ألوم نفسي من حين لاخر تقصيري في تناول أدب اليافعين، وأنا المتحدثة عن الكتب، ثم أهون عليها ، قلة الاصدارات المعنية بهذا العمر.
ساطع هنا يسطع :) أحببت خيال الكاتبة، لغتها و الرسائل العديدة المتضمنة خلال النص ، رسائل قد يختلف ادراكها القارئ بحسب عمره ، فهنا حديث عن العائلة، الصداقة، التقبل، التنمر، الغربة و البراءة .. البراءة رسمتها الكاتبة بشكل ملفت في زمن اختفت فيه للاسف الشديد …
استمتعت بالرسومات، بت أتأملها لربطها مع الفقرة، اعتقد ان اضافة الفن لنص ادبي يخاطب اليافعين ، يشير لتكاتفهما في اكساب المغزى بعدًا عميقًا راسخًا ..
روح الكاتبة وانسانيتها طاغية مابين عزيز وساطع ، وبالنسبة لي هذا اكبر نجاح لاي نص مكتوب، مهما بدا سرديته
ربما تسربت مني بعض خيوط الحكاية، لانشغال الفكر بأمر جلل، لكني سأعود للرواية قريبا .
# ان الكسر الحقيقي يأتي دائما من رفض الآخرين وأخذ حقوقهم، وأن وجود من يحبك ويهتم بأمرك، يحافظ عليك أيضًا ويمحو الشروخ والخدوش، هذا بالاضافة الى أنه اكتشف أن جروحه تلتئم وحدها، فشمس الأرض لم تكن قاسية جدًا.
بمتابعة النتاج العربي الموجه للناشئة ، ثمة توجه ملحوظ ، ناشط و جميل ، بدأ يغذي المكتبة العربية و يحاول مواكبة نتاج المكتبة الأجنبية في هذا الصدد . و مع ما وصلت إليه النتائج المُرضية في أدب الطفل نلاحظ أن أدب الناشئة – لدينا – بدأ يخطو خطواته الواثقة التي صنعت فارقا في السنوات الأخيرة ، حيث بدأت دور النشر تعتني بهذه الفئة و تحاول تقديم ما يمس اهتماماتها و يناقش تحدياتها . ثمة تجارب ملحوظة ، تحترم الناشئ ، و سنه القافز على الطفولة و المتطلع للنضج ، و تقدم له الرواية التي تهرب من سذاجة الطرح ، و قوالب الوعظ ، و تخوض مغامرة اجتذابه كقارئ يلاحق الحكاية و يستمر في تتبع امتداداتها ، و ربما نستطيع القول ، بنبرة حاسمة و حازمة أن رواية الفتيان لن تكون مؤثرة إن لم تؤثر أولا بالقارئ الناضج . و على هذا الأساس بدأت بتلقي رواية ساطع ، للكاتبة الكويتية إستبرق أحمد و الصادرة حديثا عبر منشورات تكوين . و الحقيقة ، حين صافحت السطور الأولى للعمل ، تشكل لديّ سؤال مُحفز ، فضولي ربما ، يدور حول شكل النص و تقنيات كتابته و مدى قابلية وصوله لوعي المتلقي الناشئ ، فمن قرأ لإستبرق أحمد و فهم مسارها الأدبي يدرك أنها كاتبة لها خط مختلف ، و صوت سردي خاص ، أكاد أقول أنه لا يشبه سواه . فمن قرأ نصوصها القصصية يعرف أنها تكتب بطريقة معيارية إبداعية كأنها تنسج بالإبرة و الخيط ، و غالبا ما تحتاج نصوصها لمعاودة القراءة و نبش العبارة و المفردة ربما ، و مناقشة الأسئلة ، في رحلة قرائية لابد أن يسعى فيها المتلقي للذة الوصول و متعة الكشف ، فكيف ستكتب إستبرق للناشئة يا ترى ؟ بالطبع ، قدمت إستبرق قبل ساطع لمكتبة الناشئة إصدار " الطائر الأبيض في البلاد الرمادية " ، غير أن العمل و إن صنفه البعض ضمن أدب الطفل إلا أنه بدا لي غير محدود بهذه الفئة ، نعم ..طوعت الناصة المكونات الساحرة ، المعتمدة في أدب الطفل لصنع تركيبتها الخاصة، كالطيور الناطقة و الأعمدة المؤنسنة و البحيرات الآسنة و القطط الجشعة ، لكنها ناقشت عبر تلك التركيبة العديد من قضايا الناضجين ، كالفساد و الاغتراب . و الأمر مختلف تماما في " ساطع " . هل نقول أن تجربة ساطع هي تحد تخوضه الكاتبة ؟ هل هو الارتقاء على القديم و صناعة الجديد الذي يعلن عن فرادته ؟ ربما .
