في روايته الثانية، يبتعثُ «خالد عبد الجابر» حقبةً شائكةً من رماد التاريخ المصـريّ المعاصر، حقبة تحيا أغلبُ تفاصيلها في ظلام التناقُل الشَّفَهيّ ويندُر إحياؤها في التدوين، سواء التوثيقي أم التخييلي. يتبادل «صادق»، المسافر إلى بغداد، الرسائل مع أبيه «محمد محفوظ المصري» في ريف دلتا مصـر، لتتكشَّف سنواتُ جمرٍ، بين عامَيْ 1984 و1990. سبعُ سنواتٍ مفصليَّةٍ، هناك وهنا، تَعقبُ حلولَ سلامٍ مختَلفٍ عليه في مصـر، ونشوبَ حرب خليج أولى في العراق لن تلبث أن تمدَّ فتيلها لحربٍ ثانية. لكن «سراب دجلة» لا تكتفي بحقبةٍ واحدة، حتى لو منحتها المركزيَّة، مثلما لن تكتفي ببنيَة «الرسالة» شكلًا فنيًّا لها.. ستحضـر هزيمة يونيه 1967 وحرب أكتوبر 1973 وما تلاهما، مثلما سيحضـر أُفُق ما بعد حرب الخليج الأولى، لترسم الروايةُ في كُليَّتِها خارطةً للفرد المُغترِب والمُهمَّش بين نهرين، إذ يكاد دجلة يكون مرآةً يرى فيها النيلُ نفسه، والعكس.. في واقعٍ تُزهر حقولُه الألغامَ بقوة إزهار الثمار، ويفقد حاضره البوصلة، مشدودًا لكل ما يُحيل أحلامَ الغدِ إلى كوابيس لا يكفُّ رَحِم الماضي عن إطلاقها. بالقوة نفسها يحضـُر تداخل الأصوات، والمَحكيَّات الاسترجاعيَّة، لنجد أنفسنا أمام نصٍّ روائيٍّ متفردٍ ومختلف على صعيد البِنيَة ومستويات اللُّغَة المُتنوِّعة، نص مُتوتِّر بتوتُّر شخوصه ومَحْـكيَّاته، ومنفلتٌ، في كل لحظة، من ركود النَّصِّ التقليدي. «سراب دجلة» رواية شديدة العذوبة والشاعريَّة، ذاهبةٌ للكثافة بكل قوَّتها، كأنَّ الحياة برُمِّتها ضربةُ فرشاة.. وباحثةٌ عن الأفكار وهي تقودُ الجسد إلى عُرْسِه ومأتمه، حيث «أحلامُ اليقظةِ أشد رعبًا من تلك التي نراها في نومنا.
سراب دجلة رواية جميلة جداً للكاتب المصري خالد عبد الجابر و تعتبر هذه الرواية هي روايته الثانية بعد رواية الشريد...
تدور أحداث الرواية حول صادق الذي يسافر إلي بغداد في حقبة الثمانينات و يحاول أن يتأقلم في الغربة ولكنه كان يشتاق لبلده و أهله و يقوم بتبادل رسائل في منتهي العذوبة مع والده يتخللها فصول متعددة الأصوات لجميع أبطال الرواية...
الرواية بتتكلم علي النكسة ،حرب الخليج و المشاكل التي تواجه المغتربين المصريين في العراق كما إنها تلقي الضوء علي الوطن و صعوبة العيش فيه أحياناً..علي الأخوات الذين يفرقهم الإرث..علي الحب الذي تفرقه المشاكل العائلية ..علي الغربة وقسوتها حيث كان صادق مغترب علي ضفاف نهر دجلة و وحيد و شايل الهم علي ضفاف نهر النيل و يأتي العنوان كأختيار ممتاز لهذه الرواية و ومعبر جداً عن الرسالة التي يريد الكاتب توصيلها وهي إن دجلة رمز للغربة ما هي إلا سراب في النهاية و مفيش حاجة تعوض وجودك وسط أهلك حتي لو قاعد معاهم علي طبلية بتاكل عيش حاف..
لغة الكاتب ممتازة والسرد كان هادئ و سلس وهو يعتبر مزيج بين أدب الرسائل وبين أصوات أبطال الرواية ويوجد بيه تنقل بين الحاضر و الماضي مكتوب ببراعة فائقة و علي الرغم ان القصة ممكن تبان عادية إلا إن قراءة الكتاب كانت فعلاً ممتعة ومشوقة أيضاً...
إكتشاف جميل لقلم مصري يستحق الإشادة به و أكيد حكون في إنتظار قراءة أعماله القادمة..
رواية عن الوطن و الغربة ، عن الأرض و الأحلام ، عن جيلين جيل شال الهزيمة حِمل على كتافه و وهب نفسه و حياته لاسترداد الأرض و الانتصار ، و كان المقابل توقف الحياة و الإنفصال النفسي عن الأهل و الزوجة و الأولاد و اللي استمر حتى بعد تحقيق الهدف ، و أصبح الهدف الجديد امتلاك الأرض و الطين بعد غدر الأخ و استغلاله لغياب أخوه ، و من هنا بيدفع الجيل التاني الثمن .. الابن بغربة و وحدة لم يتمناها لكنها كانت الحل ، و أبنة اتفرقت عن حبيب العمر جزاء لفعل أبيه ... مزجت الرواية ما بين أدب الرسائل ، و الحكي على لسان أبطالها ، نقلت أحلامهم و مخاوفهم ، ضعفهم و عجزهم ، ندمهم و محاولات الصمود و خصوصاً مع بداية النصف التاني من الرواية و اللي كان بانوراما أشمل لكل شخصيات العمل اندمجت معه بشكل أكبر و نقلي أجواء و مشاعر الشخصيات بصورة حقيقية و مؤثرة .
يحيا الإنسان منذ ولادته في البيئة التي قُدر له أن يولد بها. لم يختر أهله ولم يختر وطنه. حتى اسمه لم يختره. باختصار يولد الإنسان وحده وهو لا يملك غير صرخته الأولىٰ معلنًا من خلالها اعتراضه علىٰ كل ما قُدر له أن يتعايش معه منذ لحظة مجيئه للدنيا.
وفي رواية اليوم يرىٰ القارئ قصة قد تبدو عادية عن عائلة كبيرة لم يختر أفرادها بعضهم بعضًا، ولكن اختار أحد أفرادها أن يفرقهم الطمع ويشتت شملهم الظلم.
عائلة يخرج منها رجل مُقاتل. لا يرىْ أمامه سوىْ هدف وحيد وهو استعادة أرض الوطن واليوم يأتي دور ولده في استعادة جزء من الأرض المنهوبة، ولكن ليس من أعداء الوطن هذه المرة وإنما من أهله وإخوانه. وهنا يظهر جذور الصراع الخفية داخل العمل الروائي. حيث يرىٰ القارئ علىٰ مدار الأحداث مقدار الألم الدفين في روح البطل وولده، البطل الذي استطاع هزيمة الأعداء واستعادة الأرض المنهوبة مرة أخرىٰ. المقاتل الذي استعاد شرفه وشرف أمته، صار بين ليلة وضحاها رجلًا ضعيفًا، مهزومًا، لا قدرة له علىٰ مواجهة من سرق أرضه في المرة الثانية. لأن العدو هذه المرة كان الأخ القريب لا الغريب البعيد. وهنا مكمن الألم الذي لا يداويه أي نصر مهما عظم قدره.. فمن يفرح بانتصاره على أخيه وإن كان يعلم يقينًا أنه علىٰ حق؟
حسنًا يمكن للمرء أن ينتصر في حربه علىٰ أعدائه، ولكن حربه مع أهله لا نصرة فيها ولا عزة. فلا قدرة لأحد علىٰ الخروج منتصرًا من معركة هُزمت فيها نفسه.
★★★★★ «في الحرب لا مكان للمشاعر. ولا مكان لحب أي شيء سوىٰ الوطن. حتىٰ حب الحياة يتلاشىٰ خلف خفقات قلوبنا بإرادة النصر. تنتهي الحرب ولا تنتهي آلامها، يعود الجميع من الحرب تصحبهم آلامهم إلىٰ نهاية العمر، في الحرب يا ولدي حتىٰ المنتصر يخسر!»
..المميز في رواية (سراب دجلة) للكاتب/ خالد عبد الجابر أن قارئها قد يشعر في البداية أنه أمام قصة عادية عن أخوة أحدهم ظلم الآخر وأكل حقه، ولكن بتتابع الأحداث سينكشف للقارئ مغزى العمل الحقيقي. فالأمر كله يتمحور حول رحلة بحث في دواخل النفس البشرية وما قد يؤول إليه مصير أسرة متحابة من هزيمة وشتات لمجرد أن أحد أفرادها قد طمع في غير حقه. مما يؤدي لتآكل المجتمع داخليًا وهزيمته علىٰ أيدي أفراده أنفسهم، ومن يتبقىٰ منهم باحثًا عن طريق للنجاة لن يجده سوىٰ في هجرته الطوعية لبلاد لا تعنيه وأفراد لا يشعر تجاههم بشيء. فربما تنسيه غربة الوطن وهجر الأهل قسوة ما عاناه سابقًا.. لأن هوان الغربة والفقد ساعتها سيكون أخف وأرحم من محاربة الأهل والأحباب. ★★★★★
❞ إلى مَنْ تركوا أرضهم.. إلى مَنْ وجدوا الغربة في أوطانهم.. فقرروا أن يبحثوا عن الوطن في مكانٍ آخر إلى الهاربين من غربتهم باغترابهم.. إلى مَنْ عاشوا عمرهم ضيوفًا يراودهم حُلْم العودة… فتاهــوا! ❝
-أرى لما اختار الكاتب لهذة الرواية اسم "سراب دجلة" ف أبطالها عاشوا حياتهم يطاردون أحلامهم التي كانت كسراب كلما اقتربوا من تحقيقها وعندما تحققت اكتشفوا أنهم فقدوا الكثير أو ما هو أهم في سبيل تحقيقها.
