المرة الأولى التي قرأت فيها اسم الشاعر ناجي، وقرأت أبيات من شعره كانت في إحدى كتب غازي القصيبي. وكثيراً من أعمال غازي القصيبي تضمنت أبيات لناجي وجاء ذكر الشاعر كما في رواية العصفورية، بل وقد خصص وكتب غازي القصيبي كتابًا خاص عن ناجي عنوانه "مع ناجي ومعها" قد قمت بقراءته منذ فترة تكاد تكون طويلة لأنسى ما تناوله الكتاب بالتفصيل. وهذا يدل على أن هناك علاقة صداقة جمعت الشاعرين وتبادل كل منها تجربته في الشعر ويثبت إعجاب غازي القصيبي بموهبة ناجي وأسلوب شعره ومشاعر الشاعر في قصائده. وهذا ما دفعني إلى قراءة كتاب "ناجي: حياته وأجمل أشعاره" الذي يسلط الضوء على الشاعر ناجي وبداياته في الشعر.
وقد كتب هذا الكتاب الصحفي والناقد والمؤرخ المصري وديع فلسطين الذي جمعته قرابة مع الشاعر ناجي بدأت باللقاء الأول الذي جمعهم في سبتمبر 1945 في حضور اجتماع لرابطة الأدباء التي أنشأها ناجي، وقد كان يبلغ الشاعر ناجي 47 سنة ووديع فلسطين 22 سنة في لقائهم الأول، وامتدت هذه القرابة لمدة سبع سنين عرف فيها وديع شخصية ناجي وعاش معه قريباً منه طوال هذه السنين السبع. وهذا ما يجعل الكتاب جدير بالقراءة لمن أراد معرفة شخصية الشاعر ناجي والتعرف عليه عن قرب، فكاتب هذه السيرة قد عرف الشاعر معرفة قريبة ورآه بلحمه ودمه.
أنشأ ناجي رابطة الأدباء التي كان رئيساً لها حتى انفضاضها عام 1952، وانتُخب وديع فلسطين وكيلا له. وكان يرى ناجي في رابطة الأدباء امتدادا لرسالته في الحياة، وهي رسالة تقوم على محورين رئيسيين هما: تحقيق الألفة بين الأدباء في مجتمع يضمهم ويكون منتدى للقاءاتهم ومسرحاً لأرائهم وتجاربهم، وقيامه بدور الأستاذ المعلم للأجيال الناشئة التي تحتاج أشد احتياج إلى من يوجهها ويرشدها ويسدد خطاها ويوطئ لها في الميدان الأدبي. ولهذا كان ناجي يفرح بالشباب من حوله. وكان يسارع في تشجيعهم وأحياناً تحديهم. ويساعدهم في تنظيم شعرهم المكسور، أو يدلهم على الكتب النافعة التي يقرأونها، أو يقرضهم كتباً من مكتبته الخاصة، أول يحل لهم مشكلاتهم الشبابية.
ويتضمن الكتاب بدايةً حول نشأة الشاعر إبراهيم أحمد ناجي وطفولته وتأثير والده أحمد ناجي على تكوينه، والذي كان في صباه فتى قوي الذاكرة، مفرط الذكاء، مقبلاً على العلم والمعرفة. ويرث من والده مكتبة ضخمة تجتمع فيها مختلف الآداب والعلوم والفنون والصناعات وتكون هي مدرسة ناجي الأولى في صغره. وقد كان أحمد ناجي الأب واسع المعرفة بالأدب العالمي ويذكر إبراهيم ناجي في طفولته عن والده الذي كان يقص على والدته قصة أوليفر تويست لشارلز ديكنز ويكملها له في وقت النوم، وذلك ساعد خيال الشاعر في طفولته وأصبحت كثير التفكير والتأمل، وصقلت له شعوره، وزرعت فيه الانسانية. ثم تبدأ المرحلة الدراسية للشاعر حين أنتقل الى مدرسة باب الشعرية الابتدائية، وبعدها إلى الثانوية. ليجد الشاعر نفسه وقد مال الى الفنون العامة، والآداب الأجنبية خاصة. ثم قرأ وترجم بعد ذلك قصصاً كثيرة لرواد الرومانسية في الأدبين الإنجليزي والفرنسي. ثم تحول من قراءة القصص الى قراءة الشعر، وأعجب بشعراء الرومانسية من الانجليز، من أمثال بيرون وشيللي وكولريدج ووردزورث وكيتس، ومن الفرنسيين من أمثال شاتوبريان وبودلير وفيرلان. كذلك درس ناجي دواوين أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران. وأحب من الشعراء القدماء المتنبي والشريف رضي.
وكان ناجي يعد نفسه لمستقبل أدبي ولكن قدره قد جاء في اتجاه آخر. ففي السنة التي قرر فيها الالتحاق بالقسم الأدبي، جاءه أستاذ كان يرى ويؤمن بأن الشاعر قد يكون نابغة في الرياضيات، فوجه الأستاذ اهتمامه بالشاعر وكان شديدًا معه ولكن كان تأثير هذا المعلم في مستقبل الشاعر كبيراً، فقد غير التحاقه بالقسم الأدبي والتحق بالقسم العلمي، ولتقدمه وتفوقه دخل كلية الطب.
