ما تعرضنا ونتعرض له جميعًا جعلنا في حالة غير مسبوقة من اللا مبالاة، حالة قد يُخضِعُها -لاحقًا- علماء النفس للدراسة والتحليل؛ ما عايشناه كان صورة طبق الأصل من كل تصورات يوم القيامة، ما عاصرناه لم يعاصره أي جيل من الأجيال الآنفة. البداية كانت في خلق أكوان موازية، افتراضيَّة، بدأت تسحب الجميع من الحقيقة نحو الزيف، من الدفء إلى الصقيع، من الأهل والأصدقاء إلى اللا شيء، من المكان إلى اللا مكان، من العالم إلى محاكاةٍ له، ثم تفاقم الأمر كثيرًا مع حالات التيه والجنون والانتحار التي تسبب بها "يونيفرس"، الذي تزامن معه فيروس "كيوبيد"، ثم غذاء وكالات الإغاثة الذي يميت بدلًا من أن يُحي، بعدها بدأت الكوارث البيئية تتتالى وتتنوع ما بين زلازل وأعاصير وسيول، حاصرنا التصحُّر حتى بارت الرقعة الزراعية الضيقة من الأساس! لم نكن وحدنا، فكل مكان على الكرة الأرضية يتعرض يوميًّا لكارثة من الكوارث .. علمنا ذلك آنفًا من وسائل التواصل ونشرات الأخبار قبل أن يتبدد كل شيء وتنقطع الكهرباء عن العالم تمامًا. أعلم يقينًا أنه ما من ذرة شك لديك في تلك الحالة التي أُحَدِّثُك عنها، عن عدم الإكتراث والخِدر والتَبَلُّد التام تجاه كل الأمور المحيطة، وتجاه كل ما يحدث ويمر بنا، فقطعًا لاحظته في بداية المذكرات حينما قلت لك أنني سوف أستأنف الكتابة بعد دفن جثة حاتم في حديقة المنزل، ومع مزيد من القراءة والتصفح، مؤكَّد أنك تسائلت عمَّن تكون تلك المرأة التي تتحدث بكل برود و دِعَة عن موت أعز شخص لديها؟! عن كنه المرأة التي تَدفِن، بدم بارد وقلب متحجر، حبيبها وقصتهما معًا تحت الثرى، مهيلة فوقه طبقات الطمي الرطبة.
رضوى فاضل الأسود، كاتبة و روائية وناقدة مصرية ولدت في مصر بحى الزيتون بالقاهرة , فى 20 يناير 1974, الإبنة الكبرى للناقد و الباحث والسينارست د. فاضل الأسود.
Radwa Fadel El Aswad, an Egyptian writer and novelist, born in Egypt in the Zeitoun neighborhood of Cairo, on January 20, 1974, the eldest daughter of the critic, researcher and scriptwriter "Dr. Fadel El Aswad".