-الرواية تتناول فترة حرجة في تاريخ مصر والعراق، فترة الثمانينات وأوائل التسعينات.. رأيت مدى التشابه بين الشعبين في المعاناة في الحرب والسلم مع اختلاف الأسباب ولعنت السياسة وسطوة الحكام وكبريائهم الشخصي الذي يزج بشعوبهم إما بين براثن الحرب أو الأسر أو الغربة وحتى في وقت السِلم يتلقفهم شطف العيش وتغير الأحوال حتى ليشعر الإنسان أنه غير مرحب به في وطنه الذي ضحى لأجله بالكثير والكثير.
-تناول الكاتب أحداث كثيرة تعاقبت على البلدين احتلال سيناء وتحريرها وتدهور الحالة الاقتصادية التي دفعت معظم أبناء هذا الجيل للغربة (بدأت أتأكد من أن جيل الثمانينات أكثر جيل مظلوم دفع سنوات حياته لتعويض أخطاء جيل قبله) واحداث أخرى ذكرت على الهامش ولكنها كانت مؤثرة في حياة أبطال الرواية ، وتم ذكر جمال عبد الناصر والنكسة وخداعه لشعبه والتنحي والعودة ووفاته، وفي العراق تم ذكر أحداث مهمة كآثار حرب الخليج على الناس هناك واجتياح العراق للكويت والانقسامات الطائفية والاحزاب السياسية وعودة الجنود ليجدوا المصريين قد أخذوا مكانهم.. (سبحان الله شعبين اتلطموا حرفيا، واحد اتغرب عشان بس أهله يعرفوا يعيشوا عيشة طبيعية وكان بيحاسب على مشاريب مش بتاعته وواحد حارب وشاف أهوال الحرب واتوعد بإنه هايرجع يبقى بطل ومستقبله مضمون وكرامته محفوظة، اتفاجيء بعد رجوعه إنه مالهوش مكان في بلده اللي خسر عشانها عمر بحاله!).
- أحببت شخصيات الرواية كلها بلا استثناء وتعاطفت معهم، فكلهم مظلومين بطريقة او بأخرى.. جيل اختار إنه يحارب المحتل لأجل استرداد أرضه والعيش بكرامة، جيل بسيط أحب وطنه وأحب من يمثله وصدق كل كلماته، آمن بمن يحكمه ودفع الثمن، وجيل شبّ على بطولة أباءهم في الحرب ووعى معني تقديس الأرض ومعنى أن تفديها بروحك ولكن وجد أن الأرض التي يقدسها تلفظه خارجها! -علاقة الأب والابن كانت علاقة جميلة وقوية بكل ماتحتويه من تناقضات.. أبكتني معاناة صادق في الغربة واشتياقه لأهله ودياره وتردده بين نار العودة ونار تحقيق حلم ليس له.. والأب الذي لا أعرف هل كان حليما أم سلبيا، ربما لو تعامل مع الأمور بطريقة مختلفة لكان مصيرهم أفضل ولكن هذا ما كان يحدث في الواقع، محاولات يائسة لتصحيح أخطاء الماضي بارتكاب أخطاء جديدة.
-الشخصيات النسائية مظلومة كالعادة وأعجبني ان الكاتب أظهر أن مصير النساء يتشابه أينما كانوا، تولد الفتاة وتكبر على القيم والاخلاق ومعها تقديم فروض الولاء والطاعة لتكون الابنة البارة لوالديها ولا تجلب لهم العار، صلصال يتشكل كما يريدون والويل لها إذا فكرت أو أرادت، دائما تعامل على أنها أقل أو ملكية لأحدهم .. رغم إن "عزيزة" كانت مختلفة في صغرها كانت مُدللة من أبيها وأخيها وجدها ولكن عندما كبرت اختلف الأمر، خضعت لقوانين مثيلاتها في القرية تزوجت شخص لم تريده وعندما طُلقت تم وصمها وكأنه قد أصابها الطاعون.. ف النساء هنا لا تجرؤ حتى على اختيار ما تريد ولا أحد يسألها من الأساس.
- النهاية واقعية، ربما ان كانت جاءت قبل أحداث أخرى او بطريقة أخرى لسعدت بها، ولكنها جاءت سعادة مخلوطة بالحزن والتيه. هناك في رأيي اقتباسات تصف الرواية افضل من أي شيء.. لأني مهما تحدثت وأطلت لن أقدر على وصف مشاعري اتجاه هذة الرواية.. أحببتها وأحببت كل دقيقة قضيتها في قراءتها.. كانت قراءة موفقة بشدة وأصيحت من مفضّلاتي. ❤️
❞ أنا أعرف الحرب وأعرف مأساتها، حتى المنتصر يخسر، رفعتُ رأسي بالنصر منذ سنوات، ثم نكَّستها حتى لا يرى دموعي أحد على فراق أخي وأعز أصدقائي، ذهبنا معًا وعدت وحيدًا منتصرًا أمام الجميع، وخاسرًا أمام قلبي، ما خسرتُه في الحرب يا ولدي وما خسرتُه بسببها وبعد نهايتها لم يستطع النصر أن يعوضني عنه. ❝
❞ تحمَّل تَبِعات الحرب، رحل عندما كان للجنيه قيمته، وعندما عاد كان لزامًا عليه أن يرضخ إلى كلمات السادات بينما يطلب من الناس أن تشد الحزام حتى تتعافى البلد، وأن يصدق وعوده بأن الخير قادم مع الانفتاح الاقتصادي، فصبر حتى ملَّ ولم يجد ما وعد به حقًّا. ❝
❞ ولكنها الغربة، ولكنه الطريق الذي اختاره ولن يستطيع التوق�� أو العودة بعد أن اجتاز نصف المسافة. يعلم أنه في منتصف الطريق يختلف كل شيء، نظل نبحث عن شعاع ضوء يهدينا إلى الصواب حتى ولو لاح لنا كسراب بعيد، نتحسَّس الطريق إليه يدفعنا أمل لا نعلم هل هو كاذب أم صادق، ولكننا لا نمتلك رفاهية الوقوف للتفكير فيما قد نواجه أثناء رحلتنا، نُعجِّل بالوصول لنكتشف مصيرنا هناك فلا فارق في المواجهة. ❝
❞ تسخر منهم الحياة وهي تعلمهم درس الكنز الموجود في الرحلة، ولكن كنز الرحلة لن يغنيَهم ولن يحقق أحلامهم التي تركوا بلادهم من أجلها، فتشترك الملامح كلها في نظرات الفَقْد والضحكات التائهة التي تحاول الوصول إلى لحظة حقيقية من السعادة، ولكن السعادة لا يمكن تحقيقها بالزيف فتنكسر عيونهم تحت عبوس الحاجبين، سيماهم على وجوههم، تربطهم جميعًا ملامح التِّيه. ❝
❞ دومًا تمضي الحياة لا يُوقفها ولا يعطلها فقدان حكاية أو ألم لرواية لم تكتمل أو اكتملت بنهاية سيئة، تتخطى الحياة كل العقبات وتستمر.. ❝
❞ الحياة يا وليدي تمضي في اتجاه واحد كطريق نسلكه ولا نملك أن نعود فيه للخلف للتعديل، لأننا لن نكتشف أننا نسير في الاتجاه الخطأ إلا بعد أن نضلَّ فيه. في الأيام الماضية كنت أجلسُ وحيدًا على المصطبة أفكِّر وأتدبَّر الأمر ثم أبرر لنفسي بأن نيَّتي كانت خيرًا. ولكني لن أستطيع أن أخدع نفسي أو أخدعكم أكثر من ذلك.. بُعدك ليس خيرًا.. وحدتك في الغربة ليست خيرًا.. نظرات الفَقْد في عيون أمك ليست خيرًا.. برودة أيام عزيزة ليست خيرًا.. لم أجد الخير يا صادق.. ❝
❞ عدتُ إلى سريري أتأملهم بينما لا زلت ورغم مرور كل تلك السنوات، أنتشي بنسمات الهواء المتسللة عبر باب الغرفة المكسور محملةً برائحة الطين ونسيم البرسيم الذي يدفعه هواء البحر، أُنكر الماضي وأفكر في المستقبل مُحاولًا الوصول لإجابة سؤال يدور في رأسي منذ عودتي، سؤال عن ذاك الضوء الذي لا زلتُ أراه في نهاية الطريق. ❝
هي أوّل رواية أناقشها مع نادي صنّاع الحرف يوم 25 مايو 2025.
