في هذا الكتاب يتتبع محمود حسين الخطوات المتعاقبة التي خطاها المصريون طوال القرنين الماضيين في مسيرة تحولهم من رعايا إلى مواطنين.
يقدم لنا نظرة متكاملة مبدعة، لتاريخ مصر المعاصر، لا تقتصر على المقاييس السياسية والاقتصادية المعتادة، بل تشمل الأبعاد الدينية والنفسية لسلوك الجماعات والأفراد يجدد بذلك فهمنا لثنائيات الحاكم والمحكوم التقليد والحداثة الجماعة والفرد، اللاهوتية والعلمانية، إلخ. ويركز بشكل خاص على تطور العلاقة بين المحكومين والحكّام، بتسليط الضوء على مفهوميْن جوهريّيْن أولا: مفهوم الشرعية المقدسة التي طالما تمتع بها الحاكم فى صورها المختلفة: صورة الحاكم بأمر الله، وصورة الزعيم الوطني، وصورة الأب الروحي للجماعة، فلقد شكلت تلك الشرعية، في يقين المحكومين غلالًا باطنيًّا كبَّل ضمائرهم وشل حركتهم المستقلة؛ إذ جعلهم يذعنون نفسيا لمبدأ استعبادهم. وثانيًا: مفهوم الوعي الذاتي الذي أخذ المحكومون يكتسبونه، خطوة بخطوة وهم ينسلخون من تلك الهيمنة. وكانت الانتفاضات الرئيسية التي قام بها الشعب من حين إلى حين هي اللحظات التاريخية المتميّزة التي بزغ فيها إدراك المحكومين لذاتهم ولمصالحهم، وتأكدت فيها إرادتهم المستقلة، فبعد أن بلورت ثورة ۱۸۸۲ الضمير المصري، ثم بلورت ثورة ۱۹۱۹ الضمير الوطني الديموقراطي للمصريين، بلورت ثورة ۲۰۱۱ ضميرهم المواطني.
«محمود حسين» الاسم المستعار المشترك الذي اختاره المفكران المصريان بهجت النادي وعادل رفعت، بعد استقرارهما بفرنسا في نهاية الستينيات من القرن الماضي. وقَّعا بهذا الاسم أعمالًا مبتكرة، إبداعية، ركَّزت على إبراز قدرة الإنسان على تحمّل تبعات إرادته الحرّة. تمحورت كتبهما الرئيسية حول ملحمتيْن تاريخيّتيْن: صحوة الشعب المصري الحديثة والسيرة النبوية وفجر الإسلام. لقيت أعمالهما نجاحًا باهرًا منذ كتابهما الأول الذي أكسبهما شهرة عالمية، وقد ترجم إلى العربية بعنوان "الصراع الطبقي في مصر، من 1945 إلى 1968".
كتاب ممتع وضمن أفضل ما قرأت هذا العام. الكتاب من تأليف محمود حسين، وده اسم مستعار لمفرين مصريين هما عادل رفعت، وبهجت النادي، الي قرروا الاستقرار في فرنسا في فترة الستينات.
الكتاب بيتكلم عن المصريين والحكام في قرنيين، منذ أن وطأت الفرنسيس أقدامهم النجسة بلادنا المحروسة حتى قيام ثورة 2011 على الملعون في قبره حسني مبارك.
الكتاب بيقدم الحدث التاريخي بشكل مكثف بيوضح فيه أبرز الأحداث التاريخية ثم يقدم لنا تحليلًا لهذه الفترة وتفاعل المصريين معها وصورة الحاكم.
كما قدم الكتاب صورة الحاكم المختلفة الي بتتغير من شخصية إلى أخرى.
قدر الكتاب يقدم لينا تطور وعي المصريين وإزاي نظرتهم للحكام اتغيرت بتغير المشهد فبدأت برعايا خليفة الله في أرضه حتى أصبحوا مواطنين لهم صوت. وبدء نشأة الوطن والقومية عند أهل مصر وكيف تطور هذا التعريف بمرور الوقت ومع التغيرات.
