مذكرات ممتعة عن الوزير في عهد عبد الناصر محمد فايق، وأنا ليا معه قصة، حيث أني صادفته للمرة الأولى في وثائقي فراعنة مصر لجيهان الطاهري المعاصرون سنة 2017، ومن وقتها وأنا حبيت جدًا طريقة كلام الرجل ده وبقيت بسعد بوجوده أي وثائقي آخر، وده ما دفعني عمومًا بعد السنوات الثمانية دي أني أشتري مذكراته، فضلًا عن حبي لتجربة رجالات المرحلة دي حتى ممكن أكره شخوصهم كفؤاد علام وصلاح نصر.. عمومًا المذكرات فيها تفاصيل ممتعة، ولكنها لم تكن على أد توقعاتي في تغذية ما أردت أن أعرفه عن دور مصر في حركات التحرر الإفريقي، ربما كتاب محمد فايق ذاته عن الموضوع ده اللي كتبه في السجن هيكون أشمل إذا قدرت أحصل عليه، ولكن فيها كواليس أخرى من السياسة المصرية، والنشر، وحركات حقوق الإنسان على مدار السبعة عقود الأخيرة، وطبعًا ربما كلام محمد فايق في الفصل الأخير عن رابعة والسيسي قد يتهمه البعض فيه بالمداهنة والنفاق ولكن موقف الدبلوماسي يختلف عن المعارض ومحمد فايق ليس معارض، وفي نفس الوقت ليس مداهن أو معرص وممكن تشوفوا لقاءه مع أحمد موسى اللي حاول أن يورطه فيه بأكثر من شكل أنه ينطق كلمتين عظام في حق السيسي والرجل قدر الإمكان عبر عن احتقاره بقلة المديح والمرور عليه كأنه لا شيء والنقد الناعم اللي وجهه لغياب الديمقراطية والشفافية والصدقية في حكومته
الاهتمام بإفريقيا وحركات التحرر في عهد الرئيس الراحل جمال عبدالناصر كان من أهم الاتجاهات الإيجابية للدولة التي تجلب الفخر حين تقرأ وتسمع عنها، وتجلب الحسرة حين نري المستوي المتردي حاليا في علاقتنا بافريقيا نتيجة عقود من الإهمال ، وتأثيره البالغ علي مصالحنا الحيوية وعلي رأسها مياه النيل،
ويظهر هذا الاهتمام واضحا في هذا الكتاب، فعقب إعلان الوحدة مع سوريا تم إيفاد وزير الخارجية إلي غانا برسالة مفادها عدم تغير السياسة تجاه افريقيا و كان تعليق الزعيم الغاني نكروما " أرجو ألا يختفي اسم مصر ، فهو اسم عزيز علي كل الأفارقة." ونري الحرص من جانب الدولة حتي بعد النكسة حين قال عبدالناصر لمحمد فايق : لا أريد أن تنتكس أفريقيا بنكستنا.
والعجيب أن نكتشف من خلال هذه السيرة ان صاحبها كان يعد نفسه ليصبح طبيبا لميوله العلمية وبالفعل حصل علي مجموع كبير يؤهله لدخول كلية الطب لكن والده حثه علي التقديم لدخول الكلية الحربية فوافق علي التقديم بشرط ألا يتوسط له للقبول ويترك الأمر للحظ فيتم قبوله ويتغير مستقبله.
تقوم ثورة يوليو 52 فيصدر بعدها قرار بضمه إلي الاستخبارات الحربية ثم المخابرات العامة ، وهو ما ينعكس بوضوح علي شخصيته في هذا الكتاب الذي يكتم أكثر مما يبوح حتي بعد مرور عقود عديدة علي الأحداث التي يتناولها ، يتناول مشاركته في المقاومة الشعبية أثناء مفاوضات الجلاء مع بريطانيا وكيف كانت وتيرة عمليات المقاومة ضد الاحتلال تشتد أو تهدأ بأوامر من عبدالناصر حسب مسار المفاوضات،
ثم يمر علي أهم المناصب التي تولاها بعد ذلك وهو وزارة الاعلام في أواخر الستينيات و أثناء النكسة وتأكيده علي أن بيانات الإذاعة التي كانت تنطلق بصوت أحمد سعيد كانت ترد من القوات المسلحة مباشرة ، وكيف منع بعد بيان تنحي عبدالناصر أي شخصية عامة من إطلاق مناشدات أو بيانات عن طريق الإذاعة مثل أم كلثوم والوزراء ، لكن كانت الصعوبة في رفض طلب المشير عامر لدرجة أنه طلب وحدة ضباط من وزير الحربية الفريق فوزي لتأمين مبني الاذاعة والتليفزيون خوفا من أن يقتحم المشير الإذاعة بقوة عسكرية!
بوفاة عبدالناصر وتولي السادات ، يتعامل بعض رجال عبدالناصر مع السادات بشيء من التحدي فيقرر التخلص منهم بدعوي أنهم تآمروا عليه، علي غير ما أثبتت التحقيقات بعدم وجود تآمر لقلب نظام الحكم وعدم وجود قضية من الأساس ورغم ذلك يرفض محمد فايق تقديم اعتذار مكتوب للسادات ويقضي المدة كاملة بل يتم اعتقاله مجددا بعد خروجه بأشهر في اعتقالات سبتمبر الشهيرة.
شاءت الظروف أن يتزامل محمد فايق وحسني مبارك في بداية خياتهم عندما كان كل منها مازال ملازما ، ليتقابلا بعد سنوات في قصر الرئاسة عقب الافراج عن معتقلي سبتمبر 1981 وتكون بداية علاقة جديدة تستمر أول خمس سنوات من حكم مبارك يقدم له محمد فايق النصح ويساعد في عودة علاقات مصر بالدول العربية ، ولكن حين يفهم من كلام مبارك أنه يضيق بالنصح ولا يحب أن يسمع الأخبار غير السارة تقل هذه الزيارات تدريجيا حتي تنتهي. كنت متلهفة علي قراءة هذه السيرة ولكني أشعر بعد الانتهاء منها أن مالم يذكر فيها أكثر بكثير مما كتب.
مسيرة تحرر هكذا وصف محمد فايق حياته وهو وصف يليق بما فعله هذا الرجل في حياته. التاريخ وجب قراءته من أعين أطرافه كلها ولذا كانت أحداث ١٥ مايو أكثر الفصول تشويقا بالنسبة لي لأن سردية الأحداث أتت هنا من شخص كان طرفا مباشرا فيها وصوتا غير الذي تبنته السردية الرسمية تحت راية السادات حينها. الكتاب ممتع وسهل وكُتب بعناية.