سراب دجلة
- "لم تكن الوحدة تزعجني في ما مضى من عمري، أعرف ألف شخص ولكني بلا صديق."
- سردٌ سلس ولغة مبسّطة قريبة من القارىء.
- غالبًا ما يعتبر تعدّد أشكال السرد إثراءً لأيّ رواية وإضافة تُحسب لأيّ كاتب، وهنا في هذه الرواية، التي تحكي بشكلٍ أساسيٍّ عن الخلافات العائليّة وبشكلٍ ثانويّ عن اغتراب المصريّين في العراق الذي اشتعل أوّل الثّمانينات، وجدنا تعدّدًا للرّواة بشكلٍ قد يكون مبالغًا فيه، فكان أن راح الكاتب ينتقل عشوائيًّا من الراوي العليم إلى صادق المغترب ورسائله لأبيه، وإلى الأب ورسائله لصادق، وإلى عزيزة أخت صادق، وإلى عددٍ لا يستهان به من أجيال العائلة الكبيرة عمًّا وأبناءً. فبدت غالبيّة الأصوات، نتيجةً لتوظيف ضمير المتكلّم بكثرة وأحيانًا بلا دافعٍ دراميًّ مؤثّر على تطوّر الحبكة، بدت متشابهة إلى حدًّ كبير، حتّى تحايا الختام بين رسائل الأب وابنه كانت في معظمها واحدة "والسلام ختام". ولولا عناوين الفصول وترقيمها لبان أن لا وجود للتفرّد العميق لدى شخصيّة وأخرى. وهذه نقطة كان واجبًا احتسابها والإمعان في معالجتها لإضفاء المزيد من التميّز.
- الكاتب برأيي لم يبذل جهدًا في بناء الشخصيات، جاء اهتمامه ربّما أكثر بحكاياتها وتاريخها، فلم تستوقفني شخصيّة ولم تجعلني متعطّشًا لمعرفة المزيد عنها، ما عدا صادق، بطل القصّة الذي دفعته الظّروف إلى التّغرّب في العراق المتخبّط بالأمن المتزعزع والحروب، ما جعل سهلًا رسمه في الذّهن والانغماس في محنته التي أذكاها البُعد عن مصر والأرض والعائلة.
- أخيرًا، أتفهّم محاولة الكاتب تضمين حكايته لمجريات أحداث الثّمانينات في العراق، ولكن لو نظرنا إلى القصّة المتوازية الدّائرة في مصر بين أفراد العائلة، لرأينا أنّ ذلك لم يأخذ حقيقةً بيد الشّخصيّات هناك، والتي اكتسبت فجأةً مساحةً كبرى عند منتصف الرّواية، إلى مكانٍ ذي أهمية قصوى، وأنّه بالكاد حمل تأثيرًا عليها.
- آرائي أعلاه دوّنتها قبل مناقشة اليوم، وهي حتمًا تغيّرت قليلًا للأفضل، مثلًا تشابه جملة الختام بين رسائل الأب وابنه، علّله الكاتب بأنّ الجملة تعود إلى تأثّر صادق بوالده، ودراسة كليهما في ذات المكان. خلال النّقاش أيضًا، أعجبني ما أضافه الكاتب من أفكار حول دافع كتابة الرواية وجوّها وعمليّة كتابتها، وأحببت شفافيته وانفتاحه على كافّة الآراء، ولاسيّما عدم ميله لأخذ وضعيّة الدّفاع.
شكرًا للكاتب خالد عبد الجابر على هذا اللقاء الممتع، مع تمنياتي له بالنجاح المستمرّ.
- تقييمي قبل المناقشة: 2.5 - تقييمي بعد المناقشة مع الكاتب: 3
رواية "سراب دجلة" لخالد عبد الجابر: إرث الخذلان والفقد
الجزيرة سليم بَطّي
يبدو أنّ الكثير من الروائيين العرب تشغلهم فكرة الغربة والاغتراب، سواء في الوطن أو بعيدًا عنه. إذ تُناقش الكثير من الروايات الصادرة خلال الخمس سنوات الأخيرة أزمة الغياب أو التغييب عن الأرض والوطن وحتّى عن الذات. ولم تكن رواية "سراب دجلة" للكاتب المصري الشاب خالد عبد الجابر والصادرة بطبعتها الأولى عن دار العين المصريّة في العام 2023 تغرّد بعيدًا عن سرب البحث عن طوق النجاة في وطنٍ بديل. تبدأ الرواية مشحونة بكمٍّ كبير من الإهداءات على ثلاثة مستويّات. لأفراد من عائلة الكاتب، للأبنودي والأسطى حراجي، وإلى كلّ الذين عافوا أرضهم بحثًا عن الأنا الضائعة على أرصفة المهجر. لم يكن هذا الزخم العرفاني عشوائيًّا، كأنّ عبد الجابر يخبرنا عن هؤلاء الذين ألقوا بأحمال قصصهم فوق كتفيه وقالوا له: اكتُبنا، فنحن متعبون
أمّا بداية القصّ فلم تكن أقلّ جودة من الإهداء، إذ ومنذ الصفحة الأولى يبدأ عبد الجابر استخدام تقنيات كتابيّة تثري النصّ، واضعةً القارئ قبالة تجربة فريدة من الاستمتاع الموجع. ففي الجزء الأوّل من الفصل الأوّل نجد الكاتب يفتتح روايته بتقنية "التكثيف السردي" في فصلٍ لا يتجاوز الثلاث صفحات، يطرح من خلالها وبشكل بانورامي سينمائي أخّاذ أغلب المواضيع التي ستناقشها الرواية تباعًا، بدءًا من الغربة، وعنوان الفصل هو الغريب، مرورًا بكيف وصل إلى العراق، ذكرياته مع والده ووالدته وشقيقته على الطبليّة... هناك في قريتهم وبيتهم الدافئ، غرفة السكن الموحشة في بغداد مع أناسٍ لا يعرفهم ولا يفهم مشاعرهم وطرق عيشهم، علاقته الوطيدة بجدّه الذي تتلمذ على يده فوق مصطبةٍ احتضنت الكثير من ذكرياته، انتهاءً ببدئه كتابة الرسالة الأولى التي ستكون واحدة من رسائل كُثر بينه وبين والده في مصر.
تقنيات السرد
يتأرجح السرد في رواية "سراب دجلة" بين ثلاث تقنيات: الراوي العليم، ضمير المتكلّم لأغلب الشخوص الرئيسة، والرسائل بين صادق ووالده محمّد. هذا اللعب والانتقال بين راوٍ عليم يدرك مكنونات الشخوص، وضمير متكلّم يفرد مساحة خاصّة لكلّ شخصيّة بأن تُفصح عن مخاوفها ومآسيها وأوجاعها، والرسائل التي استخدمها عبد الجابر لتنوب عن الحوارات الشبه معدومة في الرواية، خلقت جوًّا حميميًّا أضفى على السرد سلاسة وخصوصيّة تشدّ القارئ وتجعله جزءًا من دائرة القصّ. ومتابعة لتقنيات الكتابة المستخدمة في هذه الرواية، من الملفت استحضار البيئة وتوضيفها في إدارة تصرّفات ومصائر شخوص العمل، إذ نرى كيف أثّرت بيئة القرية والتربية على قرارات غالبيّة شخوص العمل، كأن يقرّر محمّد المصري خوض الحرب دفاعًا عن أرضه وبيته وكرامته، إذ أنّ الأرض هي العِرض في مفهوم بنيته، تمامًا كولده صادق الذي انتعل الهجرة وسيلةً لجمع المال وشراء الأرض التي فقدوها، لا بسبب الحرب بل بسبب جشع العمّ ابراهيم (شقيق محمّد والعشيق السابق لزوجته زينب) الذي وضع يده على ممتلكات الجدّ بعد وفاته مستفيدًا من غياب محمّد في الحرب. لغويًّا، كان التنقّل بين الجمل الإسميّة والجمل الفعليّة واحدًا من أهمّ نقط قوّة العمل، فقد منح هذا التنقّل بعدًا جماليًّا بعيدًا عن نمطيّة الاكتفاء بالجمل الفعليّة أو الإسميّة. كما واستخدام صيغة النفي مُفتتحًا للكثير من الجمل جعل للّغة سطوتها، إذ كانت قويّة وحاسمة. الأمر الملفت الآخر في اللغة (نحويًّا) هو تقديم الخبر على المبتدأ في الكثير من الجمل ما خلق تنوّعًا نحويًّا بلاغيًّا وتناغمًا صوتيًّا في السرد. ربّما فات الكاتب استخدام بعض الكلمات والحوارات العامّيّة التي أعتقد أنّها كانت ستخدم جوهر النصّ، فنحن هنا نتحدّث عن صادق، ابن الريف الذي ذهب للعيش في العراق، وتحديدًا في بغداد، وعقبة اختلاف اللهجات قد تكون أوّل ما يتعثّر به المغترب. فوجود بعض الفوارق في اللهجات وطرحها في العمل كانت ستخدم النصّ وتضفي عليهم بعدًا جماليًّا. كما وتخلّلت العمل بعض الأخطاء النحويّة والبيانيّة والدلاليّة، كأن يقول الكاتب في الصفحة 41: بعيونٍ باكية، والصواب بعينين باكيتين، وجمع عين هو أعين في كلّ الأحوال لأنّ عيون هي جمع عين الماء وليس عين الإنسان. وأن يستخدم الجمع للحديث عن محمّد وصادق في الصفحة 114، وغيرها من السقطات التي يتحمّل دار النشر وزرها أكثر من الكاتب.