“رائحة الموت معبقة في كل مكان ، نستشعر وجوده كوحش كاسر يقش الأحياء دون رحمة ، الميت يدفن للتو و العايش ميت منتظر دوره .. هناك ثمة واحدة للاشخاص و هو الخوف من الانتظار لأنه مجهول ..ما القصة بالظبط ؟ ، هذا ما سنعرفه في تلك الرواية التأملية المختلفة التي تفتح للعقل العديد من الأسئلة .." -انتابني من الوهلة الأولى الفتاة التي على الغلاف تشبه “ “Wednsday بنفس الهيئة المريبة مما دفعني للولوج بداخل الرواية . -ديستوبيا . -إهداء جميل و عذب في آنٍ واحد . -عتبات النص في صميم الموضوع . -الرواية مبنية على كلمة واحدة و هي “الموت” .الموت بمعانيه المختلفة و ليس فقط انقضاء العمر و لكن أن تكون ميت و أنت حي أي مجرد آله محركة تبعد عن روحك ، تشعر بالموت يزكم أنفك و يعبق الأمكنة و تجد من حولك قريب منه أيضًا ، يأتي بصور شتى عن طريق أوبئة ، حروب ، ثورات ، مجاعات . “لقد استأنسنا الموت ص١٧ “ . -اللغة تشكلت مثل العجين في البداية كلمات حادة مثل السيف لتعطي إيحاء بمهولة الموقف، قذفت في قلبي الرعب كأني منتظرة الموت مع الشخصيات ، ثم لانت اللغة لتهدي الموقف بتعريفنا بشيرويت كربة منزل تصنع البيتزا ، بمفردات منمقة مختارة ووصف دقيق أحببته ،بعد ذلك جاء شعور “ميريت” لتصبح اللغة ناعمة تنبع عن الإحساس .. احييكي على براعة اللغة يا رضوى . -إقتباسات قوية : “ الحب يدحر المشكلات” . “من تبحث عنه يبحث عنك ، المتشابهين يبحثون عن بعضهم البعض ، يتشبثون بكتبهم ، كحائط صد أخير ضد كل ما يحاكِ ! “ ص٣٤ . “إنهن الفتيات اللاتي على الرغم من أنهن لا يخطئن ، إلا أنهن لا ينجحن ! فتعلم الدروس لا يأتي سوى بارتكاب الأخطاء ! “ ص٥٥ . “دربت نفسي على ألا ألتفت للماضي، خاصة الفصول الأليمة منه ، تعلمت ملكة حذف ما قد يضرني حين أتذكره “ ص١٣٠ “لا تحسب أن العمر يقاس بما مر من الزمن ، وحداته من ثوان و دقائق و ساعات ، و إنما يحسب بالمشاعر “ ص١٢٩ . -شعرت “بميريت” تشبهك في كثير من الصفات مثل كرهها للتكنولوجيا و حبها للقراءة و بعض الصفات الأخرى ص٥٢ . -استرجعت ذكريات جائحة “الكورونا” ، تذكرتها عبر تشابهه الأحداث في الرواية . -ذكر مفردات قوية مثل “لوسفير” و هو الشيطان ،الأخ الأكبر "الملاك الهابط” هو إسقاط على الرئيس الفاسد . -اعجبني فكرة التضاد كرأي الناس المخالف ، التناقض الصارخ بين الأبيض و الأسود ، بين الضياء و الجهمة ص٢٢ ، ص٢٣ . -ذكر فيلم “بيرد بوكس” اختيار ذكي كحالة مماثلة لأحداث الرواية . -ص٦٢ كتبت ببراعة من مساوئ التكنولوجيا و بالأخص للأطفال . -مقتطفات و جمل عن الحب خففت من وطأة الجائحة في الرواية . -فهمت معنى “كيوبيد” ورمزية المرض باسمه في الرواية ص٩٦ ، صص٩٧ . -الرجوع بالزمن في خط “ميريت “ كرواية اتقن باحترافية . -فصل “آخر ما تبقى من أنيس “ ..تأثرت به من وصف المشاعر ص١١١ /ص ١١٣ 👇🏻 “و أضحك حتى البكاء حين أتذكر أنني وحيدة .. وحيدة تماما” ..