط أو أي إغراء في التحقيق".
١٨-"الإنتفاضة الطويلة في المناطق (الإنتفاضة الأولى ١٩٨٧م) هي التي أفضيت أيضاً إلى بداية عملية (السلام)... إذ توصل صانعو السياسة في (إسرائيل) إلى نتيجة وإقرار بأنه من دون عملية المصالحة لن يكون ثمة مخرج من المأزق."
١٩- ما قاله بيري عن إختيار رجال الشاباك: "تستمر إجراءات التصنيف مدة طويلة، تصل أحياناً لستة أشهر، وفي نهاية المطاف يتم إستيعاب قلائل فقط. يقبل من حوالي مئة مرشح ثلاثة أو أربعة فقط. الطلب الأول من المرشح هو المستوى الثقافي العالي، ومرت فترات كنا نحدد فيها مستوى أكاديمي لتجنيد مرشحين لمهام محققين وجامعي معلومات ميدانين، لكن مع مرور الزمن توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الشهادة الأكادمية لا تشكل بالضرورة ضمانة للثقافة العالية ولهذا ألغينا هذا الشرط. تجد الثقافة العالية تعبيرها بطابع عمل رجل المخابرات بظروف مختلفة منها: قدرته على القراءة بين السطور، وعرض الأسئلة الصحيحة، وتمييز الغث عن السمين، وإيجاد حلول لأوضاع غير متوقعة، وعدم التعامل مع الأمور بسطحية. كما أن الذاكرة الجيدة تشكل أحد المضامين الضرورية لموظف الجهاز...
٢٠-"يجب على كل موظف في الشاباك وقبل كل شيء التميز بطابع واحد: أن يكون صهيونياً... وليس بالإمكان أن تكون صهيونياً إذا لم تتعامل مع الدولة كثروة شبه شخصية، كنز حساس يجب الحفاظ عليه، ومنع أي ضرر قد يحلق به".
٢١-ما قاله بيري عن يحيى عياش: "تمت في نهاية المطاف تصفية (المهندس) بعد تفخيخ هاتفه الخلوي بتاريخ ٥ كانون الثاني ١٩٩٦م. ورأيت بعدم معاقبته قبل ذلك فشل شخصياً لي".
٢٢-ما قاله بيري عن عرفات: "طلبت منه في إحدى المرات أن تلقي السلطة القبض على المخرب يحيى عياش الذي كان في ذلك الحين يتصدر قائمة المطلوبين. أصغي لي عرفات باهتمام ووعدني بأن يبذل قصارى جهده في هذا الأمر، ولو لم يكن تمة غرابة في أمره هذا. حيث كان دائماً يمنحنا الإحساس بأن طلباتنا مستجابة حتى لو لم يقصد ذلك. وبالفعل لم يتم تنفيذ الجزء الأعظم من الطلبات". "يتساءل الكثيرون ما هو سر قوة هذا الشخص ذي المظهر الخارجي غير الجذاب! يبدو لي أن التفسير الأكثر منطقية هو أن الفلسطينيين يعتبرونه رمزاً وعلماً. حيث يعتبر عرفات في نظرهم الشخص الذي حمل ويحمل على عاتقه الكفاح الوطني منذ منذ إقامة منظمة التحرير الفلسطينية عام ١٩٦٤م. والملابس الرسمية والكوفية التي يحرص على الظهور بها دائماً، تجسد بوضوح هذا الإنطباع، ولا شك أنه يدرك ذلك. أضف إلى هذا أنه ذكي جداً وماكر ويعرف كيف ويعرف كيف يركز بيده صلاحيات وقوة بدون أن يبرز ذلك. لا يحتاج وسط رجاله أن يضرب بقبضته على الطاولة من أجل أن ينال مراده، ولا يضطر إلى رفع صوته إلا في حالات نادرة. ومع ذلك، كان في لقاءته معي، يرفع صوته أحياناً ويقول: "أنا لست أمعة لكم، لا تعتقدون أنني سأقبل بعدة سنتيمترات في أريحا، لن أدعكم تجعلون مني أضحوكة".
