يمثل هذا الكتاب قراءة معمقة في فكر ابن عربي (1165 – 1240م) يحيل محمد المصباحي نصوصه إلى منجزات "ما بعد الحداثة" وفيه محاولة للكشف فيما إذا كان فكر ابن عربي قادراً على التّماس مع مقتضيات الزمن الحاضر، وفتح آفاق جديدة لوجودنا وفكرنا، وإنهاض الهمة فينا لكي ننطلق من أجل تطوير لغتنا وأسئلتنا وذاتنا العتيقة وتجديد بنائها بما يتوافق وتحديات هذا الزمن الذي نحن فيه؟
وفي هذا العمل يعترف المصباحي أنه تناول "... ابن عربي بالعَرَض لا بالذات، لا لأنني ما زلت أعدّ نفسي لحد هذه الساعة من أهل النظر لا من أهل المشاهدة، بل وأيضاً لأنني أتيت إليه في لحظة أولى من خلال ابن رشد، أي من خلال الموقف العقلاني من العالم، وآتي إليه عبر حجاب "ما بعد الحداثة". وهناك أمر ثالث يشفع لي عرضيتي في التعامل مع فكر الشيخ الأكبر، وهو أن هذا الفكر نفسه عرضي الهيئة، مما يسمح لي بهامش كبير من الحرية لدخول أرجائه والخروج منها دون مطالبة بأي حساب مذهبي. ولعل هذه العرضية هي التي جعلتني أحبه واستمر معه (...) بقي لي أن أقرّ من ناحية أخرى بصعوبة رؤية ابن عربي في مرآة "ما بعد الحداثة"، إذ كيف يمكن رؤية فكر رجل ينتمي إلى زمن ما قبل الحداثة من وراء حجاب فكر متمرد على الحداثة نفسها، رافضاً الانحباس في أية صورة مذهبية كانت؟...".
كتاب جيد، ولغته رائقة. ينفتح فيه المصباحي على النص الأكبري محاولا قدر الإمكان أن يجاري لغته ومراميه. القراءة العقلانية للتجربة الذوقية ذات اللغة الفلسفية لا بن عربي، التي قام بها المصباحي ناجعة من حيث أدواتها. ننتهي مع المؤلف إلى غنى النص الأكبري وأهليته للدرس الفلسفي. هذا اللقاء الذي ما فتئ المصباحي يسعى لإقامته بعد فشل اللقاء الأول بين ابن رشد وابن عربي.
في الكتاب أفكار لذيذة، يحسب للمصباحي أنه سلط الضوء عليها، كفكرة المكان والمكانة، واختياره للحظة فاس تعبيرا عنها، الخيال المنفصل والبرزخ، رغم أنهما يستحقان مؤلفا مستقلا، إلا أن ما يشفع له قوله: "وبوجه الإجمال، فكره (أي ابن عربي) كالوجود نفسه، لا يمكن الإحاطة به". في الكتاب اقتباسات جيدة، نشرت قليلا منها على الفيسبوك، وأنشر بعضها هنا.
لطيف فيه شرح لمصطلحات ابن عربي أقرب لرحلة قرب من ابن عربي ليس بمتانة كتاباته عن ابن رشد لكن الكتاب مفيد
ويكفي أن فهمت منه جملة دائماً أقرأها لابن عربي " المكان إذا لم يؤنث لا يعوّل عليه " وكنت أحسبها كما هي هكذا! متعلقة بالذكورة والأنوثة لا يمنع أن أعترف بشيء من الإنتشاء معها، ومعناها الخاطئ أحب إلي من المعنى الصحيح من جهة التعصب للنساء لكن من جهة المعنى الصحيح فهي أحب إليّ قطعاً لتعلقها بالأرواح العظيمة
فالجملة هكذا : " المكان إذا لم يؤنث لا يعوّل عليه، يعني المكانة " بمعنى أنها دلالة تتجاوز الذكورة والأنوثة إلى معنى صوفي لا يرى المكان جماد خالص لا روح فيه، إنما قيمة المكان من قيمة الأرواح التي عمّرته بالطاعات لذلك تعتبر مكة عند ابن عربي من أعظم الأماكن وفيها انهالت عليه " الفتوحات المكيّة "
مما يعني أن الجملة السابقة " المكان إذا لم يؤنث لا يعول عليه " اشتهرت شهرة باطلة من نوع " ويل للمصلين " فكان الوقف عليها قطعاً للمعنى وغلط فاحش
وطريقة النظر للمكان من خلال المعنى هي المقاربة التي ربط بها المؤلف ابن عربي بهايدغر الذي يرى أن الرؤية العلمية المهيمنة سلبت المكان قيمته وحولته لجامد بلا معنى
عموم مباحث الكتاب لطيفة ومفيدة وممتعة
ولغته الفلسفية ليست صعبة ويصلح للقراءفي الرحلات أيضاً