تجربتي الأولى مع د. محمد شحرور والتي ترددت في خوضها خشية الاصطدام بإطروحات بالية وخارجة عن سياق الزمن واطار المنطق، الأمر الذي واجهني في قراءات-والاستماع الى مواعظ- سابقة من ما يعرف اجتماعيا باسم رجال وفقهاء الدين، الأمر الذي كان ولايزال يزيد من اعتقادي بعقم هذا الطرح وعدم قدرته على النهوض بوعي الشعوب رغم تأثيره العاطفي والوجداني الكبير -المستوحى من التراث- عليهم والذي لم يخلق سوى تشوهات اجتماعية برزت على الساحة على شكل تكتلات رجعية داعمة للانظمة القمعية -وهي قمعية بدورها في نكاقها الاجتماعي- او حركات ارهابية اصولية قائمة على الاستبداد والإكراه والاجرام في استباحة الدماء.
تشجعت أخيرا وإخترت الموضوع الاكثر ارتباطا وتأثيرا على النزعة الرجعية لحاضر شعوبنا و كان اللقاء، ابتدأ الكاتب طرحه بفكرة تخصيصه لفصل منفصل للتصدي لهذا الموضوع وجاء فيه تبيان مقامات الرسول (ص) الثلاث بحسب ما ورد في التنزيل الرباني، (الرسول ، النبي ، الانسان) وشرع في تحليل ما ورد عنه منطلقا من ما جاء في الذكر الحكيم بأنموذج تحليلي مركب ( لغوي، ديني، تاريخي، اجتماعي ، علمي) استطاع من خلاله ابراز أوجه الاختلاف بين المقامات الثلاث وظرفية الطاعة لما جاء على لسان الرسول النبي (متصلة -القرآن، الشعائر، الأخلاق من مقام الرسالة- أو منفصلة -اجهاداته التنظمية، القضاء، القيادة العسكرية ، الرد على اسئلة محددة، من مقام النبوة ) اضافة الى ما كان يحب ويكره كإنسان من مأكل وملبس لا تخرج عن نطاقها الانساني المتعارف عليه، وقد وفق الدكتور المهندس الى حد كبير فيما ذهب اليه معززا استنتاجاته بالأدلة القرآنية والمنطق السليم.
يعد ما قدمه الكاتب في مؤلفه نوعيا رغم انه ليس أول من اخذ بالمنحى العقلاني في تحليل المحتوى الديني الا أننا اليوم في ظل تسيد التيار الرجعي الكهنوتي على منابر الدين وسلطته على تكوين-تشويه- عقول القادم من الأجيال، في أمس الحاجة الى مثل هذا الطرح الذي لم يهمل في طياته النوازع الانسانية الغريزية (من الصراع السلطة وتكريس المكانة والعنصرية العرقية،.. الخ.) ومحدودية العقل المعرفي لفقهاء الازمنة الماضية الذين أسسوا اجتهادا عن قصد أو غير قصد لقفص ضيق محدود في الادراك الزمكاني والذي وضع من تلاهم من الفقهاء -خريجي مدرسة الموروث النقلي- محتوى الدين -العالمي الذي نزل هدى للناس- فيه ليغدوا بعيدا اشد البعد عن مضمون الرسالة الربانية الخاتمة والمضامين التي نزلت بها.
الكتاب من أهم ما قرأت اكتشفت فيه فكر محمد شحرور وان شاء الله ستكون هناك لقاءات أخرى معه، فهكذا فكر ونهج يستحق الاهتمام.