طرحت فكرة التحيز في المصطلح والمنهج والعلم من جانب الكثير من الباحثين والعلماء، حيث برز إدراك متزايد أن العلوم ليست محايدة تماماً بل تعبر عن مجموعة من الأسئلة الكلية والقيم التي تحدد مجال الرؤية ومسار البحث، وتقرر مسبقاً كثيراً من النتائج. وإذا كانت هذه الفكرة قد نوقشت من قبل في سياق الحديث عن الهوية والخصوصية الحضارية فإن أحد لسم يحاول يشكل منهجي وشامل دراسة قضية التحيز في العلوم وتأسيس علوم جديدة تتعامل مع الإشكاليات الخاصة بالحضارة العربية الحديثة.ويعد هذا الكتاب محاولة جادة ومنظمة في هذا الصدد تسعى لاسترجاع البعد الاجتهادي والإبداعي للمعرفة، وهو ليس مجرد كتاب يضم بين دفتيه أبحاثاً علمية بل هو أقرب للمشروع الضخم حيث تبلورت كثير من الدراسات والأبحاث به عبر سنوات طويلة من اهتمام أصحابها بتلك الإشكالية، كما تداعت الأفكار والدراسات بعد إثارة لقضية في ندوة عقدت تحت هذا العنوان بالقاهرة عام 1992م، فتوالت المساهمات حتى زادت عن عدد الدراسات الأصلية فاستغرق بذلك تحريره وإعداده ثلاث سنوات كاملة من الجهد المتواصل، وما زال باب الاجتهاد مفتوحاً للمساهمة في طبعاته القادمة.وينفرد هذا الكتاب بأن الدراسات والبحوث التي يضمها تتباين وتتفرع في مجالاتها وتجمع بين العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبيعية والأدب والهندسة والطب، متجاوزة التقسيم التقليدي الضيق السائد في كتابات كثيرة، كما أنه يضم إسهامات مجموعة متميزة من الأسائذة جنباً إلى جنب مع باحثين شبان في عمل يعكس الرؤية المشتركة لعدد ضخم من عقول هذه الأمة في سعيها نحو مستقبل أكثر إشراقاً وحرية وكرامة.يضم هذا الجزء أربعة محاور رئيسة، يتناول المحور الأول مصطلح التحيز، ومشكلة التحيز في المصطلح، ويتعرض لقضايا منها ما يرتبط بتحديد معنى التحيز، ومنها ما يوضح الخصوصية الحضارية للمصطلحات، ومنها ما يدلل على مصطلحات عديدة متداولة في الدراسات الأدبية والاجتماعية، ومنها ما يركز على اللغة كمجال للخلل في الرؤية لتحيز نظرياتها واقتراباتها، ومنها ما يتناول الإطال الفلسفي الأشمل الذي ينشأ منه التحيز في مجال اللغة والمصطلح. أما المحور الثاني فيناقش قضية التحيز في الأدب: ضوابط وأشكاله، فيتعرض للتحيز في منهج الأدب المقارن باعتباره الإطال الأوسع لدراسة الأدب، ثم يتعرض لتحيزات النقد الأدبي الغربي، ويطرح في المقابل أشكال مقاومة التحيز في إبداعات أدباء العالم الثالث. وينتقل االمحور الثالث لدراسة التحيز في الفنون والعمارة ، وهو محور يتعرض للتحيز فيما يحيط بالإنسان من أشكال فنية ومعمارية وانتهاء بملامح المكان الذي يعيش فيه، وهو محمور يضم العديد في الأبحاث التي تستعرض التحيز في الخطاب السائد عن الفن ثم في الأشكال الفنية سواء كانت ثابته كالفن التشكيلي أو متحركة كالسينما، ثم تنتقل الأبحاث إلى قضية التحيز في العمارة الداخلية والخارجية بل وتخطيط المدن.وفي المحور الرابع تناول البحوث أشكال التحيز في مسلمات وقروض وزوايا النظر والمقاصد ومناهج البحث وصياغات القوانين في العلوم البحة كالفيزياء والعلوم التطبيقية كالهندسة والتكنولوجيا والذكاء الصناعي، وعلاقاتها المختلفة بجهود التنمية والتصنيع.
