من هو القارئ العربي الذي لا يعرف معنى الأمّة؟ فبعد قرنٍ ويزيد من التشبّع بكتابات آباء القومية العربية وخطاباتهم، صار معظم القرّاء العرب على قناعةٍ تامّة بأن سؤال "ما الأمة؟" سؤال عبثيّ أصلًا، وأنه من باب تعريف المعرّف بالضرورة، وإلا من ذا الذي تسوّل له نفسه التشكيك في أن العرب كانوا أمة منذ أن ظهروا على مسرح التاريخ قبل 3000 عامٍ، وأنهم "أمة واحدة”، و"ذات رسالة خالدة"؟
لا يهدف هذا الكتاب المرجعي إلى التشكيك في أي شيء، لكنّه يعد القارئ برحلة متشعّبة ستغيّر رأيه في أمور كثيرة، وستقدّم له منظورًا مغايرًا، وسيكتشف، في نهاية المطاف، أن المسألة أكثر تعقيدًا مما توهَّم لأول وهلة. وباستثناء المقالة الأولى، مقالة يوهان فيخته، التي تعدّ نصًا مرجعيًّا لكل الكتابات القومية اللاحقة، وتذهب إلى أن الأمة ظاهرة طبيعية قائمة بذاتها، وأنها موجودة بمعزل عن أي جهدٍ بشري وظروفٍ تاريخية، فإن كل المقالات الأخرى المختارة هنا تدافع عن أطروحة مضادة تقول بأن الأمّة صناعة بشرية، ونِتاج عمليات إنشاء وتشكيل وحتى اختراع وتلفيق يقوم بها البشر في سياقات تاريخية معيّنة، وأن الناس لا يُولدون أمّة بل هم يصيرون أمّة مع الزمن وفي سياقات تاريخية محدّدة. وهي أطروحة سيتردَّد طيفها وصداها، بتنويعات عديدة، لدى مفكرين مختلفي التوجّهات والمشارب، منذ محاضرة "ما الأمة؟" الشهيرة لإرنست رينان حتى كتاب "جماعات متخيّلة" لبندكت أندرسون، ومرورًا بكتابات جوزيف ستالين، ورابندرانات طاغور، وهيو سيتون-واتسون، وإرنست غلنر، وإيلي كيدوري، وإريك هوبسبام، وكليفورد غيرتز، وهومي بابا، وصمويل هنتنغتون.
نادر كاظم (1973م) كاتب وناقد ثقافي وأكاديمي بحريني ، ولد في قرية الدير بمدينة المحرق
مجالات الاشتغال ؛ النقد الثقافي وترابط العلوم الإنسانية والنظرية النقدية
درس المرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدارس البحرين درجة الدكتوراه في الأدب العربي من معهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة في العام 2003 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. درجة الماجستير في النقد الحديث من جامعة البحرين في العام 2000/ 2001 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف. درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها من جامعة البحرين في العام1994/ 1995 بتقدير امتياز.
يجمع الدكتور نادر كاظم في هذا الكتاب نصوصاً لفلاسفة ومفكرين نظروا لمفهوم "االشعب"-"لأمة"-"القومية" وأسسوا له، ابتداءً من الألماني فيخته الذي كتب نصه عام ١٨٠٨، مروراً بالشيوعي ستالين (١٩١٣) والشاعر الهندي طاغور (١٩١٨) وانتهاءً بالأميركي هنتنغتون (٢٠٠٤)، مقدماً الكتاب بمدخل مستمد من كتابه (أمة لا اسم لها) فيقول: "ما الأمة؟ قد يبدو هذا السؤال بسيطاً، إلا أن قراءة هذا الكتاب ستكشف لنا أنه سؤال أكثر تعقيداً مما نتوهّم لأول وهلة."
وقد صدق الدكتور نادر كاظم، فقد ابتدأت قراءة الكتاب وفي ذهني تصوّر عن مفهوم الأمة، تلك الجماعة من الناس الذين يتشاركون فيما بينهم عناصر اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية جعلتهم مميزين عن غيرهم، إلا أن التنقّل بين نصوص الكتّاب أضاع مني الخيط الرفيع الذي يفصل الأمة عن القوم عن الشعب عن القبيلة، فهل صدق من قال أنّنا نتخيّل تلك الميزات التي تجمعنا وتفرّقنا؟