"بات من الواضح للجميع أن عرفات والفلسطينيين لا يعشقون إسرائيل ولن يعشقوها. إنهم يريدون السلام على فرض أنه سيؤول إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة...".
٢٣-"تستطيع إسرائيل لكونها الدولة الأقوى في المنطقة أن تمنح السلام فرصة. لن يشكل الفلسطينيون في المستقبل المنظور خطراً على إسرائيل. حيث لا يملكون حتى الآن قوة عسكرية حقيقية وكل ما يملكه هو شرطة وقوة أمن، وليس لديهم أسلحة ثقيلة، وإذا أثيرت مشكلة جدية فإن٥-٦ دبابات إسرائيلية تستطيع أن تسيطر على قطاع غزة بسهولة بالغة. ومع ذلك فإن الزاوية العسكرية هي جانب واحد من العملة، حيث إن إعادة السيطرة على المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية من شأنها أن تورط إسرائيل على الصعيد السياسي والدولي".
٢٤-"ومن أجل استكمال الصورة لا يمكن تجاهل التآكل في الموقف الدولي لإسرائيل، إلى جانب التغير نحو الأفضل الذي طرأ على الموقف الدولي من السلطة الفلسطينية. لقد أدت عرقلة المسيرة السلمية إلى حسن كبير في مكانة عرفات، فهو كثير التردد على مكاتب رؤساء دول و رؤساء حكومات ويستقبل كشخصية رفيعة المستوى والآذان تصغي لكل ما تنبس به شفتاه".
٢٥-"علينا أنستمع ثانية إلى فتاوي بعض الحاخامين. التي لم تتناول مباشرة (الحكم ضد الطاغية) ولكنها تؤكد الأهمية العليا للحفاظ على سلامة أرض إسرائيل كاملة".
٢٦-"من شبه المؤكد أن إتفاق السلام سيوقع في جيلنا. ومشكلة القدس المعقدة والمشحونة، ستبقى حسب رأيي دون حل لأجيال طويلة. يفهم الفلسطينيون ذلك تماماً. وسيواصلون إصدار التصريحات بشأن حقهم بالقدس... سيضطرون إلى إبقاء هذه القضية مفتوحة. ولكن تولد لدي انطباع من المباحثات التي أجريتها مع الكثير من الفلسطينيين أنهم يعرفون جيداً أن إسرائيل لن تتنازل أبداً عن أجزاء من القدس. وقال لي بعضهم -ومنهم شخصيات مركزية- إنهم كانوا سيكتفون برام الله كعاصمة مع حرية الوصول إلى الأماكن الإسلامية في القدس. وحقاً، من الجائز جداً أن يتم الإعلان في نهاية الأمر عن رام الله كعاصمة مؤقتة لدولة فلسطين".
٢٧-"تستطيع دولة إسرائيل أن تقدم الكثير للسكان الدروز، وهم يستحقون ذلك. لقد ربط الدروز في دولة إسرائيل -للتفريق عن إخوتهم في هضبة الجولان- مصيرهم بمصير الدولة. وهذه طائفة تتكيف بسرعة، وتعرف كيف تسوي أمورها مع السلطة الحاكمة. إن علاقة الدروز سكان هضبة الجولان مع إسرائيل هي مزدوجة. من جهة فإن مستوى حياتهم في ظل السلطة الإسرائيلية أعلى بكثير مما كانت عليه في فترة السلطة السورية. ومن جهة أخرى فإن معظمهم يبدون ميولاً سورية واضحة الأمر الذي ينبع إلى حد كبير من خوفهم بأن يكلفهم تعاطفهم مع إسرائيل غالياً إذا عادت الجولان ذات يوم إلى سوريا. إضافة إلى أنه يوجد في القرى الدرزية في هضبة الجولان غير قليل من العائلات التي انفصلت عن أقربائها في سوريا وهي تسعى العودة وجمع الشمل بأسرع ما يمكن".
٢٨-"إن الإستعداد لمواجهة قاتل منفرد هي مهمة صعبة جداً وإمكانية إحباط العملية أو التخفيف من شدة خطورتها هي إمكانية قليلة جداً، عندما يتعلق الأمر بقاتل منفرد لا يشارك شخصاً آخر في خططه ونواياه". و