تشظّي الزمان وشخصنة المكان
لم يكن المكان في رواية "سراب دجلة" مجرّد الوعاء الحاضن للحدث، لكنّه كثيرًا ما نما وتطوّر وتغيّر وغيّر، سواء كان المكان داخليًّا (غرفة السكن في بغداد، منزل ونس النيل في القرية، منزل العائلة الكبير، المقهى في بغداد حيث عمل صادق، مكتبة الفرات، مصطبة الجدّ)، أو خارجيًّا (بغداد، الغيط، شارع المتنبّي، قرية ونس النيل). أثّر المكان في مصائر شخوص العمل، فالأرض هي من دفع محمّد ليركب موج الحرب دفاعًا عنها، وهي من دفع صادق للغربة جمعًا للمال لشرائها، كما وشخصيّة الفلّاح المهيمنة على صادق والتي هي تحصيلٌ حاصل لعيشه في الغيط هي من أدّت به لفقدان وظيفته الأولى في بغداد عندما عمل كصبيّ في قهوة. ثار الفلّاح فيه، فكيف بيدٍ كانت البارحة تضرب بالفأس لتزرع، تتحوّل بليلة وضحاها ليدٍ تخدم الغرباء؟ الأرض في رواية "سراب دجلة" كانت السبب، وبغداد كانت النتيجة. صادق هزمه نيل مصر، فالتجأ إلى دجلة العراق طلبًا العون، لكنّه عائد خائبًا لحضن النيل طالبًا العفو والسماح، فدجلة لم يرو عطشه، لأنّه كان سرابًا. وهنا تكمن جماليّة العنوان... سراب دجلة! تلك العبارة الناقصة بمبت��ئٍ لا خبر فيه حتّى وإن حاول المضاف إليه شغل محل الخبر. يبقى الخبر خبرًا لا بديل عنه. لخالد عبد الجابر قدرة هائلة في استخدام تقنية الشخصنة الروائيّة بمنحه الروح والصفات البشريّة للجماد من حوله. فالمصطبة في هذه الرواية لم تكن مجرّد حجارة يجلس فيها المارّة، بل كانت المكان الذي علّم الجدّ فيه أبناء القرية ومنهم صادق، المكان الذي شهد خيبات الجدّ وانكساراته وفرحه عندما علّق صورة جمال عبد الناصر فوقها، المصطبة التي لعب عندها محمّد في طفولته، سقط عندها، جرح جبينه فوقها. المصطبة التي عاد إليها محمّد بعد سنوات يسأل أين ذهب الراحلون؟ وإن بقيت الأمكنة، فمن يُعيد إلينا الغيّاب؟ هنا لعبوا، ركضوا، هربوا من غضب أبيهم، سقطوا، ضحكوا، وبكوا. هي المصطبة التي بعد سنوات طويلة بنى محمّد مثلها قبالة بيته، جلس فيها يشرب الشاي ويلقي الجائلة عليه السلام حتّى عاد ابراهيم إليه منكسرًا يطلب السماح على خيانته. هي المصطبة التي مات فوقها محمّد المصري ليطوي قصّة رجلٍ أحب أرضه وبذل نفسه فيها.
شخوصٌ تبحث عن الخلاص
شخوص العمل كانت كلّها بشكل عام أساسيّة. منها من استمرّ على طول السرد ومنها من لم يظهر بشخصه كالشحّات رفيق محمّد في الحرب. وثمّة الكثير من الشخوص المعقّدة في تركيبها والتي تترك القارئ في ارتباك قبالة الحكم عليها، أهو جلّاد أم ضحيّة، وتحديدًا ابراهيم الذي كان له ما له وعليه ما عليه. فهو ظُلم وبُخس حقّه في التعليم لصالح شقيقه محمّد، هو من تعب وكدّ في الأرض بينما كان محمّد في المدارس يتعلّم. لكن يبقى السؤال: هل برّر هذا خيانته وسرقة نصيب محمّد وأختيه من ميراث الأب؟
"سراب دجلة" بداية واعدة لكاتب موهوب، صادق وحسّاس ننتظر منه الكثير لأنّ فعلًا في جعبته الكثير.
ملحوظة: استضفنا الكاتب في نادي صنّاع الحرف للقراءة وناقشناه في الرواية عبر زووم
يمكنكم متابعة صفحتنا على الاسنتغرام تحت اسم "صناع الحرف" والانضمام للنادي وجلساته :)
اسم الرواية : سراب دجلة اسم الكاتب : خالد عبد الجابر دار النشر : دار العين للنشر والتوزيع عدد الصفحات :212
عن الرواية /
_تدور أحداث الرواية حول "محمد محفوظ المصري " و أسرته التي تعيش في قرية بمحافظة الدقهلية و الذي سيحدث له و لأسرته عقب هزيمة يونية 1967، فنجد الأب يحمل على عاتقه إعادة أرضة فلا يوجد أقسى علي الفلاح من سرقة أرضة، فيترك أسرته و يذهب لجبهة القتال مدافعا عن حقوقه، فتمر السنين علي أسرته التي تركهم فيتربى ولده صادق في كنف جده الشيخ محفوظ و يتعلم الكثير من العلوم الدينية كما أنه يتحمل المسؤولية مبكراً.
_ثم بعد مرور ست سنوات يعود الأب منتصراً و لكنه يجد أرضه قد سرقة منه و قد ضاع عناء السنوات سُدى، ف أخيه لم يراعى حق الله، فيرسل ولده صادق إلى بغداد أملاً في تحقيق حلمه في امتلاك الأرض.
_يتبادل صادق المسافر إلي بغداد الرسائل مع ابيه محمد محفوظ المصري في قريته بالدقهلية فتنكشف سنوات مرت بين عام 1984و 1990 و نشوب حرب الخليج الأولى و تعقبها الثانية، و صراع العراقيين مع المغتربين و كرههم للمصريين .
_في هذه الرواية يسرد لنا الكاتب حياة أسرة بأكملها قد تحولت و أصبح كل فرد منهم مغترب بشكل ما، و من خلال سطور قليلة نعرف ما حدث عقب النكسة و ما آلت إليه احوال المصريين في تلك الحقبة ف علي الرغم من أن تلك الحقبة لم تكن زماناً رئيسيا في الرواية إلا أنه وصف ما حدث فيها، ثم انتقل إلي الاحداث الرئيسية و توالي الاحداث ما بين ريف مصر و بغداد و الحر وب التي نشبت هناك ، إستطاع أن يصف شعور الغربة بدقة
❞ كنت أعرف المغترب بمجرد رؤية وجهه، فكل وجوه المغتربين تتشابه مهما اختلفت جنسياتهم أو العِرْق والدين والبلد التي ينتمون إليها، تحمل نفس الملامح الباحثة عن كنزٍ ما، جاءوا إلى هنا للبحث عنه والعودة به، ليكتشفوا أن الوصول له ليس سهلًا وأنه لا كنز حقيقيًّا ملموسًا يمكنهم الحصول عليه تسخر منهم الحياة وهي تعلمهم درس الكنز الموجود في الرحلة، ولكن كنز الرحلة لن يغنيَهم ولن يحقق أحلامهم التي تركوا بلادهم من أجلها، فتشترك الملامح كلها في نظرات الفَقْد والضحكات التائهة التي تحاول الوصول إلى لحظة حقيقية من السعادة، ولكن السعادة لا يمكن تحقيقها بالزيف فتنكسر عيونهم تحت عبوس الحاجبين، سيماهم على وجوههم، تربطهم جميعًا ملامح التِّيه ❞
_و لكن محمد محفوظ المصري لم يدرك بعد إلا فوات الآوان أنه أخطأ في تقدر قيمه الأشياء و لم يحسب قيمة الفراق و الغربة.
الغلاف/
ملائم جدا لأحداث الرواية و يرتبط ارتباط وثيق بها.
اللغة و السرد/
جاءت اللغة فصحى سرداً وحواراً عذبة و سلسة جدا كما غلب السرد علي الحوار
الشخصيات/
أجاد الكاتب رسمهم ببراعة فشعرت أنني أعيش معهم تلك الاحداث و أشعر بما يشعرون جراء تلك الاحداث القاسية.
رأيي الشخصي/
الرواية حملت الكثير من المعاني من قسوة الغربة و الوحدة ل الحفاظ علي الارض و التمسك بها كما أن زمن الاحداث كان في حقبة شائكة في التاريخ المصري و علاقة مصر ب بغداد في تلك الحقبة و أيضا نظرة الناس القاسية في الريف إلي المطلقة و كانها إرتكبت جرماً. عجبني جدا أسلوب الكاتب في وصف تمسك الفلاح بأرضة و طريقة السرد كما أن الرواية أثرت في بشكل خاص و اعتبرها من أجمل ما قرأت في هذا العام.
النهاية/
جاءت النهاية تحمل بين طياتها السعادة للبعض و الحزن للبعض الآخر و لكن هذه الحياة لا تعطى الكل ما يريدون.
اقتباسات
_ احلام اليقظة اشد رعباً من تلك التي نراها في نومنا.
