أعرف قدر حسين عبد العليم جيدًا، كواحد من أهم الذين أدركوا أسرار (النوفيلا)، إذ منحتهم أسرارها ومنحوها عشقًا خاصًا. حسين الذي يليق به أن يكون حفيدًا لسادة (النوفيلا) الكبار، أمثال: يوسف إدريس وعلاء الديب ومحمد البساطي. هو أيضًا المستغني الأكبر الذي اختار موقعه بإرادته الحرة، سواء ككاتب أو كإنسان. كما أنه محامي الفقراء، فلا أنسى مطلقًا ازدحام المكلومين في أفقر مكتب يمكن أن تصادفه في أدغال بولاق الدكرور، المكتب الذي لم يغيّره مُطلقًا حتى رحيله. لم يهتم حسين بالحد الأدنى من الحضور والجوائز والأمان الذي يقي الواحد العَوَز، واستطاع أن يكتب 13 عملًا من بينها نوفيلات ستبقى طويلًا. أنا سعيد بهذا الكتاب، بهذا التحقيق والجدية والعكوف والاستقصاء، فإسراء النمر من المحررين الثقافيين القليلين الذين يمتلكون موهبة حقيقية ولافتة، وما نشرته من قبل يؤكد انحيازها للقيمة، لا للانتشار والضجيج. وفي كتابها انحيازٌ واضحٌ لحسين عبد العليم، ورغبة في إعادته للواجهة وإعطائه بعضًا من حقه المهدور.. تحية لها وله ولحياته الخاطفة.
محمود الورداني-
إسراء النمر: صحفية وشاعرة مصرية من مواليد القاهرة 1991. تخرجت في كلية الإعلام جامعة القاهرة 2012، وبدأت مشوارها الصحفي في يناير 2011 منطلقةً من قسم التحقيقات في مجلة "آخر ساعة"، وأنجزت خلال تواجدها في المجلة عشرات التحقيقات الصحفية المهمة، إلى أن انتقلت في أكتوبر 2015 للعمل في جريدة "أخبار الأدب"، وتخصصت من حينها في الصحافة الثقافية. وفي مارس 2022 تولت منصب نائب رئيس تحرير مجلة "الثقافة الجديدة". صدر لها ديوان "العيون التي غادرت سريعًا" عام 2020 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وقامت بإعداد وتقديم كتاب "آني إرنو.. خزائن لم تعُدْ فارغة" نوفمبر 2022، عن الأديبة الفرنسية الحائزة نوبل للآداب في العام نفسه.
إسراء النمر: صحفية وشاعرة من مواليد القاهرة عام 1991. تخرجت في كلية الإعلام جامعة القاهرة 2012، وبدأت مشوارها الصحفي في يناير 2011 منطلقةً من قسم التحقيقات في مجلة "آخر ساعة"، وأنجزت خلال تواجدها في المجلة عشرات التحقيقات الصحفية المهمة، إلى أن انتقلت في أكتوبر 2015 للعمل في جريدة "أخبار الأدب"، وتخصصت من حينها في الصحافة الثقافية.
عملت كذلك في عدد من الصحف والمواقع، أبرزها مجلة "الثقافة الجديدة" إذ انتُدِبَت نائبًا لرئيس التحرير في الفترة من مارس 2022 وحتى مارس 2025.
صدر لها ديوانان وهما: "العيون التي غادرت سريعًا" عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2020، وديوان "ذلك هو البُعد" عن دار ديوان للنشر والتوزيع 2025. وفي الكتب غير الشعرية صدر لها كتاب "ألعاب حسين عبد العليم.. الصياد الذي لم تنجُ منه أية رائحة" عن دار صفصافة 2023، والحائز على منحة آفاق للكتابات الإبداعية والنقدية، كما قامت بإعداد وتقديم كتاب "آني إرنو.. خزائن لم تعُدْ فارغة" نوفمبر 2022 عن الأديبة الفرنسية الحائزة نوبل للآداب في العام نفسه.
تُرجمت قصائدها إلى لغات عدة، وهي الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والصينية واليونانية.
وحازت على جائزة الصحافة المصرية (فرع الصحافة الثقافية) عن عام 2022.