النص و الحكاية :
على غير عادة نصوص اليافعين ، التي تركز على حبكة ذات مسار واحد ، تقدَّم من خلالها الحكاية عبر تقنية المشكلة المركزة التي تدور في فلك واحد ، و امتداداتها و من ثم الحل ؛ تصنع الناصة في ساطع حبكات متداخلة تتضافر لتنسج وحدة الحكاية العضوية ، تلك الحبكات تتناغم مع اختلافها ، و تنسجم مع فرادة كل منها ، فتشبه قطع البازلت التي تتكامل لتكوين اللوحة النهائية ، فالنص يقدم حكاية عزيز " زيزو " ، فتى العاشرة المولود بعينين ذات لونين مختلفين ، و الذي يتنمر عليه الأقران في المدرسة فيميل إلى الوحدة و تجنب مواجهة وحوش مشاعره ، لكن ذلك لا يعني أن النص محصور بفكرة الاختلاف و التنمر ، إنما يأخذ متلقيه – عبر الحبكات – لمواطن أخرى ، فنجد النص يميل بنا إلى معضلات أخرى : كمرض الجد زيد ، و غياب ابن الخالة أكرم ، و الشوق للوالد الغائب . و مع إعطاء كل معضلة مساحتها الممكنة تتشعب بنا الناصة عبر الحبكات الخارجية لنغوص في الحبكة الداخلية التي تشبه حكاية في جوف حكاية فنتعرف على ساطع : الزجاجي المختلف القادم من عالم بعيد و الذي يقاوم شعور الغربة و يسعى للتكيف و كسب القبول . هذا الاشتغال على المستويات عرفني على لعبة النص الممتعة و تحرره من قيد الفكرة الواحدة المركزة إلى المعالجة المتعددة ، التي تشبه الحياة تماما في تعدد وجوهها ، و مواجهاتنا اليومية المتداخلة .
اللغة ..لعبة الكاتبة الأصيلة :
نحاول في الكتابة لليافعين تقديم الفكرة بتقنيات لغوية تسهم في إيصالها طيعة ، فتصير اللغة ناقلا حساسا للدهشة و القيمة . الناصة اعتمدت في كتابتها على اللغة الواضحة ذات الأبعاد ، تلك التي يمكنها أن تقول ما تريده الحكاية ، و تصنع مع ذلك إحالات متوالفة ، فلا نعجب أن يسمى الجد مصباح ، و لا نعجب أن يلقب فتى العاشرة بـ فلاش . و من جهة أخرى ، ترفع الناصة ذائقة المتلقي الناشئ عبر تشكيل لغوي يعتمد على العبارة السخية التي مع وضوحها المناسب لتدفق الحكاية تسهم في تفعيل ذكائه اللغوي و تنمية مهارة تشكيل اللغة . تقول الناصة : " رفع رأسه في شهيق الصباح الباكر " " الأسف سيخفف الخطأ ، أما الصبر فهو ما سيهبك العطايا " كما أن اللغة في النص كانت عدسة أخرى لوصف المكان ، بجغرافيته المتعددة ، من فيحاء الكويت و سواحلها إلى طيور النحام في الشويخ و الدوحة ، و من الفيوم بحقوله و غيطانه الملغزة و أشجاره و غلاته الزراعية و بحيراته التي تحمل خلف أسمائها قصصا و أساطيرا إلى برودة النرويج ، ثم تأخذنا اللغة المضيافة إلى العالم البعيد الذي أقبل منه الزجاجي ، بعد تأثيثه بطبيعة خاصة تتناسب مع شخوصه الزجاجية الشفافة . رسائل النص بين التبطين و المعالجة الواضحة :