_للغربة ضريبة يا ولدي.
_ اكسب صديقا كل يوم، و لكن اجعل حولك دائرة حمراء لا يدخلها إلا من يستحق.
_نظل نبحث عن شعاع ضوء يهدينا إلي الصواب حتي ولو لاح لنا كسراب بعيد، نتحسس الطريق إليه يدفعنا أمل لا نعلم هل هو كاذب أم صادق، و لكننا لا نمتلك رفاهية الوقوف للتفكير فيما قد نواجه أثناء رحلتنا، نُعجل بالوصول لنكتشف مصيرنا هناك فلا فارق في المواجهة.
_تقسو الحياة فينُعم الله عليه عباده بنعمة النسيان حتي يكملوها، ولكن قسوة أول ليالي الغربة لا يمكن نسيانها، من جربها لن يستطيع تجاوزها او النسيان.
_ اللعنة علي الاوراق التي لا تستطيع حمل الأصوات لتُعجزك عن إرسال أصوات الطيور تلهو علي صفحة الماء، فتصنع تموُجات المياه مع حفيف الأشجار نغمات موسيقية لا تستطيع صنعها أغلى آلات العزف.
_ فالحزن يسلب كل مشاعر أخرى بجواره ويسيطر على الملامح فلا تستطيع أن تُظهر شيئًا غيره.
_ دومًا تمضي الحياة لا يُوقفها ولا يعطلها فقدان حكاية أو ألم لرواية لم تكتمل أو اكتملت بنهاية سيئة، تتخطى الحياة كل العقبات و تستمر...
_ الحياة يا وليدي تمضي في اتجاه واحد كطريق نسلكه ولا نملك أن نعود فيه للخلف للتعديل، لأننا لن نكتشف أننا نسير في الاتجاه الخطأ إلا بعد أن نضلَّ فيه.
_ في الحر ب يا ولدي لا وقت للحزن، نحمل رُفات أصدقائنا علي أكتافنا و نستمر بالضغط علي الزناد و مواصلة القتال، ندعو الله ان تتوقف طلقات العدو لحظات لنُكرم اجسادهم بالدفن تحت الرمال الطاهرة قبل أن نواصل التقدم... في الحر ب لا مكان للمشاعر و لا مكان لحب اي شيء سوى الوطن حتي حب الحياة يتلاشى خلف خفقات قلوبنا بإرادة النصر، تنتهى الحر ب و لا تنتهي آلالمها، يعود الجميع من الحر ب تصحبهم آلامهم إلي نهاية العمر، في الحر ب يا ولدي حتي المنتصر خاسر.
_ هي الحر ب تُغير الاقدار، تشكل مدُنا و تمحو غيرها، تتلاعب بالنسيج المكون للبلدان، و تعيد تكوينه كما تشاء.
_ كم هو جميل أن يكون لنا أرض أغرس أقدامي في طياتها فلا تستطيع أي قوة علي
◾اسم الرواية : سراب دجلة ◾اسم الكاتب : خالد عبد الجابر ◾نوع الرواية : دراما اجتماعية - أدب رسائل ◾اصدار عن دار العين للنشر والتوزيع ◾عدد الصفحات : ٢١٢ صفحة ◾تصميم الغلاف : عبد الرحمن الصواف ◾التقييم : ⭐⭐⭐⭐⭐
هل تستحق الأرض الوحدة والغُربة من أجلها؟! هل البعد عن الاهل والأحباب لسنوات ثمن كافٍ نظير الحصول على أرض؟! وان كانت الأرض موجودة بالفعل.. فما السبب وراء الشعور المُستمر بالغُربة داخل الوطن؟!
تبدأ أحداث الرواية برسالة مليئة بالحب والشجن ومُحاطة بالوحدة والحنين، مُرسلة من (صادق المصري) في بغداد إلى والده السيد (محمد المصري) في محافظة الدقهلية، يُخبره فيها عن أول شهر له في العراق، كيف تسير أموره واحواله من سكن وعمل وحياة في بلد عربى شقيق ولكنه بها غريب أتى للبحث عن عمل وسعياً خلف لقمة العيش لتأمين حياة كريمة لأُسرته بعدما ضاقت بهم الحياة في وطنهم وفعل معهم الفقر أفعاله. لتعود الرواية الي بداية الأحداث واساسها وسبب الغُربة والوحشة في وطن ضاق على أصحابه حتى اقترب من خنقهم، والبداية كانت عام ١٩٦٧ حيث النكسة التي لحقت بمصر والمصريين وظلَّت عاراً يلحق الشعب لست سنوات كاملة حتى النصر المُبين عام ١٩٧٣، ولقد كانت أسرة الشيخ (محفوظ المصري) غير بعيدة عن الأحداث، لقد كان الشيخ العجوز وطنياً وناصرياً أكثر من (عبد الناصر) ذاته، كان مؤيداً للضُباط الاحرار وحريصاً على البلد وترابه أشد الحرص، وفي نفس الوقت كان من أصلح الناس في قريته، يقصده الغريب قبل القريب لحل مشكلاته والتحكيم بين العائلات وللاستماع له والاستفادة من علمه الغزير، وكان الأقرب اليه (صادق) حفيده من ابنه الحبيب (محمد)، الذى ذهب للحرب مع من ذهبوا عام ١٩٦٧ ولم يعُد ولم تأتِ أي أخبار او معلومات عنه، هل استُشهِد؟! هل أُسِر؟! لماذا لم يعُد حتى الآن؟! لا أحد يعلم، ليعيش (صادق) مع أمه وشقيقته برفقة جده العجوز انتظاراً لعودة الغائب التي طالت. فيموت الجد ومعه تنقلب حياة الأم الوحيدة برفقة طفليها، فالفقر بات يحاوطهم وقلة الحيلة باتت تُكبِّلهم خاصة بعد تخلِّي الأقارب والأهل. فكيف ستصمد الأم أمام ما تواجه مع طفلين لا حول لهما ولا قوة؟! متى سيعود الغائب وأين كان كل هذه المُدة؟! وان كان الغائب سيعود بالفعل، ما الذي دفع (صادق) للسفر والغُربة؟! وهل سيجد في سفره ما افتقده في وطن ضاق عليه يوماً؟! هل سيحقق سفره الهدف المنشود ام انها أياماً ضائعة؟!
◾رأيي في الرواية : في ثاني قراءاتي والعمل الثاني كذلك للكاتب خالد عبد الجابر بعد روايته الأولى (الشريد)، أُلاحظ تطوراً مُذهلاً في أسلوب ال��اتب وافكاره وطريقة عرضها، ففي البداية ظننتني امام رواية تتبع أدب الرسائل، ولكن مع التعمُّق في الأحداث وجدت الكاتب راح يمزج الرسائل بالأحداث ويخلق حيوات مختلفة بينهم. الرواية تناقش فترة شائكة في تاريخ مصر وفترة أخرى لا تختلف عنها في التاريخ العربي، ففي البداية نرى الأحداث تدور في الفترة مابين حرب النكسة وحرب أكتوبر وما بينهما من حرب استنزاف للعدو واستنزاف للشعب المكلوم في فقد الاحباب وسلب الأرض، وكذلك ما ارتبط بهذه الفترة من تغييرات بين عصر ناصر وبين السادات، وشتَّان بين عصريْن اولهما كان الفلاح سيداً، وثانيهما رُفِع شعار (اربط الحزام) والشعب متأرجحاً بين هذا وذاك، وبالتبعية كان التأثير واضحاً على عائلة (محفوظ المصري) -محل أحداث الرواية- وما لاقوه على طول هذه السنوات. لينتقل الكاتب بعد ذلك إلى العراق... حيث حروب الخليج، بداية من حرب الخليج الأولى بين العراق وايران، والتي جرَّت في أعقابها حرباً ثانية والشعب لم يرتَح بعد، وأثر هذه الحروب على العراقيين أنفسهم، وعلى المغتربين المقيمين في العراق، وأثرها كذلك على المنطقة العربية والعلاقات بين الدول... حروب كثيرة ودمار مُحقَّق، بعضها ترفع سلاحك في وجه عدو حقيقي اغتصب أرضك وعرضك، وبعضها ترفع سلاحك في وجه أخيك وشقيقك بالدم وبالدين لأجل صراعات سياسية غير مفهومة، ولا أحد منتصر مهما بلغت مكاسبه، ففي الحرب حتى الفائز خاسر في كل الأحوال. الرواية الي جانب خلفيتها التاريخية تناقش أفكاراً أخرى مثل الصراعات العائلية على الميراث، الحب المحكوم عليه بالإعدام بسبب خلافات بين العائلتين، حلم الهجرة الذي يراود الكثيرين وطعما المُّر كالعلقم حينما تُدرَك، الفقر والعوز وتأثيرهما حينما يتمكنا من الإنسان، واخيرا يصل الكاتب الي فكرته الأساسية وهي الوحدة داخل الوطن والغُربة على أرضك، شعور التيه والعجز وانت وسط أهلك وتحت سماء بلدك؛ لتُدرك في النهاية ان الحياة غير عادلة بالمرة، وان كل لحظة فرح ستدفع ثمنها من روحك وحياتك مهما حدث، بل ربما يكون الثمن مُقدماً قبل ادراك لذة الفرح نفسها. رواية عذبة وشيُّقة ومؤثرة جداً، لم أستطع تركها من يدي سوى بعد الانتهاء منها لأنهيها خلال جلسة واحدة لا أكثر، أنصح بقراءتها بشدة.