وحيدة حد أنني أرتعب من فكرة أن تتركني الوحدة وحدي ، و هي آخر ما تبقى لي من أنيس ! “ قوة الاقتباس ، لبقية الفقرة الأولى من ص١١٢ . -مشهد دفن “حاتم” في الحديقة مؤثر جدا” . -التأثر بالحضارة الفرعونية المصرية القديمة في حساب ما بعد الموت ص٣٦ ، و أيضًا وضع متعلقات المتوفي الشخصية في مقبرته ، و هنا أيضا” إسقاط على وضع “ميريت “ عندما دفنت “حاتم” . -استوقفني اسم فيروس “كيوبيد” و هو رمزية شكل الطفل الذي يحمل “سهم” لتصويبه عند القلب ، جاء ذلك المرض للتصويب نحو قلب الشخص ليقضي عليه مثل الحب أو بالأحرى داء الحب يصيب الإنسان و يضمر قلبه . -الكلام عن القراءة و الكتابة يستدعي التأمل لأنه حقيقي و يطرح سؤال “هل القراء يقرؤن بهدف المعرفة و التعلم أم بهدف استعراض الثقافة و الجري وراء الكتاب ؟! و ذلك آخر فقرة في ص١٤٤ و أول فقرة ص١٤٥ . “اليونيفيرس” ما هو إلا اسقاط على مساوئ التكنولوجيا و بالأخص العالم الافتراضي “السوشيال ميديا” ، “فيس بوك” و مشتقاته . -مقاطع “أحمد “ و “حاتم” ، هو طرح سؤال ما الفارق بين الواقع أو الخيال “ الحلم “ ؟ هل الخيال نلجأ إليه رغبا”منا أن نعيش فيه بدل الواقع .. و ذلك عندما تخلت “ميريت” عن “حاتم” و لكنها ظلت محتفظة بحبه على هيئة خيال يكبر معها ، عبر تطبيق “يونيفيرس “ ، والسؤال الآخر ما الفارق بين الحقيقة و الخيال ؟ -دولة “فلوسينيا” هي إسقاط واضح على إسرائيل و أمريكا و “ميلونيا” هي الدول العربية . -رواية تأملية ، مختلفة ، محتوى مليء بالتفاصيل و الأسئلة الخفية الذي يحتاج هضمه على الهادئ . -تقييمي ٥/٥ .
فيضانات في غير أوانها، وزلازل هنا وهناك، تغييرات مناخية، العالم على شفا الجنون. هل هذا محض صدفة؟ هل الحب موجود في هذا العالم؟
ملخص الرواية: في روايتها الأحدث تقدم لنا الكاتبة رضوى الأسود تحليلاً لما من المفترض أنه يحدث في العالم، عن طريق أحداث تخيليه عن عالم سوداوي واقعي، يتحكم به زمرة من الأسياد المجهولين، يتلاعبون بمصائر الشعوب، ويغتالوهم نفسياً وجسدياً من أجل مصالح كبرى، وفي المقابل هناك قلة من وعوا مبكراً لهذا المخطط، ويحاولون التصدي لهم في الخفاء. فمن سينتصر ياترى؟ ولكن على الجانب الآخر قدمت لنا قصة جفاء وقصة حب، بطلتهما واحدة وهي ميريت وأبطالهما رجلان الأول زوجها المنعزل المتفرد بوحدته، المكتفي بنفسه عن العالم، ولكن يريدها بجانبه لترعاه، حالها كحال الكثيرات بلا شكوى، والآخر الحبيب الغائب الذي عاد لتلقى منه وتمحي به كل عذاب الخسارات والفقد السابقة، لدرجة أن تجعل تقويمها الجديد هو فماذا حدث لهما؟
ماهية الرواية والسارد: الرواية من الأدب الديستوبي مغلف برومانسية رهفة، تسردها بطلة العمل ميريت، والهيكل العام للرواية منقسم إلى قسمين متداخلين قسم معنون بعناوين في غاية الروعة " وهذا القسم الراوي فيه ميريت نفسها، على هيئة رسائل تدونها لمن يهمه الأمر" والقسم الآخر معنون على هيئة أرقام " وهو يروي حياة ميريت من البداية، والراوي فيه عليم"
يتداخل القسمان مع بعضهما لتتكامل الحكاية بكافة أطرافها جميعاً سوياً، فلا تتركك الكاتبة في حيرتك كثيراً، برغم أن عنصر التشويق ظاهر جداً في نقاط كثيرة لا تتضح إلا أخيراً.
شخصيات الرواية: الشخصية الأساسية وتكاد تكون الوحيدة هي ميريت التي تجرعت الخسارات تلو الآخر، فجعلها هذا أكثر وعياً بالخطر، فكانت جديرة بأن تكون المحذر الأول لخطر يونيفرس بجانب أن هذا قد جعلها أشد الناس حساسية في إعطاء الحب والإحساس به، فصارت مزيجاً بديعاً بين الحب والقوة،بين الرسالة والعشق. كما إن إسم ميريت من ضمن معانيه، الإستحقاق والأهلية، وهو ما كانت البطلةجديرة به للدور الذي عاشت لأجله، والإستحقاق للحب بعد كل هذه الخسارات .
