4.5
لطالما كنت محبة لأدب المسرحيات والمسرحيات الأدبية بشكل عام. وغسان بالنسبة لي من كتابي المفضلين، ولما علمت أنه كتب ثلاث مسرحيات، شعرت بحماس كبير لقراءتها. مسرحياته تحمل نفس الروح الثورية والفكرية التي ظهرت في رواياته وقصصه القصيرة، فهي تتناول قضايا الوطن والهوية الفلسطينية بعمق وصدق.
يحتوي هذا المجلد على الأعمال المسرحية، وهي ثلاث: (الباب، القبعة والنبي، جسر إلى الأبد)، وسأكتب مراجعة مفصلة لكل مسرحية.
١- مسرحيه الباب التقيم ٥/٥
"ألا تريان أنه يخدعنا؟ إنه يعطينا فرصة واحدة، لا خيار واحد، ويغلق أمام وجوهنا كل الأبواب. الباب الوحيد الذي تركه لنا هو الموت ولكن أي موت نختار؟"
"الموت لا يُلغي الإنسان، بل يكشفه. فمن يختبئ خلف الجدار يظن أنه نجا، لكنه في الحقيقة مات قبل أن يموت، أما من يفتح الباب فيدخل الخلود من بابه."
هذه المسرحية هي تجربته الأولى في مجال المسرح، وتم إنتاجها عام 1964، في نفس الفترة التي كتب فيها روايته الأولى الشهيرة رجال في الشمس.
يبتدأ المجلد بمسرحية الباب، والتي استلهمت من أسطورة شدّاد بن عاد (مدينة إرم ذات العماد) لتشيّد إطارًا أسطوريًا ورمزيًا. يحاول شدّاد في المسرحية بناء مدينة خالدة تتحدى الموت والقدر، وعبر الفصول الخمسة نتابع صراع الشخصيات بين من يختار الاستسلام للجدران المغلقة، ومن يبحث عن الباب الذي يرمز للأمل والخلاص والحرية.
تُعد المسرحية عبقرية، فهي أقرب إلى حوار فلسفي رمزي منها إلى حبكة تقليدية محكمة. يحمل النص موضوعًا سياسيًا ويسلط الضوء على البحث عن الهوية، رفض التشتت، والسعي إلى وسائط للمقاومة والثبات الذاتي، لكن ليس بشكل مباشر، بل عبر قناع أسطوري وفلسفي.
٢- القبعة والنبي التقيم ٤/٥
"كل الناس. كل شيء. صاحب البيت والخباز واللحام والطبيب. الغربة والوحشة والوحدة. المرض والشقاء. الشقاء الذي لا ينتهي وفرص السعادة التي لا نستطيع أن نملأها. العمل والبطالة. الانتظار والوصول. الانكسار. الفشل. طعم الانتصار التافه. القلق. نداء الرحيل الذي لا يستجاب. الخيبة. غياب الشمس وغياب الصديق وغياب الدهشة. الموت.. يا إلهي! أن نراه قريباً"
"الفكرة إذا ولدت فليس بالوسع التخلص منها بالوسع خيانتها فقط ولذالك ترى كم هو سهل بالنسبة للكثيرين أن يضعوا الأفكار فوق رؤوسهم كالقبعات ، ولكن دون أن يتركوها تغوص إلى داخل رؤوسهم"
أنهى كتابة هذه المسرحية في بدايات عام 1967 لكنها لم تُنشر إلا عام 1973، أي بعد استشهاد غسان كنفاني بتسعة أشهر.
المسرحية هي أيضًا عمل سياسي وفلسفي يطرح قضايا المقاومة والهوية الفلسطينية من خلال قصة رجل فقير يلتقي بشيء غريب يظهر له، وكيف يواجه إغراءات المال والعروض الخارجية، لتبرز رمزية المقاومة الفلسطينية ورفضها الانهيار أمام الضغوط.
تتكون المسرحية من ثلاثة مشاهد، حيث يقوم الرقمان 1 و2 بإجراء محاكمة ضد المذنب واتهامه بقتل الشيء، إلى جانب مواجهة هذا الشيء وكشف أسراره، والتعامل مع السيدة. في هذه المشاهد الثلاثة، تحوم أسئلة الوجود والبراءة والذنب، وتأثير التسلسل الهرمي على العلاقات، إضافة إلى أسئلة الحب والخوف من مختلف جوانب الحياة، مما يؤدي إلى الكشف عن فجوة بين عالمين متعارضين.
غسان عبقري جدًا في كتابة هذه المسرحية، حيث ظهر إبداعه في بناء النص. استخدم أسلوب السخرية بذكاء، فلم تكن ثقيلة أو مكتظة بالمعلومات، بل اعتمد على سخرية الموقف. كما اختار عددًا محدودًا من الشخصيات، مما جعل التنقل بين الحوارات سلسًا، ويعرف القارئ من يتحدث دون أي تشويش أو لخبطة.
٣- جسر إلى الأبد التقيم ٣/٥
"مجرد وجودك، أنا لا أطالبك بأيما شيء، ولكنني لا أستطيع أن أحتمل ضياع الإنسان الوحيد الذي يصدقني في هذا الكون القاحل.. هل فكرت مرة في إنسان يذهب إلى الموت منفرداً بهذه الطريقة البشعة؟"
” وهم. رجل مصاب بالوهم، أعرف ذلك جيداً، قاله كل الأطباء الذين راجعتهم وها أنت ذا تقولينه مرة أخرى، وهم. وهم. وهم. أطباء يجلسون في مقاعدهم الوثيرة يستمعون إليك بصمت واعتناء، فإذا استعصى عليهم الحل قالوا: إنه الوهم ”
وهي مسرحية إذاعية قصيرة كتبها غسان كنفاني عام 1965، ولم تُذع أو تُنتج حتى وقت قريب من نشرها الأول في عام 1982.
تدور أحداثها حول الشخصية الرئيسية فارس، الذي يعرف موعد موته ويعيش حياته في انتظار ذلك الحدث، وتمزقه الحقيقة والوهم. تبدأ الأحداث عندما تصدمه رجاء بسيارتها، فتسعى لفهم مأساته ومساعدته على التصالح مع ماضيه المؤلم، الذي كان يعتقد أنه سبب وفاة والدته. تتحول رجاء إلى جسر يربطه بالحياة بدلًا من الموت، مما ينقذه من عزلته ويعيد إليه الأمل.
تظهر المسرحية عمقًا فلسفيًا واجتماعيًا، ورغم أنها قد تبدو بعيدة عن القضية الفلسطينية المباشرة، إلا أن عناصر من الرمزية والتاريخ تتجلى فيها بقوة. كما تعكس المعاناة الإنسانية وقسوة الحياة بشكل واضح.