ليه الكتب الجميلة بتكون صغيرة ؟ معرفش والله ، الكتاب ده لو كان ١٠٠٠ صفحة كان هيكون ممتع برضوا ومش هزهق ، كعادة كتب السيرة ، كتاب ساحر 🤎. لن أبالغ إذا قلتُ إنني رأيت حسين عبد العليم في الفيوم؛ رأيته يشعل الوابور ليأتَنِسَ بوشيشِه، رأيته في بحيرة قارون يستعدّ لماراثون سباحة، رأيته مع والده وهما ذاهبان لـ«كيمان فارس» ليصطادا الثعالب والعصافير واليمام البرّي - الهواية الأحبّ لقلبه فقد ظلّ يصطاد حتى عام 2010، رأيته مع أمه يقرأ لها ما كتبه، رأيته فرِحًا بزوجته وهي تخبره بأنها راضيةٌ بمكتبته مهرًا لها ______ إلا أنه شعر بأزمة حقيقية عندما مات والده في، فكتب يقول: «كيف أهبط للعاصمة وأركب المواصلات وأُتِمّ تعليمي وأحادث الناس؟ صحيح أنني كنتُ أفعل هذا من قبل، لكن كانت هناك الكتف، الحائط القوي، الذي كنتُ كلما غدر بي الزمان أعود فأنظر في عيونه البشوش المعذَّبة فأنسى متاعبي وهزائمي
قدم الكتاب في أقل من 100 صفحة رحلة إنسانية بديعة، اقتفَتِ فيها الكاتبة آثارَ أديب من أبناء الهامش، عاش ومات في الظل، ولم يحظ بأي اهتمام نقدي، فبحثت عنه في قصاصات أعماله والأرشيف الصحفي وحكايات ابنته؛ لتؤكد على أن مركزية القاهرة مدمرة لكل ما اختار السير بعيدًا عن دروبها...
ما قرأته مما يجعلني أسأل في حيرة: كيف أجعل هذا الكتاب يستمر؟ وما السحر الذي يميزه بطلب المزيد منه؟ فقد اعتدنا أن يكون شطر كبير من الافتتان بالكتب يدور حول القصص والروايات.
لكن هذا الكتاب موضوعه سيرة، وعن كاتب غير مشهور، لم أقرأ له حقيقة، لكنني بعد ما خطّته الكاتبة عنه سأقرأ له ولها بالتأكيد.
يكمن سحر السِّيَر دائما في لغتها وثرائها بالمعلومات وحبنا لأصحابها، وسير الكُتّاب الذين لم يحظوا بالشهر غير مغرية بالقراءة، لكنّ هذه السيرة تخالف ذلك، فالكثير من الحب وعن الحب ينسخ الأحكام ويكتب غيرها بثقة، فالكاتبة تعيد سيرة كاتبها المحبَّب إليها بما لم نعرفه، وتُظهِر قيمته ووقود كتابته، ومن خلالها نفهم سبب بُعْده المتعمَّد عن الساحة؛ إذ كان يقاربها من وجهة نظره، ويبقى بالقدر الذي يستطيع، وبما يقدر عليه كبذل كثيرٍ من الحب لمن يحتاج إليه حقا، الأمر الذي لم يستفد منه ماديا فكيف ستفيده الشهرة؟
سنقرأ هنا عن حسين عبدالعليم المحامي والإنسان، الأب والابن، الكاتب والمثقف، لكن بقلم آخر لا يتصل بيده.
كاتبة مميزة عن كاتب مميز، وسأهتم بالقراءة لهما بالتأكيد.
كتاب جميل صغير الحجم وبسيط وممتع ومؤثر. من ساعة ما خلصته وأنا بفكر في شخصية حسين عبد العليم، الروائي اللي حياته هنا تحولت لرواية وحدوتة في حد ذاتها. إسراء النمر حكت قصة تتبعها لأثر حسين عبد العليم، الشخص اللي كان مؤثر في اللي حواليه، لكنه كان خجول وبعيد عن الضوء والمنافسة وكل الضوضاء دي. شخص عاش وفق أفكاره ومبادئه الخاصة، اللي هي مش بالضرورة تبقى متوافقة مع السياسات والأفكار العامة اللي انتشرت في المجتمع، من فكرة جمع المال في دول الخليج، لحد الترقي الاجتماعي والتخلي عن أفكار إنك تعمل شغل من غير ما تاخد عليه أجر. وهنا تحديدًا دي النقطة اللي بفكر فيها.