مواضيع الرواية: المؤامرة العالمية التي تحاك في الخفاء الظواهر الغير معتادة وأسبابها الكوفيد والترياق التكنولوجيا وخواطرها الجمة الميتافيرس ومستقبل البشرية العلاقات المؤذية والعلاقات السوية في حياة المرأة الحب الحقيقي إن وجد وأثره على المحب الجبر والإختيار حياة واحدة أم عدة حيوات نعيشها
أشياء كثيرة تطرقت إليها الرواية، في تناغم وتشابك بديع، وبقدرة تشويقية تجعلك طوال الوقت منتبه بكافة حواسك لمعرفة ما سيحدث.
هل النهاية منطقية؟ جداً ومن كل الجوانب
وتحمل هذه الرواية جميع خصائص الرواية الديستوبية، من حيث هي خيال قائم على أحداث حقيقية، تقوم الكاتبة بالتنبؤ بمستقبل البشرية على أساسها، وأنها أرادت أن تكشف عيوباً ومشكلات رئيسية لتوضيحها والتنديد بها.
قراءتي لهذا العمل يأتي في وقته المناسب تماماً مع العاصفة دانيال😁
رواية موغلة في العمق، كلنا نرى رأي العين ما تكلمنا عنه الكاتبة بإرهاصاته الواضحة كألف ألف شمس يتصور الشرق أن الغرب أو الدول (المتقدمة) هي مَن تقوم بالسيطرة على العالم..وطوال الوقت أرفض هذه النظرية...في رأيي أن مَن يقوم بها أفراد نرجسيون ذوي مصالح اقتصادية بحتة يسيطرون حتى على ساسة هذه الدول نفسها للتسلط ونسج خيوط عنكبوتية رغبةً منهم في الاستقواء والهيمنة المطلقة..حتى لو كان الثمن هو فناء مليارات البشر بالانتحار، أو الجنون، أو حتى القتل المباشر الأعجب أنني كنت أتحدث منذ ثلاثة أيام عن ذلك التحالف الشيطاني للحكومات الخفية..حكومات ما وراء الدول، وخطتهم لتخفيض أعداد البشرية إلى المليار (المليار الذهبي)، العالم الافتراضي بكل توحشه متمثلاً في تطبيق جديد هو (يونيفرس) مع ما يحمله الإسم من اسقاط على توجيه القطيع البشري في العالم أجمع للتخلي عن آخر مظاهر الإنسانية وتلك الحرب البيولوجية الواضحة عياناً في التغير المناخي وفي الأوبئة والأمراض التي يقولون أنها خطيرة وقاتلة وهم وحدهم من يحتفظون بالعلاج ويخفونه عن العالم إلا هم ومحيطهم فقط
بطلة الرواية تعيش بدء تنفيذ هذا المخطط بكل شراسته على نطاقه العالمي، بكل تحولاته النفسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية...إلخ وتواجهه هي ومجموعات ممن أدركوا أهدافه الخبيثة بوعي يقظ👍 لغة الرواية قوية ورصينة لكن لا تستغلق على القارئ..السرد طويل لكن موظف لخدمة الأحداث..تعطيك المعلومات متفرقة وعلى مراحل فلا تستطيع منها فكاكاً روعة هذه الرواية في طرحها لأسئلة بالغة الأهمية...فما تأثير كل هذا التوحش على بطلة الرواية؟ أهلها؟ زواجها؟ والأهم: هل هناك أمل في المواجهة؟ وهل ينتصر الخير على الشر؟
شكراً Radwa El Aswad على هذه الرواية، شكراً لأنك أحسستني أني لست وحدي من يؤمن بنظرية المؤامرة على العالم كله وليس الشرق وحده قراءة أولى ولن تكون الأخيرة إن شاء الله❤
تحلق بنا الكاتبة المبدعة "رضوى الأسود" عاليًا في روايتها "يونيڤيرس" حيث تأخذنا إلى عالم مخيف يبدو بعيدًا وغريبًا، تحاول أن تهدئ من روعنا، وأن تجعلنا نشعر بالألفة، ثم تتركنا لصفحات الرواية وفصولها، بعد أن تعدنا بأننا سوف ندرك الحقيقة قبل الانتهاء من قراءتها.