يطرح الكتاب الفكرة السائدة والتي تقول بحيادية العلوم والمعرفة و التي تقصد دقة ومنهجية وموضوعية العلوم والبحوث العلمية و أدواتهما، والتي تنفي عنه صفة التحيز أو الخصوصية الغربية، إنما تطلق عليه صفة العالمية, للنقد. ولأننا في العالم الثالث يغلب علينا صفة الاستهلاك, قمنا بتقليد العلوم والمعرفة و نقلها كما هي و أطلقنا عليها نفس الصفات التي وسمت به مثل: الحياد والموضوعية العلمية، وقمنا بإبتلاعها، دون تنبه للتحيزات الكامنة بداخلها، ولا لخصوصيتها الغربية، وظروف نشأتها، وأعتبرنا رفضها أو عدم تقبلها أو حتى فشلها بعد النقل، تحيز أو تعصب لفكرة معينة ينطلق المسيري في كتابه بإعتبار التحيز صفة لكل ماهو إنساني، والعلوم والمعرفة بطبيعة الحال معارف انسانية، كما وضح أن التحيز -بناء على إنسانيته- لا يعني دائماالعداوة, لكن المشكلة هي في اللبس الحاصل في نفي حصول هذا التحيز وإدعاء إنتفاءه، وبالتالي محاولات الاستنساخ الفكرية الفاشلة لهذه العلوم والمعارف في العالم العربي والإسلامي، دون الإنتباه لخصوصية المنطقة والإعتبارات الثقافية والتاريخية والاجتماعية، التي تخص هذه المجتمعات, والتحرج أو الرفض لكل محاولة تحيز إسلامي معرفي أو الموقف المقابل وهو رفض العلوم والمعرفة بشكل تام لتحيزها الغربي دون التطرق للبديل.
الكتاب إمتداد لمشروع المسيري في نقد الحضارة الغربية، وهينمتها، وإضافة إلى ذلك محاولة بناء نموذج اسلامي بديل، وطرح أبرز سماته، وخصائصه، وليس بناء نموذج مرقع كما وصفه المسيري أعتقد أن السمة التي تربطني بالمسيري وأفكاره بشكل كبير، هي محاولاته الجادة للنقد وتقويض الحضارة الغربية، في مقابل طرح نواة لمشاريع بديلة ليست مؤقتة أو مرحلية لمجرد البديل، إنما مشاريع و نماذج حضارية متكاملة.
قرأته خلال دارستي للماجستير، كتاب ممتاز عن المعرفة، حين بدأ البحث العلمي الحديث على يد الغرب، فصارت تحمل وجة نظره كعلم، وصار الكلام عن وجهة نظر أخرى في المعلم أو المعرفة عدم موضوعية ولا علمية... لن يتفق الجميع بالضرورة مع ما جاء في الكتاب، لكنه حتما سيفتح أفقاً واسعا جديداً لكل من يقرأه ومجالاً للتفكير بشكل مختلف بعيداً عما تعاملنا معه دوما على أنه من "مسلمات" المعرفة وبالبحث.
يقدم المسيري مقدمة رائعه باسم فقه التحيز ويبين ان كل ما هو انساني فهو منحاز حتما وانه يجب مراعاة ذلك في العلوم الانسانية خصوصا وانه يمكن تجاوز التحيز احيانا . وحلل المسيري ونقد الفكر الغربي المادي وتحيزاته مقابل تحيزاتنا الشرقية او الاسلامية وكيف انه باعتمادنا كل ما عند الغرب دون نقد وتمحيص هو بمثابة اعتماد ما يناقضنا ويثير صراع داخلي ضار واثره هدام
الكتاب كبير قليلا لكن اهم ما فيه هي مقدمته ومن ثم مواضيع مختارة حسب ميول الشخص انصح الجميع بقراءة المقدمة وهي لا تتعدى 130 صفحة
لو أن لي أن أنصح أحداً من الجيل الجديد من الشباب بقراءة كتاب لنصحته بإشكالية التحيز!