يعني هل المفروض حسين عبد العليم يتخلى عن قناعاته ومبادئه فيبقى شخص منزوع الروح ويتأثر نفسيًا بالموضوع ده؟ ولا يحافظ على نفسيته وفنه بس تبقى حياته وحياة أسرته صعبة، لأنه كان بيشتغل في المحاماة مع ناس كتير محتاجين محامي بأجر رمزي أو بلا أجر، فكان بيساعدهم بلا مقابل، وفاتح لهم مكتبه اللي موجود في بولاق الدكرور، واللي فضل محتفظ بيه لمدة 30 سنة، ورفض عروض كتير للعمل عند بعض المحاميين الكبار، إلا في بداية حياته، أو في سفره لعمان لمدة 6 شهور فقط حس فيهم إنه مخنوق ومش قادر يعيش، كأنه سمكة طلعت بره الميّه، رغم إنه ما بيكرهش في حياته قد السمك، ولده قصة لطيفة موجودة في الكتاب.
فيعني فكرة إنه متمسك بمبادئه وبمكانه للحد اللي يخلي حياته وحياة عيلته صعبة ده أمر كان كويس ولا سيء؟ للدرجة اللي خلته يحتفظ بشقته في بشتيل لمدة 11 سنة رغم إن مفيهاش لا ميّه ولا صرف صحي. قال في رواية "التماع الخاطرة بالسيرة العاطرة" عن حياته في شقة بشتيل "أظن كفاية لحد كدا، حداشر سنة وأنا بملا من الطرمبة، أنا والله كويس مستاهلش كدا، أستاهل أحسن شوية. مش عاوز شقة في عمارة وأسانسير، عاوز حاجة فيها ميه وصرف صحي، مش طرنش". وبالفعل بعدها عاش في شقة في بولاق الدكرور عبارة عن أوضتين وصالة صغيرة. تمام، إنسان قنوع، بس الفكرة إنه مش قليل الحيلة ولا البخث، وكان يعرف عدد كبير من الكُتاب اللي ممكن يساعدوه بنشر أعماله على نطاق أوسع، وكان يعرف محاميين ممكن يشغلوه في أماكن أفضل، لكنه شاف إنه هيتخلى عن حريته، اللي هي أساس حياته كفنان، في مقابل حياة اجتماعية أفضل، وده شيء هو مش هيقدر يستحمله.
يقول في أحد رسائله لزوجته اللي أرسلها لها من عمان: "لا أستطيع أن أكون إلا أنا، فهناك داخل نفسي وأعماقي طفل قويٌّ وعنيد وحبار ورقيق وضعيف ويحمل كل المتناقضات [...]، أمّا ما يميزني سواء كان ميزة سلبية أو إيجابية هو أنني لا أعصي لطفلي أمرًا أبدًا، بل أجيب له طلباته وأدلله وأرعاه، لأنني أعشقه وأحترمه، ولأنه يقوم بصنع التعادل داخل نفسي كي أستطيع أن أحيا في هذا الزمن المستحيل".
إسراء النمر تتبعت حياة حسين عبد العليم زي ما تكون أحجية أو "بازل" -وهو اسم رواية له-، فجمعت من بنته مريم جزء من قصته، وجمعت من أصدقائه جزء، ومن أخته جزء، ومن رواياته اللي وثق فيها جزء من سيرته وسيرة أصحابه بأسماءهم الأصلية. بالإضافة إلى استلهام عدد من قضايا موكليه في الروايات، زي رواية "سعدية وعبد الحكم وآخرون" مثلًا. الحقيقة إن الكتاب دفعني لمحاولة قراءة أعماله، تحديدًا أول عمل روائي له "رائحة النعناع" اللي دخل قائمة المنع اللي أصدرها بعض شيوخ الأزهر اعتراضًا على اللي اتوصفت الروايات الموجودة فيها بإنها "الطامة الكبرى والداهية الدهياء".
عاش حسين عبد العليم حياته كما أراد، يمكن ينطبق عليه كلام امرؤ القيس "لقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب"، فكتب وصادق وحب وحزن وعمل كل ده وهو لسه واقف على رجليه رغم صعوبات الحياة وعدم استقرارها.