في البداية ظننا أننا أمام حالة كافكايسك من ذلك النوع الذي عرفناه مع جريجور سامسا في "الانمساخ" أو مع چوزف ك في "المحاكمة"، ولكننا أدركنا أنها ليست تلك السريالية والواقعية العبثية الكافكاوية.
ثم ظننا أننا نقرأ ديستوبيا من ذلك النوع الذي عرفناه مع وينستون سميث في رواية "١٩٨٤" لچورچ أورويل أو مع كاتنيس إيڤردين في ثلاثية "ألعاب الجوع" لسوزان كولنز والتي شاهدناها أيضًا في سلسلة أفلام سينمائية شهيرة، وكانت فكرة روايتنا "يونيڤيرس" تتجلى بقوة من خلال لعبة جديدة، لم تكن لعبة جوع وقتل ودمار كتلك التي قدمتها كولنز، ولكنها في المقام الأول كانت لعبة استلاب وعي الإنسان في هذا الزمن الجديد.
كان ذلك العالم يبدو بعيدًا، وكان يضم مزيجًا من عبث تلك الكافكاويات وكثافة تلك الديستوبيات، لكننا بعد قليل اكتشفنا أنه في الحقيقة هو نفسه عالمنا الذي نعيش فيه، والذي يمضي بخطىً سريعة نحو مصيره المحتوم، ويسلم نفسه لحالة وعي بديل يتشكل بإصرار شديد، ليزيح الوعي الأصلي للإنسانية الذي نشأ وتكوَّن عبر آلاف السنين من خلال تجربة الإنسان الحقيقية على هذه الأرض، وكاد أن يصل إلى قمه نضجه، في مراحل "الحداثة" و"ما بعد الحداثة"، وأخيرًا مرحلة "بعد ما بعد الحداثة" التي بدأناها وكنا نأمل أن تحقق لنا كل أحلام البشرية، لكن رضوى الأسود بهذه الرواية توقظنا من سباتنا، وتزيل مساحيق الخديعة عن وجه ذلك الوعي البديل وتخلع أردية الزيف عن مناكبه، لترينا ما نحن مقبلون عليه حقيقة في هذا الكوكب المنكوب بساكنيه.
كانت البداية مع "يونيڤيرس"، ذلك التطبيق الساحر الذي يقدم عالم بديل، كون آخر يمكننا فيه الحصول على كل ما نريد من خلال ضغطة زر بسيطة، يمكننا فيه تحقيق كل أحلامنا وتلبية كل رغباتنا، بعيدّا عن عالمنا الحقيقي الذي علينا أن نتركه يذهب إلى الجحيم، وأن نجعله فريسة لمفردات نظرية المؤامرة، والمليار الذهبي، والسبع أُسَر التي تسيطر على كل شيء، وسطوة الأديان، وسلطة المال وقوة القانون وقدرة العلم، اكتشفنا أن الوعي والعقل فقط هو آخر ما يمكن أن يتبقى لدى الناس بعد أن انتزعوا منهم كل شيء آخر، لكن بشرط امتلاك الإرادة الكافية لأن لا يتحولوا إلى مسوخ شائهة.
شهدنا بطلتنا ميريت التي أخذت على عاتقها إخبارنا بما حدث، بعد مرض ووفاة الجدة والخالة والأب والأم وتجربتَيّ زواجها، وفريد الزوج الأول ذلك الروبوت الصغير الغارق في عالم التكنولوجيا والذي يظن أن الكون هو تلك الرقميات الجافة المصمتة، وحاتم الزوج الثاني والحبيب الأول وقصة الحب والتخلي والعودة، وحتى أحمد رجل اليونيڤيرس.