بالنسبة لي ، أحتاج أن أقرأه مرة أخرى وأن أكمل قراءة الأبحاث التي لم أقرأها ، من الأبحاث المميزة فيه : المقدمة المكتوبة بقلم المسيري وهي بعنوان : فقه التحيز ، كذلك بحث المهندسة سهير حجازي بعنوان : "دراسة التحيز في التصميم المعماري" ، بحث الدكتور طه جابر العلواني بعنوان "حول فكرة المواطنة في المجتمع الإسلامي" ، البحث المعنون :" حكماء لا أطباء" للدكتور أسامة القفاش والدكتور صالح الشهابي ،
للتعريف بهذا الكتاب / الموسوعي سأقتبس ثلاث فقرات تعبر بشكل مجمل عن فكرة الكتاب وهدفه وغايته:
الفقرة الأولى من كلمة الدكتور طه جابر العلواني في ختام تصديره للكتاب، يقول: "وهذا الكتاب الذي نقدم له عمل علمي على مستوى عال اضطلع به وطرح فكرته الأستاذ الدكتور عبدالوهاب المسيري جزاه الله خيرا، وقد قام بالتحضير للندوة التي انبثق هذا العمل عنها وبذل في ذلك جهودا نرجو الله - تعالى - أن يثيبه عليها. وهذا العمل يندرج في إطار الجهود التأسيسية التي تحتاجها "أسلمة المعرفة" وهي تراكم خبراتها وتجاربها المتنوعة في ميادين إعادة بناء المنهجية التوحيدية، وتوظيف الإيمان والتصور الإسلامي والرؤية الإسلامية الكلية في بناء "النموذج المعرفي الكلي"، وتمكين الباحث المسلم من بناء النماذج الجزئية المنبثقة عنه وتشغيلها معرفيا. وكذلك في ميادين بناء مناهج التعامل مع القرآن الكريم مصدرا للمعرفة. والتعامل مع السنة مصدرا للمعرفة، ومناهج التعامل مع التراث الإسلامي والغربي. ولذلك فقد سارعنا إلى تبني هذا العمل، وتشجيع الأخ الدكتور المسيري بقدر المستطاع على إنجاز الندوة، ثم إنجاز الكتاب، ومشاركته في ذلك".
الفقرة الثانية من كلمة الدكتور عبدالوهاب المسيري في مستهل مقدمته لهذا الكتاب: "هدف الكتاب هو ببساطة محاولة اكتشاف بعض التحيزات (أساسا الغربية) الكامنة في مصطلحاتنا ومناهجنا وأدواتنا البحثية وقيمنا المعرفية، واقتراح مصطلحات ومناهج وأدوات وقيم معرفية بديلة تتسم بقسط أكبر من الاستقلال وربما الحيادية... وعلى الرغم من أن الكتاب يتناول إشكالية التحيز بشكل عام، إلا أننا نُحبذ التركيز على التحيزات الغربية الكامنة في المناهج والأدوات التي يستخدمها الباحثون العرب، فهي أكثر التحيزات شيوعا وخطورة، نظرا لأن الكثيرين يرون القيم الغربية على أنها قيم عالمية، ويتبنونها دون إدراك لخصوصيتها الغربية، منكرين بذلك خصوصيتهم العربية والإسلامية".
الفقرة الثالثة من البحث الأول في هذا الكتاب والذي كتبه الدكتور عبدالوهاب المسيري واختار له عنوان "فقه التحيز"، يقول: "قضية التحيز في المنهج والمصطلح هي إشكالية تواجه أي دارس في الشرق والغرب والشمال والجنوب، ولكنها تواجه المثقف في العالم الثالث بحدة. فهو ينشأ في بيئة حضارية وثقافية لها نماذجها الحضارية والمعرفية المختلفة، ولكنه مع هذا يجد نماذج أخرى تحاول أن تفرض نفسها على مجتمعه وعلى وجدانه وفكره. فمنذ نهاية القرن الثامن عشر، ومع انتشار الإنسان الغربي التدريجي في العالم من خلال التشكيل الاستعماري الغربي، وقيامه بتدويل نماذجه الحضارية والمعرفية، بدأ أيضا ما يسمى بالغزو الثقافي، وهو محاولة الإنساني الغربي فرض نماذجه هذه على شعوب العالم. وهذه النماذج التي أثبتت نفعها في العالم الغربي في المجالات الاقتصادية والسياسية، لها أيضا جوانبها المظلمة والمدمرة في مجالات