فأصبح بعد ذلك طبيباً في حياته المهنية. وكان يدير عيادته الخاصة التي كانت تعنى بالفقراء ويشرف على علاجهم الشاعر دون أخذ تكاليف العلاج بل وانه كان حين يصرف الأدوية للمرضى الفقراء ليشتروها من الصيدلاني كان يتكفل بتكلفة الأدوية بنفسه، رحمه الله وجزاه الله الجزاء الحسن. ولكن هذا التحول المهني من الأدب الى الطب لم يكن عائقاً للشاعر بممارسة ما تمليه عليه مشاعره بكتابة الشعر، بل ولم يكن يتخلف عن دوره في رابطة الأدباء وكان دائم الحضور، ومشاركة الأعضاء والأدباء بآخر اعماله.
ثم في الفصول التالية يتم تسليط الضوء حول التكوين الفكري لناجي، والذي جمع في دراساته بين نتاج الرومانسيين العظام في الأدبين الإنجليزي والفرنسي، والبدايات الرومانسية العربية كما بلغتها محاولات خليل مطران وجماعة أبولو في مصر وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة في المهجر. وكيف كان ناجي مفتوناً منذ بداية حياته بمطران.
ثم في فصل يتحدث فيها الكاتب حول الهجوم الذي شناه طه حسين والعقاد حول ناجي وشعره. وأنتقد طه حسين ناجي حول ديوانه "وراء الغمام" الذي جعل من مكانة الشاعر أكثر ارتفاعاً بل ويكاد يكون من أجمل دواوينه وأجمل ما كتب ناجي، واختار ناجي منحى فلسفياً لبعض عناوين قصائدهن ولكن طه حسين لم يقتنع بها وكان له رأي آخر. فلم يكن مقتنع بالديوان فقام بنقد عنوانه اولًا وعلل نقده بعدم فهم معنى العنوان، وانتقد الصورة الفلسفية التي استخدمها ناجي في قصية "الناي المحترق" حين صور الحنان حين يشتد على الشاعر ويعظم حتى يتجسم ويصبح شخصا. رأى طه حسين هذه الصورة بأنها لا تستقيم للعقل. ونقد طه حسين شعر ناجي وشبهه "بموسيقى الغرفة" ويدل اسم "االغرفة" بأنها موسيقى متواضعة لا تطمح الى البناء السيمفوني. ورأى طه حسين أن ناجي "شاعر هين، لين، رقيق، حلو الصوت، عذب النفس.. ولكن الى حد. لا يستطيع أن يتجاوز الرياض المألوفة ولا أن يرتفع في الجو ارتفاعا بعيد المدى. وانما قصاراه أن ينتقل في هذه الرياض التي تنبت في المدينة، أو جنو من الجنات لا يحب أن يقع أشجارها الضخمة في السماء."
أما عباس العقاد فقد رأى شعر ناجي بأنه شعر الضعف المريض، والتصنع، والرخاوة. وأطلق عليه اسم شاعر الرقة العاطفية. ونسبه الى مدرسة الشعراء الظرفاء. ثم اتهمه بسرقة أبيات منه. ووصف العقاد ناجي "من أولئك النوع الذين يفهمون أن "الرقة" ترادف البكاء. وأن الشاعر ينظم ليبكي ويشكو والى نحو ذلك من أعراض الرخاوة المريضة التي لا نزال نحاربها منذ عشرين سنة في الشعر والنثر والغناء"
فلم تكن شهرة ناجي بالطريق السهل، بل تعرض شعره وتعرضت شخصيته لشتى النقد من كبار النقّاد. ولكن ناجي واجه تلك الهجمات ووقف بوجه كل نقد ناله حتى رضخ نقد طه حسين له في نهاية الأمر وجعله يعترف بموهبة الشاعر.
والحقيقة أن شعر ناجي من الشعر الذي يرق له القلب وتنشرح له أسارير القارئ. ويتلمس قارئها عذوبة مشاعر ناجي وسهولة فهمها إلى القلب قبل العقل. كيف لا يحس القارئ بعمق مشاعر الشاعر الذي صور الحنين حين يعظم إلى أن يصبح شخصاً؟ أترين احداً بلغ تصوير الحنين بذلك العمق؟ أن يصبح الحنين شخصاً يلازم قرب المعشوق ويظل بقربه لا ينفك أن يتركه لحظة. وهذا ما يجعلني أرغب بقراءة ديوان ناجي بأكمله، ولحسن الحظ بأني أملك ديوانه.
اهديك فيما يلي أبيات رق قلبي لها، فهل قلبك لي صاغٍ؟
كان كتابًا قصيرًا رائقًا، ومنذ الصفحة الأولى كان يقول الأستاذ وديع فلسطين: ولأن الذين كتبوا عن ناجي وأخرجوا الدراسات الكثيرة عنه لم يعرفوه بشخصه ولا شافهوه بلحمه ودمه، فقد آثرت أن أقصّر حديثي على ناجي الذي عرفته والذي عشت قريبًا منه طوال هذه السنين السبع.