حاولت ميريت أن تجد للناس على تطبيق الفيسبوك عذرًا، مشاعر الألم والحزن والتعاطف، وفضيلة الصدق والإخلاص والشجاعة، صارت جميعها خدع مصنوعة على الفيسبوك، أو في أفضل الأحوال مجرد إيموچي فارغة من المعنى، لم تعد هناك مشاعر حقيقية ولا فضائل حقيقية، لم يعد هناك سوى رذائل حقيقية، تذكرنا عندما خرجت الحقيقة من البئر تعدو عارية وسط استهجان الناس، وعندما كان الكذب يتجول مرتديًا ثوب الحقيقة وسط استحسان الناس، وأدركنا أن "الإنسان هو أخطر حيوان في العالم" يليه الڤيروسات.
رأينا عندما تكون الحياة الحقيقية والعالم كله داخل تطبيق كمبيوتر، ويكون الناس دمى تعيش في تلك الحياة وتتحرك في ذلك العالم، وعرَّفتنا ميريت بكل مفردات ذلك العالم، سحر الإيحاء، والجائحة، وتطبيق يونيڤيرس، ولوسيفر الملاك الهابط، والأديان الثنوية، والآلهة، والتكنولوجيا، والنعجة دوللي، والحمل الكيميائي، والحمام الزاجل، وألغاز سفينكس الإغريقية، كانت كل مفردات العقل والفكر والثقافة تتداعى من رأسها إلى أوراقها.
عشنا يونيڤرس النسخة الأولى وارتدينا النظارة، ثم يونيڤرس النسخة الثانية وزرعنا الشريحة، أكلنا الطعام المُهدَئ من منظمات الإغاثة، ولبسنا الواقي الوَجهي، ورأينا عندما تصبح الكتابة مجرد صرعة والقراءة مجرد موضة، وكان الناس يعيشون ذلك العالم المصنوع، وكانوا يتحولون إلى كائنات جديدة، مسوخ شائهة، وأجساد بلا روح، وجعلهم اليونيڤيرس أشبه بآلهة حمقاء: ❞ نجح "يونيڤيرس" في تحقيق حُلم الإنسان الأزليّ الأبديّ، هاجسه المضني ورغبته الأكثر إلحاحًا، منحه فرصة أن يكون إلهًا خالقًا. ❝
ضيَّعنا كل الفرص التي كانت تسنح أمامنا، لم يعد هناك إله أو دين أو قيم أو وطن أو انتماء، لا انتماء لشيء سوى اللذة، انتبهنا عندما جاءتها الرسالة الأخيرة مع الحمام الزاجل، وكانت رسالة ميريت الأخيرة لنا تقول: ❞ الوعي هو كلمة السر، والنجاة الحقيقية ❝
اكتشفنا أن الوباء لم يكن ڤيروسًا أو بكتيريا، لكنه انحراف في عقولنا، انجراف في نزعاتنا، وأن اليونيڤيرس الجديد هو لعنة تؤجج رغبة جديدة ناشئة، في العيش على هامش الحياة ووراء ستائرها وتحت حوائطها، بعد أن كنا نمشى في قارعة الطرق، ونصعد إلى قمم الجبال، ونزرع الوديان، ونجري ونلهو وتعرق أجسادنا، ونحضن الأشجار ونشم الورود، ونسبح في الأنهار، ونخوض البحار، ونفتح صدورنا للهواء، ونغني للشمس ونعشق القمر، ونحكي الحكايات في أمسيات السهر، ونلعب لعبة الحب في الليالي الجميلة، كنا نعرف أن كمال هذا الكون في نقصانه، وأن الكون ليس لوحة رسم هندسي بل لوحة فن تشكيلي، ربما تكون الأولى هي الأدق والأكمل، لكن الثانية هي الأعمق والأجمل.