أخرى، وهذه النماذج ليس لها بالضرورة علاقة قوية بواقع شعوب العالم غير الغربي (أي الغالبية العظمى لشعوب الأرض). وهي لهذا السبب ليست قادرة على التفاعل مع هذا الواقع أو على الإسهام في تفسيره أو تغييره، بل ويؤدي تبنيها أحيانا إلى تدميره. فإذا كان لكل مجتمع تحيزاته، فما حدث أن كثيرا من شعوب العالم بدأت تتخلى عن تحيزاتها النابعة من واقعها التاريخي والإنساني والوجودي، وبدأت تتبنى تحيزات الآخر، بما في ذلك تحيزاته ضدها، وبدأت تنظر لنفسها من وجهة نظره. وقد طُرحت فكرة التحيز ونوقشت من جانب الكثيرين. ومع ظهور الفكر القومي العربي، بدأ الحديث يتزايد عن الهوية والخصوصية الحضارية وضرورة الحفاظ عليهما، ومع هذا لم يحاول أحد أن يدرس القضية بشكل منهجي شامل. ولذلك أحسست بضرورة أن نبدأ من نقطة ما، وتساءلت: لماذا لا نضع أسس علم جديد لها آلياته ومناهجه ومرجعيته يتعامل مع قضية التحيز هذه، ويفتح باب الاجتهاد بخصوصها؟ فالجميع لديه الإحساس بأن هوية الأمة - سواء كانت قومية أو دينية - مهددة بسبب تبنيها لنماذج ورؤى الآخر، دون إدراك عميق أحيانا للتضمينات المعرفية لهذه النماذج. وقد كان يشاركني إحساسي هذا الكثير من الزملاء في مصر في أواخر السبعينيات (أ. عادل حسين - أ. طارق البشري - د. جلال أمين - أ. نبيل مرقص - د. عبدالحليم إبراهيم - د. ممدوح فهمي - د. حامد الموصلي - د. كريمة كريم - د. هدى حجازي - د. جودة عبدالخالق)، فكنا نلتقي لمناقشة مشاكل التبعية والهوية. وحين انتقلت إلى جامعة الملك سعود بالرياض، وجدت نفس الوضع ونفس الانشغال الفكري، فشكلنا حلقة من بعض الزملاء في كلية الآداب لدراسة هذا الموضوع. وبعد اجتماعات عديدة استغرقت أكثر من عام، وجدنا أن الوقت قد حان لتجاوز مرحلة النقاش، وإصدار كتاب عن الموضوع يتكون من دراسات مختلفة في حقول معرفية، يقوم بكتابتها عدد من العلماء العرب، كلٌ في حقل تخصصه. فكتبت دعوة للإسهام في الكتاب وتوالت الدراسات ابتداء من عام 1987، وتجمع لديّ عدد من الدراسات. ثم قررنا أن نعقد مؤتمرا عن الموضوع (تحت إشراف المعهد العالمي للفكر الإسلامي ونقابة المهندسين بمصر). وعقد المؤتمر بالفعل في الفترة من 19 -21 فبراير 1992م (الموافق 15 -17 شعبان 1412هـ). وكانت الاستجابة إيجابية لأقصى درجة ووصلتنا أبحاث جديدة فقررنا أن نعود للخطة الأولى وهي أن تُنشر كل الأبحاث باعتبارها أبحاثا مقدمة لكتاب، وليس كجزء من أعمال المؤتمر. وبعد تجميع الأبحاث، قمنا بتصنيفها على محاور، وقرأناها بإمعان شديد لاستخلاص الأطروحات الأساسية والأنماط المتكررة والنماذج، وقمنا بربطها لنؤسس تخصصا جديدا يركز على هذه القضية سميناه "فقه التحيز". وقد ��ستخدمنا كلمة "فقه" بدلا من "علم"، لأن الكلمة الأولى تسترجع البعد الاجتهادي والاحتمالي والإبداعي للمعرفة، على عكس كلمة "علم" التي تؤكد جوانب الدقة واليقينية والحيادية والنهائية".
الكتاب أكثر من راااائع! أعجبتني الأفكار التي أوردها الكاتب.. جميل أن يرى الإنسان الأمور من نواحي مختلفة دون التأثر بتحيّزات الآخرين..
الكتاب يناقش أهمية أن يكون لنا تفردنا وتحيّزنا الخاص لقيمنا وأخلاقنا وما يدعوا له ديننا دون التقيّد بالآخرين الذين أعطيناهم لقب العالمية ليتسنى لنا مواكبتهم دون البحث والتقصي لمجرد التقليد اعتقاداً منّا أن هذا يعد تطوراً..