◾النهاية : جاءت النهاية مناسبة تماماً للأحداث، فقد كانت كل خشيتي أن يترك الكاتب النهاية مفتوحة أو يجعلها نهاية غير منطقية، ولكن الكاتب احترم عقل القارئ ووضع نهاية مناسبة للأحداث ومُتماشية مع الهدف وراء الرواية.
◾الغلاف : جاء غلاف الرواية مميزاً جداً ومعبراً بدرجة كبيرة عن الرواية وأحداثها، فكل تفصيلة في الغلاف تحمل مدلولها داخل الرواية، وتتماشى مع أحداثها.
◾اللغة : اعتمد الكاتب لغة عربية فصحى بليغة سرداً وحواراً، فقد غلب السرد على الحوار على طول أحداث الرواية، فجاء قوياً ومعبراً، أما الحوار فقد كان حيَّاً ناطقاً على قلَّته، لُغة الكاتب امتازت بقوتها وفصاحتها النابعة من تنوع الألفاظ والعبارات واستخدام التراكيب البيانية دون تكلف أو مبالغة، وفي رأيي لُغة الكاتب هي أهم عناصر إنجاح الرواية وأقواهم.
◾الأسلوب : اعتمد الكاتب اسلوباً مميزاً يتناسب من الرواية وأحداثها، فهو اسلوب قائم على خلق جو من التشويق من بداية الأحداث، ودمج الرسائل مع الأحداث لوضع القارئ امام الصورة كاملة غير ناقصة، لتصبح الرسائل متماشية مع الأحداث دون تقديم او تأخير قد يُصيب الكاتب بالتشتُّت، كما حرص الكاتب على الاهتمام الشديد بعنصري الزمان والمكان سواء في الرسائل او الأحداث الفعلية وهذا ما جعله يُمسك بالخطوط العريضة للرواية جيداً ويتمكَّن من إيصال فكرته للقارئ دون اختصار او إطالة دون داعٍ.
◾الشخصيات : امتازت شخصيات الرواية بمحدوديتها إلى حدٍ كبير، فالرواية تدور حول أسرة بسيطة وبعض الشخصيات التي ترتبط بهذه الأسرة، وقد برع الكاتب في رسم شخصيات الرواية وتقديمها من خلال الأحداث، والربط بين بعضها البعض، فكل شخصية يُمكن استنباط مزايا وعيوبها من خلال الأحداث، كما أن الكاتب راح يُقدِّم الشخصيات تدريجياً حتى لا يُصيب القارئ بالتشتُّت، سواء كانت شخصيات رئيسية او فرعية، وقد كان لكل شخصية دورها المُحدد والمؤثِّر في الأحداث.
◾اقتباسات من الرواية : 📌"أحلام اليقظة أشد رعباً من تلك التي نراها في نومنا." 📌"في الحرب لا مكان للمشاعر ولا مكان لحب أي شيء سوى الوطن حتى حب الحياة يتلاشى خلف خفقات قلوبنا بالنصر." 📌"الصديق للصديق والناس للناس يا ولدي، اتقربْ منهم وتعايش معهم اكسب صديقًا كل يوم، ولكن اجعل حولك دائرة حمراء لا يدخلها إلا من يستحق". 📌"فالحزن يسلب كل مشاعر أخرى بجواره ويسيطر على الملامح فلا تستطيع أن تُظهر شيئاً غيره."
توجع القلب من كم المشاعر اللي مكتوبة، تجربة إنسانية أعطيها ١٠/١٠، لغة ولا أروع، سرد للمشاعر مأثرش على الأحداث خلا الرواية متبقاش مونولوج داخلي للشخصيات فحسب، بل شوفنا الاسباب اللي خلت المشاعر دي موجودة.
رواية هتوجع قلب كل واحد متغرب، عشان اتكتبت من نفس الوجع
رواية تدور أحداثها ما بين عامي ١٩٦٧ الى ١٩٩٨. اذن هى رواية جيل بكل تأكيد. جيل النكسة والهزيمة الذى استطاع ان ينتصر فى حربه الخارجية. لكن ماذا عن حربه فى الداخل ؟
الحقيقة هذا الجيل فشل تماماً فى أن ينتصر داخلياً. جيل قبل بالظلم وضياع حقوقه. والأدهى والأمر أنه جيل دمر ما تلاه من اجيال وحملها مسئولية تحقيق أحلامه التى أخفق فيها وأصبح يتعامل مع الأمر على أنه حقه المكتسب ولا مجال للتشكيك
جيل عاش وهم كبير وأجبر من تلاه على عيش نفس الوهم ناسياً بل ومتناسياً ان كل جيل له احلامه الخاصة وحياته التى يرغب فى أن يعيشها كما يريد ليس كما يريد من سبقوه
الرواية تدور حول صادق المغترب فى العراق لتحقيق أوهام والده الذي فشل هو فى تحقيقها بعد عودته منتصراً فى الحرب. يدور بنا الكاتب فى فترة زمنيه حافلة بعد هجرة المصريين الى دول النفط بعد سياسة الانفتاح الاقتصادي أملاً منهم فى تحقيق الثراء الكبير الذي يريحهم فيما بعد
بالطبع لكل شيء ثمن. هذا الثمن الذي تغافل عنه الجميع جعلهم يسعون طيلة الوقت وراء سراب كلما ظنوا أنهم اقتربوا ومسكوا الحلم بأيديهم ، اكتشفوا انهم ما زالوا بعيدين. تبلعهم دائرة الغربة ويجدوا أنفسهم قد خسروا الكثير والكثير مما لا يقدر بمال حتى وان حققوا ثروة مالية مصيرها مهدد طيلة الوقت بما تمليه الظروف السياسية والاقتصادية المتغيرة للأسوأ طبعاً داخل بلادنا العربية
جيل النكسه - رغم انتصاره فى الحرب - الا انه انهزم فى جميع معاركه الداخليه والأسوأ انه دمر من اتى بعده من أجيال مازالت وستظل تدفع ثمن هذه الهزائم رغماً عنها حتى وان ظنت أن هناك ضوءاً فى نهاية النفق
"سراب دجلة... صراع الغربة من أجل دفء الوطن" التعلق بالوطن غريزة، المكان والشوارع والأهل يرتبطون بالقلب والجسد كذلك، لكن حينما يشعر المرء بعدم الأمان في هذا الوطن يبحث عن مكان آخر، وربما يبحث عن وطن آخر من أجل استقرار معيشته واطمئنانه. في هذه الرواية نتعرف على شخصية "صادق" الذي هجر وطنه مضطرًا من أجل أبيه وأسرته، رحلة بحث عن المال من أجل حفظ الكرامة والعرض، رحلة بدأها ولم يعلم ماذا سيجني وماذا سيخسر. لغة الرواية سلسلة وإن كنت أتمنى إضافة بعض المصطلحات التي تقربني أكثر من المكان والبيئة التي تعيش فيها الشخصيات، وليس فقط الاعتماد على الفصحى. تنوع الحكي في الرواية بأكثر من شكل: بدأ بأدب الرسائل، وقد طال لمدة خشيت أن تستمر الرواية به وكان من الممكن اختصار هذه الفصول، ثم جاء صوت الراوي العليم، ثم الحكي الذاتي بلسان الشخصيات، تنوع جيد أعطى حيوية للنص، وإن كنت أري حكي الراوي العليم يكفي في كثير من الأحيان ولم تكن أصوات الشخصيات لها تأثير قوي باستثناء "عزيزة". شخصيات الرواية لكل منها ملامحها الفريدة، واضحة، ولكل منها المبررات المنطقية، ترتبط خيوط الأحداث معهم بشكل محكم، ورغم المشاحنات بين الأخين "محمد" و"إبراهيم" إلا إني كنت أتعاطف مع كل منهم تبعًا لظروف الحدث المحيط، أما شخصية "صادق" فكانت غائبة، كان حضورها بعيدًا لا يعلم ما ترويه الصفحات إلا مع اقتراب النهاية. رغم تشابك الخيوط التي من الممكن أن تخلق أكثر من صراع إلا أن إيقاع الرواية كان هادئًا في كثير من الأحيان، بعد النصف الأول حدث تصاعد تدريجي للأحداث وأردت أن أعرف أكثر عن حال "صادق". في رأيي أقوى ما في الرواية هو تقديم ما يحدث للمغتربين في العراق، والصراعات الداخلية بين الشحصيات والسُلطة، وتمنيت أن تكون مساحة هذا الجزء أكبر بكثير من مساحة حياة الأسرة في مصر، فقد تطرّق النص لخفايا لم تُذكر كثيرًا عما يحدث مع المغتربين، وأزمات العلاقات الغير شرعية، والانضمام لجماعات مضادة، عالم كان لدي فضول كبير أن أعرف الكثير منه مع "صادق" بمزيد من التفاصيل وعلاقتها بفقد وصول رسائله مع أبيه، لكن جاء هذا الجزء مختصرًا لحد كبير في رأيي مع النهاية، أما حوار "صادق" مع "عم كاظم" كان من أقوى وأعظم ما في النص، تناول واقعي حزين به شيء من السخرية لما يحدث في صراعات الغربة، فأضاف هذا الحوار الكثير للنص. جاءت النهاية سعيدة ومنطقية، وأصر "صادق" على أن يكمل مسيرة الأب ولا ينقطع خير الأرض؛ إيمانًا منه أن الوطن لن يبور ما دام وُجد من يؤمن بأرضه ويسعى لحفظه والتمسك به. عمل أدبي جيد، كان من الممكن أن يصل للأدب العظيم، لكن يظل يحمل كلمات تؤثر وتثير بعض التساؤلات؛ ليضيف قيمة مهمة في عالم الأدب.