انقسمت فصول الرواية إلى مجموعتين، المجموعة الأولى ذات عناوين ملهمة تحيط بمفردات الوعي الجمعي، وتُسرَد بصوت ميريت، تستخدم الضميرين الأول والثاني بحرفية متقنة، تجعل القارئ يشعر بأنها تحدثه وحده، تحكي له وحده، بلا تردد وبلا توقف، تصف له كيف صار العالم وكيف صارت الحياة قبل وبعد اليونيڤيرس، والمجموعة الثانية هي فصول مرقمة، وبصوت راوٍ عليم سنتعرف عليه لاحقًا، يروي أصل الحكاية، ويلملم أطرافها المتناثرة من سرد ميريت، يستخدم الضمير الثالث، يحكي كيف وصل العالم إلى هذا المشهد، إلى هذه النقطة المربكة، إلى هذه الحكاية التي ترويها ميريت، ويظهر الراوي في الفصل الأخير المفترض، ليستخدم أيضًا ضمير المخاطب، كما استخدمته ميريت من قبل، بعد أن طرح أوراقها وحكى لنا كل الحكاية، ثم منحنا الأعشاب الأخيرة، ومنحنا معها الأمل، وبيان دولة "فلوسينيا".
الرواية هي رحلة بحث عن كل المعاني الحقيقية، الحرية والسعادة والعطاء والعدل والمسؤولية، وأخيرًا هي رحلة بحث عن الوعي الحقيقي الذي به نجد معاني الحياة. ❞ على الرغم من قسوة الوعي، فإنه أفضل من الجهل ❝
تحدثت الرواية عن تطبيق "يونيڤيرس" الذي سحب الناس من "فيسبوك"، وكأنها تنبأت بالقادم الجديد "ميتاڤيرس".
تلاعبت رضوى الأسود بتقنيات البناء والسرد ببراعة شديدة، واستدعت القاري إلى داخل الرواية ليكون أحد شخصياتها، شخصية المروي له، سلمته إلى ميريت، ثم إلى الراوي، فصارت الرواية هي نفسها تطبيق يونيڤيرس، عندما دخلنا الرواية أو اليونيڤيرس، انفصلنا عن العالم الحقيقي، وعندما جرت الأحداث وتفرعت، عشنا معها بالكامل، وعندما كانت ميريت تكتب أوراقها لتتركها لنا، شعرنا أنها تكتب بأصابعنا، وتتحدث بألسنتنا، وتفكر بعقولنا، وترتجف بمشاعرنا، وتخاف بقلوبنا، وتنتظر النهاية بنفوسنا، وفوق كل ذلك شعرنا أنها تستخدم وعينا الجمعي في إنقاذ ما تبقى من البشرية.
انتبهنا، وقد خرجنا من "يونيڤيرس" الرواية، لنجدهم قد أعدوا لنا يونيڤيرس جديد أو "ميتاڤيرس"، فهل سنكون من سكان الميتاڤيرس أو من سكان فلوسينيا، أم سنبحث عن حلّ وسط.
حتى اكثرنا واقعية ورفضاً لفكرة أن ما يحدث حولنا في العالم من أوبئة وكوارث ومصائب من كل شكل ولون هو مؤامرة كونية لتدميره ، بالتأكيد وقد رواده ولو خيط رفيع بأن هناك مخطط وراء ما يحدث ، تمسك Radwa El Aswadرضوى الأسود بهذا الخيط و تحيك لنا منه بناء سردي محكم ومتكامل يؤسس روايتها الأحدث ( يونيفيرس ) رواية خارج حدود واقعية عالمنا اليومي تجنح بنا لعوالم أخرى ، عوالم مربكة ومنهكة وذلك من خلال تقنية سردية غير أعتيادية وبأسلوب يمتاز بالوضوح و المتانة في آن وبلغة أنيقة منسوجة بعناية ، لغة مقصودة ومقتصدة في ذاتها للجملة. يتشكل العمل من عدة افكار ( هيام في الأمكنة والذكريات ،صراع بين الذاكرة والنسيان بحث عن جذور ، وطأة الوحدة والغياب ، ابطال تتشبث بعالم أفضل وتسعى بأصرار لأنقاذ العالم وعدم التسليم