قرأت هذا الكتاب أو أكثر دراساته بالتوازي مع متابعتي لسلسلة منهجية التعامل مع الفكر الغربي للمسيري، بالإضافة لعدة مقالات وكتابات حوله وحول مشروعه ومنهجه. من ثم أعتقد أن هناك أسئلة وملاحظات عامة على الكتاب، كما على منهج المسيري إذ أن الكتاب ودراساته يمكن أن تنضوي تحت منهجية المسيري بشكل عام
1- أعتقد أن أغلب انتقاداتي على منهج المسيري يمكن ردّه لكون المسيري ينطلق من نقطة "مثالية - Idealist" في منهجه، حيث يرى أن "الثقافة\العقل\الأخلاق" بمعناها العام هي المتحكم الأول في مسيرة التاريخ وتطوره وتغيره وحركته، فبالنسبة له "العلمانية" هي تطور مباشر لمبدأ الكمونية\الحلولية الموجود في البروتستانتية واليهودية القبالية (حصرًا)، وكل تطورات وتنوعات ومظاهر الحياة والفكر والسياسة وحتى الفن "الغربي" (فالمسيري يبدو من كلامه أن الغرب كتلة واحدة متجانسة ماهويًا، وهي مشكلة أخرى)، أن كل تلك التنوعات والمظاهر ترجع لـ"علمنة" مظاهر وجوانب الحياة، دون أن يخبرنا لماذا أصلًا بدأت عملية العلمنة هذه وكيف على سبيل المثال وفي أي سياقات؟ المشكلة أن المسيري يقترب أحيانًا من إدراك هذه الأبعاد المادية، فنراه يقول أن "المدينة بطبيعتها تخلق تربة صالحة للعلمنة" لكن لا نفهم لماذا أو كيف (من هنا رأيي أن المسيري برده يختزل ظواهر كثيرة زي العقلانية والترشيد والمدنية والعلمانية إلى شيء واحد)
2- من متابعة أعمال المسيري ومنهجه يظهر بوضوح أنه متأثر للغاية بعلم الاجتماع الليبرالي وبالأخص منهج ماكس فيبر (نظرية الـIdeal types على سبيل المثال هي تقريبًا نفس فكرة النموذج التفسيري)، وأعتقد -دي فرضية مني في حاجة لمزيد من الدراسة- أنه أيضًا متأثر بفلسفة كارل بوبر وتوماس كون اللي بدورهم متأثرين بـفيبر وإن كنت أعتقد أنه تأثر غير مباشر. التأثير ده يفسر عند المسيري النزعة اللا-سياسية لفكر المسيري على سبيل المثال فالغائب الأكبر في كل كلامه هو سؤال "وبعدين؟" مقابل الميل للفهم والتوصيف -مبدأ ماكس ويبر المشهور verstehen-
3- حسب منهج المسيري لا بد من تحيّزات معينة عند الباحث (متفقين) ولا مشكلة من تجاهل بعض الظواهر لمحاولة خلق نموذج تفسيري (تاني، تأثر واضح بمنهج ماكس ويبر)، الإشكال الأهم بناءً على كل هذا أن منهج المسيري يقع في فخ التحول إلى أيديولوجيا باعتبارها "قصة في عقولنا" حسب تعريف سلافوي جيجك -الله يحرقه-
فهو بحاجة لاختزال ظواهر كثيرة (الحداثة هي الإنسان الذئب عند توماس هوبز، لا يخبرنا عن أي سياق لهذه العبارة أو أي تصورات مغايرة وُجدت بجانبها، وكلامه عن الماركسية يبدو فيه أنه يختزل الماركسية بكل مدارسها وتياراتها في فلسفة لويز ألثوسير وحتميته التاريخية)، وهو بحاجة لتهميش ظواهر أخرى (كلامه أن الاشتراكية "أكذوبة" تحاول خلق قيمة في مجتمع علماني!)، فلا نعلم في هذه الحالة كيف يمكن إثبات خطأ تصور المسيري ونموذجه إذا كان بإمكانه تفسير كل شيء وتهميش أي ظاهرة باعتبارها انحراف عن تصوره؟