سراب دجلة _خالد عبد الجابر التقييم خمسة نجوم قراءة الكترونية أبجد " ولكنها الدنيا يا ولدي وتلك أطماعها " الحياة كلها أطماع, طمع بـ مال,ابناء,أرض,حب.... ومن أطاع الدنيا البحث عن المال واكتنازه وهذا ما يدفعنا كثيراً إلي الغربة سواء داخل الوطن أو خارجه كل شخص في الرواية مغترب بشكل ما , عزيزة وخضر المغتربين في حبهما زينب المجبورة علي نكران حبها الأب الذي يحارب طواحين الهواء في اخيه بـ ولديه **** ثلاث أزمنة مختلفة تدور بها الرواية النكسة والحرب زمن النكسة والحرب وما بعدها والوقت الحالي زمن النكسة الذي رُسم بروعة رغم أنها صفحات قليلة لكنها اظهرت لنا ما عاناه الأهل من ويلات الحرب أو ما عاناه الجنود من قهر لاسترداد الأرض والنصر والعودة كـ بطل أو كـ شهيد وفي هذا الجزء تجدر الاشارة للخطاب الأخير الذي لم يصل ماذا لو كان محمد محفوظ من استشهد بدلاً من عوض الشحات واحضر وصيته تُري هل كانت تغيرت مصائر الأبطال وما كان حدث ما حدث ؟! لكنها مصائر يكتبها الله لا احب ان اكتب رأي سياسي لكن هنا الكاتب نقل الواقع كما هو... حب الناس لعبد الناصر والتفافهم حوله وتعليق صورته بمنازلهم هو واقع المصريين في تلك الفترة _وأبي منهم بالطبع _ بعد النصر " خرجت مصر من الحرب منتصرة, لكنها خسرت الكثير من أبنائها ممن تركوها عندما لم يتحملوا ضيق الحزام علي بطونهم الجوعي" العوز والحاجة والفقر كانت مفاتيح الرحيل للكثير من أبناء مصر تلك الفترة خاصة ان الرئيس صدام حسين فتح للمصرين ابواب بغداد علي اتساعها ولدرجة ان هناك قري مصرية كثيرة بنيت وازدهرت بأموال ابنائها المسافرون للعراق لا احد ينكر فضل العراق علي المصرين تلك الفترة حتي لو ظهرت بعدها انياب وأظافر السياسة لتخرب أواصر المحبة بعدها *** الغربة مؤلمة, وجعها لا يزول بمرور الوقت بل قد يزداد احياناً صادق كان صادق في مشاعره , لم يتعود الغربة ولم ينس رائحة بلده لكنه لم ينجرف كالبعض في حُمي التغير للأسوأ فحافظ قدر استطاعته علي مبادئه ولم ينزلق كـ صابر ابن بلدته في الخطيئة الغربة موجعة ويزيدها وجع أن تعود لتجد ما انفقته في الغربة من وجع ذهب مع الريح كأنها سريالية القدر ان تنفق عامين من عمرك لشيئ ثم تعود فلا تجده صادق الذي تعذب سنتين من اجل قيراطين الأرض يعود فيجد العجوز مات والورثة لا يعترفون بالعقد الصوري بينهم في هذا المشهد أحسست بمشاعر صادق , شخص مُسير من أجل الأخرين,الشخص الذي يحاول ان يحقق احلام الاخرين وليس احلامه, فـ حتي وجع البُعاد ما عاد يشعر به فالمهم هو ما سيحققه للأخرين الأب والأم والأخت عاد للغربة مرة أخري من أجل تحقيق أحلام أكبر *** عزيزة هي نسخة البنت المصرية المنكسرة , الأن اعرف معني كلمة جدتي التي قالت ان الطلاق موت " هذا ما نتعلمه ونورثه لبناتنا, أن تمضي في حياتها,حتي لو عاشت نصف حياة عزيزة هي انعكاس لكل بنت مصرية أوهموها أنها بإستسلامها وانكسارها تفعل الصواب ولم يراعوا شرع أو دين أو انسانية كنت استغرب في صغري من كلمة طلاق وانني لا اري اي فتاة او سيدة في محيطي مطلقة حتي كبرت ففهمت الأن اغبط الأجيال الجديدة أن تعرف حقوقها جيداً ولا تخشي نظرات أو كلمات المجتمع حول الطلاق , فكم من طالبة عندي تم طلاقها قبل أقل من سنة من زفافها وتمارس حياتها كأفضل ما يكون , هذه الأجيال حقاً تعرف كيف تعيش لأنها تعرف حقوقها وتطالب بها اعجبتني عزيزة عندما ثارت وفعلت ما تريد حتي ولو بعد عذاب , لكنها نالت ما تمنت زينب الأم هي كأي ام مصرية نشأت في ظل تقاليد بالية وميراث أهوج ورّثته ابنتها وورثتها تعاستها كأنها تعاقب نفسها *** العم كاظم والاحزاب والساسة وايران والعرق وحرب الكويت كلها اشياء كانت في موقعها تمام داخل النص ولا شيئ مقحم فيها حتي النهاية وهروب صادق علي الحدود وعذاب العودة للوطن مع ورقة صفراء تثبت حقه في امواله المودعة في بنك العراق... " علي السرير المتهالك في غرفه الضيوف كنت لا ازال أتطلع في غرفه الضيوف كنت لا ازال أتطلع لي صورة أبي المعلقة , بجوارها العباءة الصوف التي احضرتها له وبينهما بذلته العسكرية المزدانة بدماء صديقه. اخرجت الورقة الصفراء التي تحمل ختم العراق ورقما لمبلغ من المال والصقتها في الركن السفلي خلف زجاج الصورة" *** العم ابراهيم حكايته كأنها حكاية يوسف واخوته, وما حدث منه كأنه رد فعل لشيء أراده أُخذ منه لدرجة انك ستتعاطف معه اتسائل لماذا لم يثور ابراهيم أو ترفض زينب ويطالبا بحقهما في الحياة هناك مقولة تقول : ان السكوت ليست علامة الرضا بل علامة الرفض " والسكوت هنا جعل الحياة ليست حياة سكوت ابراهيم وزينب علي حبهم سكوت عزية علي ظلم زوجها سكوت خضر علي اهانة عمه ورفضه بل سكوت صادق عن حق رفض الغربة لكنها الحياة نأخذ منها وتأخذ منا *** اخيرا الرواية جميلة وتستحق القراءة , انهيتها في جلسة واحدة وتستحق القراءة رغم المواجع والألام بها شكرا خالد عبد الجابر ملحوظة تذكرت خلال قراءتي مجموعة خطابات قديمة لأبي مع ابن عمي في العراق بنفس ذات الفترة التاريخية , تذكرت شكل الخطابات الورق الاصفر والطوابع المختلفة بل اتذكر رغم صغري وقتها ان علي الخطاب من الخارج كُتب عليه جمهوية العراق _ كركوك *** رحاب صالح
في "سراب دجلة"، يسطر الروائي خالد شهادة حية على زمن مفخخ بالتناقضات، تتشابك فيه خيوط الحرب والسياسة مع وجع الحب والغربة. الرواية، وإن بدت قصة فردية في ظاهرها، فإنها تعكس مأساة جيل، بل وطن بأكمله.
تُدين الرواية الحرب بمرارة صادقة. لا تمجدها، ولا تبررها، بل تكشف عن وجهها القبيح الذي لا يرحم. يظهر دجلة – النهر الذي يُفترض أن يكون رمزاً للخصب والحياة – وقد صار شاهداً على الدمار والموت والخذلان. الحرب في "سراب دجلة" لا تقتل الجنود فقط، بل تقتل الأحلام، وتدمر المدن، وتُغرق الحب في رمالها المتحركة. خالد عبد الجابر يرسم من خلال شخوصه مشاهد حيّة عن معاناة الأبرياء الذين حوّلتهم السياسة إلى وقودٍ لصراعات عبثية.
في زوايا السرد، يظهر الحب كطوق نجاة مفقود، يلوّح به الكاتب كذكرى أكثر من كونه واقعًا. الحبيب الأول في الرواية ليس مجرد شخص، بل رمز للحياة التي سُرقت، للبراءة التي وُئدت على أعتاب الخوف. إنه حب موؤود، لم يمت بفعل النسيان، بل اغتيل على يد الظروف، لتبقى الذكرى حية، تعذب ولا تُنسى. وهذا الحب، رغم غيابه الجسدي، يظل حضورًا طاغيًا، يلوّن الرواية بشجن دائم. (عزيزة وخضر انموذجا)
الغربة في "سراب دجلة" ليست فقط غربة الجغرافيا، بل غربة الروح. بطل الرواية مغترب في العراق، لكنه لا يشعر بالانتماء حتى حين يعود إلى وطنه الأم. هو مغترب بين اللهجات، بين الثقافات، بين الولاءات. وحتى في مصر، التي يُفترض أن تكون الحضن، يجد نفسه غريبًا، مطرودًا من دفء الوطن بفعل الشك السياسي أو العبث الإداري. يسلط الكاتب الضوء على الغربة كحالة وجودية يعيشها الفرد في كل مكان، حينما يكون الوطن مفقودًا في المعنى، لا في المكان.