بالخسارة ولكنهم أشبه في سعيهم هذا بأنهم يحاربون طواحين الهواء ) . تضج الرواية ايضا بعاطفة متقلبة وعلاقات محيرة ومربكة حيث رجال يختفون ويعودون بعد سنوات أو يبقون ولكنهم يختلفون ، يختلفون للحد الذي يصعب معه التعرف عليهم . وبالطبع يتضح في هذا العمل الملمح العام في أعمال رضوى وهو التوغل في الآنا ، فعلى مدار فصول الرواية تحاول البطلة استعادة وجود ماضيها فتصطحبنا معها في صور متلاحقة من الفلاش باك للبحث حول ماهية وحقيقة الشخوص الذين شكلوا حياتها في مراحلها المختلفة وذلك من خلال وصف علاقة البطلة بهم في أدق تفاصيلها ومنعطفاتها وتقلباتها . ابطال العمل يسيرون في خطوط متوازية لا تتلقي وبالرغم من ذلك فبناء الرواية يدور في شكل دائرى قائم على مراحل متعددة متشابكة معاً . يونيفيرس هي رواية ديستودبيا تقوم خارج أعتيادية الواقع اليومي ، ولكنها تأخذنا لعالم اكثر رمادية منه وترسم أجواء فترة قلقة ،تنهار فيها القيم والمبادئ والاواصر المجتمعية وذلك بأنهيار العالم ذاته .
" نحيا حقيقتنا في الخيال ، ونعيش وهما في الحقيقة ! "
كان من حسن الحظ انني ممن اطلعو علي مخطوط الرواية ، وعشت لحظات غزل نسيج الكلمات والحروف والفصول وغمسها بروح الكاتبة عبر آلة رضوى الأسود العملاقة .
قرأتها قرابة ٥ مرات قبل اصدارها الرسمي - و حتي الآن ما زلت في حيرة هل هي رواية ديستوبية ام رواية واقعية - تأتي حيرتي من ان كل ما اختبرته بين الحروف والكلمات والاحداث والمشاعر والنبوءات حتي المؤامرات وتغيرات المناخ منها والكوارث والاوبئة بإسقاطها علي اسماء مغايرة، يعبر عن الواقع بشدة فيه م�� رأيناه وعشناه ، وفيه ما هو سنراه بكل تأكيد في القريب .
جرس انذار كبير و مبكر مع كل فصل يرتفع صدي صوته بان يأخذ الجميع حذره - اما ان نحبس جميعا في واقع شيطاني نرفضه وبين زيف عالم اخر افتراضي تعيش فيه بروحك وتترك جسدك لهم في الواقع.
حالة نفسية فريدة ، حب وفقد وحزن وبعض من الأمل - كدت ان اشتم رائحة الطعام في فصول - ورائحة عطر البطل ، احسست ان بعض من الرمال تناثرت حولي في مشهد الدفن - قوة تحسد عليها ما لاقته البطلة من مآسي.
وأخيرا وليس اخرا - اعدك انه ستنظر لميريت علي الغلاف قبل قراءة الرواية فترة ليست بالوجيزة -وستظل تنظر اليها مرة اخري بعد انتهاء الرواية فترات وفترات - فالسطور تحمل الكلمات والحروف وصورتها وملامح وجه ميريت علي الغلاف يحمل روحها الملغزة !
استمتعت بكل حرف وكلمة وفصل - اتمني ان يتبعها جزء ثاني اخر قريبا ،
أنهيت الثلث الأول من هذا الكتاب، حوالي ١٢٠ صفحة من أصل ٣٧٥ صفحة على أبجد، ولكن للأسف لم أستطع الاستمرار. فالمؤلفة تطنب كثيرا بشأن الوباء والمجاعات واليونفرس دون غاية معينة أو حبكة محددة. شعرت بالتيه في الكثير من الأجزاء. أعتقد أنها لو اختصرت، لتوفقت أكثر في جذب القارئ. لا أنكى أن سردها رائع لغويا وأدبيا، ولكني حقا مللت إذ شعرتني أبحر بلا وجهة. تحياتي.