-بالمناسبة المسيري نفسه قال "ممكن الواحد ينشط مخه نماذجيًا ويختلق حقائق إمبريقية عشان يطبق عليها النموذج، بغض النظر عن مدى صدق الحقيقة دي ولا لأ، يظل اننا نجحنا نطبق النموذج على مجال معرفي أو نشاط إنساني لم يطبق عليه" (!) فتخيلو مثلًا ان واحد يعرّف الشريعة بأنها "نفي القدرة عن الإنسان وحصر المعنى في الله" ويفسر التاريخ الإسلامي بناءً على كده ويقول إن الجبرية أو الوهابية هي اللحظة النماذجية للإسلام، ولو جبناله تراث المعتزلة مثلًا يقول ده انحراف؟
أو تخيلو مثال آخر، مؤخرًا فيه تريند عن الأطباء الجدد من الجيل Z وازاي هم مش مقيدين برسميات المهنة وبيتكلمو بالعامية وبيهزرو، ممكن جدًا بمنهج المسيري تعتبر ده نموذج علمنة "وتخلي عن قيم المهنة العليا وتحول للسيولة في التعامل لأن مبقاش فيه مرجعية عليا تحكم الجيل ده"، أو ممكن برده تفسره بأنه "لحظة إنسانية ورفض لعلمنة المهنة واستعادة العفوية الانسانية فيها"، والاتنين حسب كلام المسيري ممكن يبقو صح
4- المسيري لا ينكر أنه ينطلق من تحيزات معينة -منهجه كله قائم على إدراك هذا أصلًا- لكن الكثير مما ينطلق منه على أنه مطلقات هي بدورها أفكار أو بُنى بنت تاريخ وسياق وثقافة معينة ويُحاكم باقي العالم بناءً عليها دون تبرير justification واضح.. بمعنىً آخر خطاب المسيري هو خطاب "خصوصية ثقافية" دون أساس واضح ودون تفسير من أين نشأت هذه الثقافة
فكلامه عن "المجتمعات التراحمية" واللي هي فكرة أصلًا قادمة من علم الاجتماع الكلاسيكي، يوحي بأن كل المجتمعات المسلمة من الأندلس لمصر والشام لاندونيسيا، كانت كلها متجانسة وذات نفس المرجعية الأخلاقية فقط لأنها كانت بتقول الشهادتين؟! أو كلامه أن كل المجتمعات ذات المرجعية المتجاوزة تأخذ شكل الهرم، قافزًا فوق كل النقاش السوسيولوجي عن دور الاقتصاد والتفاوت المهني والطبقي في تشكيل البنى الاجتماعية مثلًا ورادًّا هذا كله إلى "المرجعية الأخلاقية المتجاوزة" مثال آخر، المسيري يرى أن مجتمعات الشرق الأقصى هي مجتمعات كمونية\حلولية أيضًا، وكان يرى أنها ستتعلمن كما حدث للغرب، فحق لنا أن نتساءل لماذا نشأت "العلمانية" -إذا كانت نابعة من النظرة الحلولية الكمونية- في الغرب، ولماذا نشأت هناك حصرًا في الـ500 عام الماضية، ولماذا لم يتعلمن الشرق الصيني والياباني أيضًا ويصبح امبرياليًا قبل الغرب رغم أنه كحضارة أقدم من الغرب الأوروبي بكثير؟ وكيف يفسر المسيري أن حسب كلامه أغلب مجتمعات الأرض كانت -ولا تزال- ذات ثقافات حلولية\كمونية والاستثناء تقريبًا هو التيار السائد في الثقافات الإبراهيمية؟
5- أخيرًا لأني مكنتش ناوي الكلام يطول لكنه طال غصب عني، فأنا أتفق مع المسيري في نواة بعض أفكاره بالأخص فكرة التحيّز، واختلافي بالأساس في منهجه المثالي وخصوصيته الثقافية، لكن مهم الأخذ في الاعتبار أن المسيري الله يرحمه مات من 17 سنة ومحاضراته المشهورة فات عليها أكتر من 30 سنة، فكما مع مفكرين وشخصيات أخرى فالمسيري مهم أخذ الفكرة العامة منه لكن الأهم من ذلك تجاوزه وتعدّيه والبناء عليه فكما قلت المسيري ومنهجه لا يجيب على سؤال "وبعدين؟".. وأرى أن مشكلة الكثيرين هي توقفهم عند أفكاره رغم أن واقعنا الحالي يفرض أسئلة أكثر إلحاحًا