يُضمن النص عدة رسائل ذات أبعاد إنسانية ، يمررها إلى وعي الناشئ بتقنيتي : المعالجة المباشرة و تبطين القيمة . في النص نجد التصريح بقيمة قبول الذات أولا ، ثم فهمها و مواجهة النواقص و التركيز على جوانب القوة ، فالنص يصرح باختلاف عدد من شخوصه : أ-زيزو فتى العاشرة ذو العينين المختلفتين اللون . ب-أروى الفتاة التي تتقبل قصور قامتها و تحب تفوقها الدراسي و قوة إرادتها . ج-ساطع القادم من عالم مختلف ، الهش ، الذي يخاف أن يضيء فينكسر لكنه يقوى بمحبة المحيطين و قبولهم . غير أن المعالجة لا تتوقف عند هذا الحد بل تمرر رسائلها عبر تقنية التبطين ، فتشبه القراءة هنا لعبة التقصي و إكمال رقع الأحجية ، فيستوقفنا أن شخصية النص " زيزو " ابن لكويتي من أم مصرية ، و في تلك رسالة جميلة جدا لنبذ التعصب و احترام الآخر ، فللشخصية هويتان ، وأسرتان ، و وطنان ، يفيض عليهما كليهما بالحب و الحنين و مشاعر الانتماء . كما أن الناصة التلميح بهويات الشخوص عبر الأسماء ، و هذا تركيز منها على قبول الآخر ، فتختار لصديق ساطع اسم " مارو" و لأخر اسم " بيشوي " ،و هذا تضمين في غاية الذكاء . في جانب غير بعيد ، نلمس هذه الرسائل في معالجة الجد و الجدة لتوطين " ساطع " من خلال تعليمه العادات الغذائية التي تناسب العالم الجديد ، و خياطة الثياب التي تمكنه من الانسجام بالمجتمع ، و إلحاقه بالمدرسة ، كل تلك الصور تمرر للناشئ رسالة هامة ، مفادها أن لكل مشكلة حلا ، ما ووجهت الاعتراف أولا و الشجاعة ثانيا ، و عولجت بالسعي و القبول .
هذه الرواية ، إثراء فعلي لمكتبة اليافعين العربية ، بأحداثها الماتعة ، و مزجها بين المغامرة المدهشة و ما بين الأساطير و الأحاجي و ألغاز الخيال العلمي ، تفتح أبوابا لإمكانية وصول رواية اليافعين العربية إلى مستويات جميلة جدا .
الحقيقة ان هذه الرواية لليافعين من اجمل ما قرأت لأهدافها المثمرة و التي يصل اليها القارئ عبر القراءة دون توجيه مزعج علي الاطلاق و انما يفهم الحكمة منها عبر صفحات الكتاب و يستنتجها بنفسه و هذا هو لُب الموضوع و هدف الحكي البناء ،إذ اننا لسنا بصدد خطبة وعظ و انما هي حكاية تلمس الوقع بصدق و تعبر بنا من خلال الخيال إلي توسيع افقنا لنحاول سبر الحقائق بدمج الخيال و الواقع معاً .. فالأطفال من المفترض ان لهم خيال واسع و لذلك اتجهت الكاتبة لاستخدامه في الكتابة و مع ذلك ذكرت خلال حكيها الواقع بشكل ملموس حتي لا ينفصل الانسان في عالم خيالي لا يعرف كيف يربطه بما يعيشه من أحداث . أشيد بشدة لرسومات الفنانة المبدعة "ايناس عمارة" حيث استطاعت لنا من خلال رسوماتها المبدعة أن تستدعي صورة حية للخيال المكتوب بشكل لطيف مُلفت يدل علي براعتها علي الحكي بالتصوير فقد ساعد ذلك بشدة علي معايشة القصة بتفاصيلها . الحق انه يبدو علي الكاتبة تأثرها بالقصص الخيال العلمي الذي لا نستطيع ان نغفله من خلال قصة زاهي ساطع و كذلك القت الكاتبة الضوء علي بلد جميلة مثل الفيوم فاثارت فضولي لمعرفة هل ما ذكرته له علاقة باماكن حقيقية فيها ام لا ؟ بالطبع توجد امور لا يمكن التغاضي عنها اذا نظرنا واقعياً كادخال زاهي ساطع للمدرسة فمن اين اسطاع الجد ان يستخرج له اوراق و ما الي ذلك و لكن اين يكون الخيال اذا وضعنا فكرنا بشكل واقعي ضيق كهذا ؟ بالإضافة انه يبدو من خلال كتابتها تأثرها القوى بوطنها "الكويت" علي الرغم من كون الحكاية بمصر و لكن ادخلت هذا التأثر في سياق العمل كون "عزيز" مغترب بالكويت فمن الطبيعي ان تذكر بعض ملامح من هذا البلد في كتابتها .. وصفها للشخصيات جيد جدااا من حيث العادات و التقاليد و الصفات الشخصية التي تميز كل منهم علي حدي ارفع القبعة لها . كذلك ربط الاحداث و مجرياتها قامت بدمج الحبكة الروائية بشكل بديع متماسك بحيث يؤدي كل منهم الي الآخر فاحلام عزيز و ما لها من تأثير تدعو لانتقاء الخال لنوع الحكي و تقطيعه لقصته بهدف إفادة الصبي بسلوك الصبر الحميد حتي يهذب من فكرة الطفولي المندفع بشكل طبيعي لسنه . فكرة علاقة الصبي بصديقة و قريبة اكرم جميلة و كيف انعكست نصيحته له في السابق ان يقع هو فيها بالوقت اللاحق تدل علي انه من السهل نصح الاخرين و لن من الصعب تطبيق ذلك النصح وقت الضيق 😊 و طرق تكييف الاولاد مع التغييرات الحديثة من اكتساب صداقات و التعلم منها مثلما حدث مع عزيز و حفيدة صديق الجد و اعجابه بجميل خصالها دون محاولة منه لينفي مع ذاته تمييزها بل العكس ان يعترف بما لديها من صفات جيدة لهو لُب الخطاب بين السطور فلا يكون هناك انكار لخصال جيدة لدي غيرنا لمحاولة اكتساب الثقة بانفسنا او الشعور بتميزنا ببخس حق غيرنا من الاعتراف بجميلة او طلب معاونته لنا لفهم ما غلظ علينا من فهم الامور الحياتية (مثل موقف الخيل) في النهاية لابد ان اقول ما جعلني انقص الكتاب نقطة . الا و هو تكوين زاهي ساطع من الزجاج فكيف يأكل مثل البشر و يتأثر بالشمس بشكل مضر يؤدي لفناء كوكبة .. فانا لا اسنكيع علميا تقبل الأمر رغما عني حتي خيالياً و كيف تلتئم جراحة تلقائيا فهو ليس مثل البشر من حيث تجدد الخلايا بل العكس من ذلك فالحرارة القوية قد تساعد علي التئام جروح الزجاج غير ما يحدث للبشر . و فكرة انه يتيم لم تكن واضحة من البداية ايضاً و انما فهمنا ذلك بعد مجريات الحديث خلال الحكي . لكنه بكل تأكيد مجهود راقٍ و رائع يخدم الغرض المقدم اليه ببراعة و استنتعنا به و نحن كبار و لسنا يافعين فشكرا للكاتبة و الفنانة التشكيلية لهذا الجهد الجميل 🥰
لغتها الأدبية جميلة ومناسبة للناشئة ولكنها مع الأسف مليئة بالكليشيهات بالرغم من جمالية القضايا التي تعالجها القصة، تشعبت الكاتبة بأفكارها وخلطت أكثر من قصة في كتاب واحد، وكان بإمكانها أن تجعل من ساطع سلسلة تتعرض فيها الشخصية الرئيسية لمجموعة من المواقف بدلاً من دحشها كلها في قصة واحدة: مثلاً ساطع والتنمر، ساطع وغياب الجد، ساطع في المدينة، ساطع في القرية وهكذا . إنها من نوعية القصص التي لا تعلق في الذاكرة، سوف أتذكر منها عيني ساطع الملونتين فقط .