الرواية تغوص بذكاء في مياه السياسة المضطربة. العراق في تلك الفترة كان بركانًا خامدًا على وشك الانفجار، تتصارع فيه الأيديولوجيات والانقلابات والتبعية الإقليمية والدولية. يتنقل الراوي في ظل حكم هؤلاء، مشيرًا إلى كيف أن السلطة السياسية تسحق الإنسان العادي، وتضعه دومًا في موضع الشك، أو الطرد، أو التهجير. السياسيون يتغيرون، لكن معاناة المواطن تبقى ثابتة.
هل الإنسان مسير أم مخير؟ هل نحن أسرى لظروفنا تسير بنا كيفما شاءت أم نحن نتقلب بين الغربة داخل ذواتنا وخارج بلادنا؟
تساؤلات كثيرة وضعتني أمامها رواية سراب دجلة للكاتب خالد عبد الجابر.
ولكن لنبدأ بالحكاية تتحدث الرواية عن صادق ابن الحاج محمد المصري، ذلك الشاب القوي الذي تربى في كنف جده، عندما كان والده في الحرب، يأبى أن يعود إلا بالنصر، فجمع الحسنيين، الشدة والبأس ومحبة الكتب. وعندما عاد الأب، وجد أن أخاه قد استولى على ميراثه، فحرم زواج ابنته من ابن عمها الذي هام بها حباً فخف عقله، واضطرت الظروف الإبن أن يسافر للعراق ليعيل أسرته، ويحقق حلم والده بإمتلاك الأرض، ووسط كل هذا كانت الخلفية تسبح في تاريخ البلاد منذ النكسة للتسعينيات. فهل تحقق الحلم؟ وهل كان صادق مطيعاً للنهاية، وما مصير عزيزة؟
موضوعات الرواية: *تحدثت الرواية عن سوء وضع الفلاح المصري في عصر الإنفتاح. *نكسة 67 وضياع حلم أمة. *إستعادة النصر في إكتوبر 73. *حرب الخليج الأولى والثانية. *الحروب بين السنة والشيعة بالعراق. *الرغبة في الثراء الذي أصبح حلم الشباب في القرى، ليأتوا بالمدنية لقراهم. *السلاح ذو الحدين للغربة، من جمود المشاعر في مقابل توفير المال. *احتضان صدام حسين للمصريين بالعراق، ومأزرتهم وتوفير فرص عمل لهم. *عادات وتقاليد القرى المصرية، والتعنت مع الأبناء. *السلطة الأبوية التي ترى في الأبناء ملكية خاصة، يتحكموا فيها بدون قيمة لرأى الأبناء. *تغير الأحلام بتغير الظروف والأحوال. *الضغينة الناتجة عن تفضيل أحد الأبناء عن الآخر. *أكل الأخ الأكبر لورث إخوته وضياع حقوقهم *عدم أخذ رأى الفتاة في الريف بذلك الوقت في زواجها. *إشكالية الغربة داخل الوطن وخارجها.
الشخصيات:
أعجبتني رسم الشخصيات وتعقيداتها *من الحاج محمد المصري الوطني الذي رفض أن يرجع لأهله بعد النكسة إلى أن تسترد بلاده النصر، ورغم ذلك ينهزم أمام غبن أخوه، وينزع من أبنائه حق تقرير مصيرهم، شخصية لا تعرف أتحبها أم تكرهها، ظالمة أم مظلومة. وتتسائل أهي الوطن ذاته؟ *لصادق ذو البنيان القوي، لكنه ضعيف أمام رغبات والده، يتغرب في العراق فتأكله الغربة من داخله، فيقرر أن ينفذ لهم ما طلبوه ثم يختفي عنهم ليعيش لنفسه، في تحول منطقي تفرضه الغربة. *خضر مرهف الحس والمشاعر، يحب بكل جوانحه، فيذهب عقله من رهافته، في مشهد قيسي أو كيونس ولد الهلالي. *عزيزة الصامدة بصمتها أمام تعنت الأب، والتي لم تقف ضده، ولكن تطور صمتها وملامحها الجامدة قال الكثير، فجعلها في النهاية تصمم على الزواج من خضر برغم ذهاب عقله. *إبراهيم الأخ الأكبر، والذي كان قدوة لأخيه، ولكن تفضيل الأب لمحمد الأصغر عليه، ملأه حقداً، وزواجه ممن أحبها هو، نما هذا الحقد عبر السنين، فأراد أن يسلب منه حقه، وكأنه يعاقبه.
**السرد المركب وجماله من أدب الرسائل أولاً، للراوي العليم عند استدعاء الماضي، ثم الراوي الذاتي وترك المساحة للجميع ليروا ما بداخلهم بحرية تامة، حرية سلبت منهم في حياتهم التي عاشوه، وكأنها جاءت لتعوضهم عن فقدان حرية تقرير مصائرهم، ثم فصل الخاتمة بالراوي المجهول بعد عشر سنوات، يعبر عن الجيل الحالي والذي يقابل الماضي بكل ما حدث به وله فلست أدري تسليم للراية، مروراً للزمن وتكراراً للأحداث؟ لا أدري.
*الرواية ليست تاريخية، فالتاريخ هنا حاضر كخلفية للرواية الأصلية، لأشخاص شاهدين على العصر وتقلباته وأحداثه وتأثيره عليهم.
** من الطريف أنني كنت أدندن أغنيتين بالتوازي فأقول تارة: قلبي ضايع مين يلاقيهلي بايني نسيته حدا أهلي
ثم تارة أغني وغربة جوة الوطن وحلم يصبح وطن
لأردد: ينفع أحبك من غير جلبي ماتردوا عليها وعليا
لأرجع وأدندن إسم وهوية وزمن يصفى ولو ليومين.
من أهم الإقتباسات: * علمني الشيخ محفوظ أن اللَّـه العدل، ولكني لم أجد أي عدل في تلك الدنيا. *كثيرًا ما سألت نفسي ما الذي كان من الممكن حدوثه إذا رفضت أمرًا ما؟ وكيف كانت ستكون حياتي بعدها؟ *هذا ما نتعلمه وما نورثه لبناتنا، أن تمضي في حياتها، حتى لو عاشت نصف حياة. *علَّمه أبوه ذات يوم أن الإمام عليّ -كرَّم اللَّـه وجهه- قال: "الفقر في الوطن غربة… والغِنَى في الغربة وطن. *أنا أعرف الحرب وأعرف مأساتها، حتى المنتصر يخسر. *كنت اعتقد أن ثمن الأرض فلوس ولم أحسب قيمة الفراق والغربة، حسبت قيمة الغربة ولم أَعِ أن ثمنها ألم الوحدة وبرودة الفراق، لو كنت قدَّرت سعر الأرض بثمنها الحقيقي لاختلف القرار. *في الحرب لا مكان للمشاعر ولا مكان لحب أي شيء سوى الوطن حتى حب الحياة يتلاشى خلف خفقات قلوبنا بإرادة النصر، تنتهي الحرب ولا تنتهي آلامها، يعود الجميع من الحرب تصحبهم آلامُهم إلى نهاية العمر، في الحرب يا ولدي حتى المنتصر يخسر.
رواية عن النكسة والانتصار والغربة والاحلام التى نسعى لكى تتحقق وقد يمر العمر بنا ولا تحقق او نرحل قبل أن تتحقق. اللغة عذبة وكذلك السرد. قابلت محمد المصرى وصادق وعزيزة وزينب وخضر وعم كاظم العراقي وإبراهيم المصرى كل منهم له حكايته واحلامه. هى حكاية عن الأرض كيف ندافع عنها اذا سلبت منا لانها العرض وكيف نتركها ونغترب من أجل البحث عن الرزق ورغبة فى امتلاك الأرض أيضا. هى حكاية عن القرارات التى تؤخذ ولا نلقي بالاً لمن يقع فى شباكها ومن يتعذب بها . هى حكاية صادق الذى عاد من غربته وهدم الدار الطينية وبقي بدلا منها دار بالطوب الأحمر.
❞ ورغم كل تلك الخطايا سأنتظرك في الجنة، ابتلانا اللَّـه في الدنيا بالغربة والفراق ليُطهرنا من ذنوبنا وخطايانا ، جنتنا ستكون وطنًا نعيش به معًا ولا نتركه أبدًا، وطن لن يفرقنا وسيمتلئ بالناس التي أحببناها وأحبَّتْنا. ❝
انتهيت في يومين من رواية سحبتني بين صفحاتها . ولأول مرة لا اجد ما اقولها لكن يوجد فيها الكثير لمناقشته. شكرا علي رواية جميلة قضيت معها اجمل ايام علي الرغم من الألم داخلها . في انتظار الجديد 🥰