المفروض إن الكتاب هو سيرة ذاتية لكاتب مش مشهور اوي والفترة دي قابلتني اعمال بلغات تانية مشابهه، اتفهم ان كل الناس قرأت لنجيب محفوظ وهو كاتب مشهور فبتالي متابعة اي حاجة مكتوبة عنه او عن الاعمال مش هاتبقا غريبة، لكن كاتب اغلب اعماله مكانتش متوفرة بسهولة الا من كام سنة بس وهو مغمور نوعا ما، لية؟
اعتقادي الشخص اننا هنا بنقرأ عن انسان مش كاتب، وحياة اي انسان فيها دايما شيء مختلف عنا، وبالفعل الكاتبة اختارات ان الكتاب ميكونش مقتصر علي افكاره عن الكتابة وعن اعماله لكن عن اصدقائه والعيلة ومبادئه الشخصية.
الكتاب صغير جدا، في رأي في جوانب ناقصة كتير بسبب نمط حياة حسين عبد العليم نفسه، لكن في النهاية بجانب قصة حياته كإنسان يحب يعيش حر الكتاب بينتصر لفكرة إن حتى لو هو منصفش نفسه ممكن بعد سنين تيجي صحفية مهتمة تعمل كل البحث دة قبل ما كل حاجة تضيع، ولو كتابته نفسها مجذبتش النظر الكتاب دة هايلفت وهانرجع ندور علي أعماله تاني، فكرة أن ذكرانا تقاوم الزمن، ودة بردو من رأي كان واحد من عوامل نجاح كتاب (في أثر عنايات الزيات)
الان منتظرة معرض الكتاب عشان اشتري الاعمال الكاملة واشوف الحواديت اللي كانت في الكتاب دي بنفسي.
«لا أستطيع أن أكون إلا أنا، فهناك داخل نفسي وأعماقي طفلٌ قويٌّ وعنيدٌ وجبارٌ ورقيقٌ وضعيفٌ ويحمل كل المتناقضات، طفل ذو نزوات وذو مواقف رجولية، طفل يعشق الفسق وفي نفس الوقت يقدِّس الفضيلة، وليس كلامي محض فلسفة، فأنا أعتقد أن هذا الطفل موجودٌ داخل كل إنسان على ظهر البسيطة، إذن أنا إنسان طبيعي، أمّا ما يميّزني سواء كان مَيزَةً سلبيةً أو إيجابيةً هو أنني لا أعصي لطفلي أمرًا أبدًا، بل أجيب له طلباته، وأدلِّلُـه وأرعاه، لأنني أعشقه وأحترمه، ولأنه يقوم بصنع التعادل داخل نفسي كي أستطيع أن أحيا في هذا الزمن المستحيل».
الكتاب جميل لدرجة كنت عايزة الكتاب يكون أطول شوية، أو أبقى أنا و إسراء و مريم أصدقاء!♥️ عايزة أقعد معاهم وأسمع منهم حكايات بلا إنقطاع. إسراء النمر حكاءة سلسة بامتياز، بتاخدك من إيدك تحكيلك سيرة كاتب (للأسف غالباً لم تعلم عنه قبل الكتاب ده) وإنت هتنشد وتندمج عادي و ببساطة وهتحب ألعاب حسين عبد العليم، وتروح تدور على كتبه وإنت مغمض، ومسلم ليهم هما الاتنين عقلك وقلبك.
فيما يشبه التحقيق الصحفي تتبع إسراء حياة القصصي حسين عبدالعليم، حياته بسن الفيوم والقاهرة، أصدقاءه والحلم الوحيد الذي تحقق. لطيف جدًا لكن تمنيته متوسّع أكثر في حياته وقراءات في قصصه أحتاج أن أبحث عن إنتاجه الأدبي كي تكتمل الصورة في رأسي
المبدعون يستحقوا ان يخلدوا سيرة ذاتية مختلفة بكتابة شعرية لإسراء النمر احببت اغلب اجزاء الكتاب عن شخص وكاتب مختلف ربما لم يتوقع أن يكون مصدر الهام لغيره حتى بعد وفاته الهادئة