لحظة، خطر لي الآن وأنا أكتب شافهوه (أي: خاطبوه مشافهة من شفة إلى شفة - وجهًا لوجه) أنها ربما هي الأصل الحقيقي لكلمة شاف العامية بمعنى رأى، فمعروف أن الذين أرجعوا كلمة شاف يشوف إلى أصلها الفصيح قد أجمعوا إلى أن أصلها بمعنى تطلّع أو أشرف على مكان عالٍ ثم نظر منه، ثم اطّرحوا معنى التطلّع والمكان العالي الذي نصّت عليه المعاجم القديمة واللغة في أصولها الأولى، ورضوا نفسهم بالقول بأن الكلم تحمل معنى الرؤية والنظر بصفة عامة، وذلك في محاوله تقريب اللفظ إلى الفصحى، ولكن ألا تبدو كلمة المشافهة أقرب للأصل التي جاءت منه شاف العامية؟! أعني لماذا أخذ العامة كلمة الشوف الفصيحة بمعنى التطلّع من المكان العالي لكي يصفوا أمرًا رأوه عن قرب وبأمّ أعينهم؟! هذا التفاف مثير للشكّ لتوكيد مصدر الكلمة الحقيقي، إذا كان لها أصل فصيح، وأعني أنظروا: اعتاد الناس على معنى لقد شافهته في هذا الأمر، بمعنى أنه قابله وكلّمه دون حجاب، ومنها في اللغة: شَافَه فلانٌ فلانًا، بمعنى أن فلان الأول تكلّم مع فلان الثاني وجهًا لوجه، ثم ما المانع أن تتحوّل شافَه مع الاعتياد والاختصار إلى شاف، أي من شافَهْ أحمد محمدًَا إلى شاف أحمد محمدًا؟!
عمّ كنا نتحدث؟! ^_^
كان هذا الكتاب (أو الكتيب) قصيرًا وممتعًا، وإن كان يمكن على قصره أن يتقسّم إلى ستّ أقسام! قسم فيه فترة المشافهة هذه بين المؤلف وناجي، وهو ليس فيه ما يثير الاهتمام سوى الفقرة الشهيرة التي اشتهرت منه وذاعت في الكتب الأخرى والتي يحكي فيها عن أن ناجي زاره قبل وفاته بسبعة أشهر في مكتبه بالجريدة الذي يعمل بها، ليشتكي له من «غدر الزمان» ثم ينفجر أمامه في البكاء في حشرجة أليمة (وهذا تعبير المؤلف) من إقصائه الظالم عن وظيفته بسبب ثورة التحرير التي أطاحت بكلّ من له علاقة بوزراء ورجال النظام السابق.
فهي ليست بسبب دسائس داخلية في بيئة عمله من زملائه، فالمؤلف يقول ببساطة: كانت صلة ناجي بوزراء الأوقاف الثلاثة ووزيريْ الصحة الذين عاصرهم في عمله بالوزارتين وثيقة، وقد انتفع ناجي بهذه الصلة، ولكن هذه الصلة أوهمت القوم أنه يشتغل بالسياسة، وفي عام ١٩٥٢، أُخرج من وظيفته كمدير للقسم الطبي بوزارة الأوقاف، وكان عمره ٥٥ سنة، وما زالت أمامه خمس سنين أخرى قبل أن يبلغ سنّ التقاعد.
وهذا قسم على جماله ينقضي سريعًا، من أسف، وقسم ثان جميل كذلك فيه تاريخ مختصر لحياة ناجي وشهادات لطيفة جمعها المؤلف عمن كان يعرفه ممن كتب عنه من قبل، وأجملها شهادة نعمان عاشور ووصفه لكتابة ناجي لأحد قصائده وانتهائه منها وهو يلهث بعد أن أنتهى من طوافه حول أحد القصور المهجورة (بيت الحبيبة؟!) ثم رفع الورقة بيده وقرأها عليهم وقال إنه أخيرًا شفيَ من قصة الحب هذه، وهذه «روشتة الشفاء»، ثم قسم ثالث فيه تلخيص بعض الحوادث الأدبية التي دارت حول شعر ناجي، من موقف طه حسين والعقاد وتجميع ديوانه بعد موته وبعض النقد الذي عني به وما إلى ذلك، ثم قسم رابع فيه بعض أشهر قصائده وقد أوردها كاملة في هذا الكتيب القصير، مثل الأطلال وليالي القاهرة والطائر الجريح، وقسم أخير فيه مقتبسات نثرية من كلام ناجي عن نفسه وعن شعره، ثم قسم عن حكاية زازا، وهذا كله متداخل، فالكتيب ككلّ كأنه مقالة طويلة مسهبة تتخلّلها نصوص القصائد الطويلة، إلا أن أسلوب وديع فلسطين يظل آسرًا في أن يجرّك إلى الصفحة الأخيرة بنعومة فائقة واستمتاع حقيقي.