كما قدم الكتاب صورة عن تطور الشكل الاجتماعي والاقتصادي للمصريين بمرور تلك الفترة الزمنية، وكيف تشكلت الطبقات المختلفة وتغيرت حالتها جراء الأحداث السياسية ونشوء طبقات اجتماعية جديدة على مر الزمن.
وبالطبع تم التركيز على الثورات التي وقعت على مر هذه العصور مثل ثورة المصريين ضد الفرنسيس وثورة 1919 وثورة 2011 وأسبابها ونتائجها.
الكتاب في مجمله رائع وممكن يكون اختيار ممتاز لمن أراد معرفة أبرز الأحداث السياسية في مصر وتاريخها من عهد الاحتلال الفرنسي حتى ثورة 2011.
هل يمكن أن نعيد كتابة تاريخ مصر من منظور المحكومين لا الحاكمين؟
هذا هو السؤال الذي يطرحه كتاب «صحوة المحكومين في مصر الحديثة: من رعايا إلى مواطنين» لمحمود حسين، الاسم الأدبي المشترك للباحثين بهجت النادي وعادل رفعت، اللذين اختارا أن ينقّبا في ذاكرة مصر العميقة، لا ليعيدَا سرد الأحداث، بل ليكتبا تاريخ الوعي نفسه — وعي المصريين بذواتهم وبالسلطة التي حكمتهم، وبالطريق الطويل الذي ساروه من الخضوع إلى المطالبة بالحرية
يأخذنا محمود حسين في رحلة تمتد لأكثر من قرنين، ليعيد رسم تاريخ مصر لا من عيون الحكّام، بل من وعي المحكومين أنفسه منذ الحملة الفرنسية عام 1798 وحتى ثورة يناير 2011، تتبع الصفحات كيف انتقل المصريون ببطء وألم من موقع «الرعية» الخاضعة إلى موقع «المواطن» الذي يطالب بحقه ويُسائل السلطة
يرى الكاتبان أن الحداثة في مصر بدأت من فوق؛ من مشروع محمد علي الذي شيّد دولة قوية، لكنها قامت على الانضباط والطاعة لا على الحرية ثم جاءت ثورة 1919 لتوقظ الوعي الشعبي وتعلن ولادة «الشعب» كمفهوم سياسي، غير أن العلاقة الأبوية بالحاكم ظلت تحكم المجال العام أما ثورة يوليو 1952 فكانت مفارقة كبرى: دولة وطنية باسم الجماهير، لكنها رسّخت مركزية السلطة وصوت الزعيم الواحد ويمضي الكتاب إلى نهايات القرن العشرين، حيث تنقلب الشعارات إلى قوالب جامدة، ويصبح الحاكم راعيا دائما والمواطن تابعا مؤدبا
حتى جاءت ثورة يناير كأعلى درجات الصحوة: لحظة صرخ فيها المصريون أخيرًا "ارحل"، لا بمعناها السياسي فقط، بل بمعناها الرمزي — أن يرحل الخوف، وأن يُولد المواطن
«صحوة المحكومين» عمل فكري عميق يقرأ التاريخ المصري كرحلة وعي لا كوقائع. إنه كتاب عن المعنى الخفي للحرية، وعن المعركة الطويلة التي يخوضها الإنسان المصري كي يتحرر من داخل نفسه قبل أن يتحرر من الحاكم
إنها رحلة لم تنتهِ بعد — لأن كل جيل، في النهاية، يبدأ صحوته من جديد
دراسة ثرية جدًا عن تطور علاقة الشعب المصري مع الهيئات الحاكمة، بدءًا من الانصياع للسلطة اللاهوتية لخليفة المسلمين وحتى الغزو الفرنسي لمصر. في تلك الفترة، وجد المصريون كيف انتصر "الكفار" على خليفتهم المسلم، مما أدى إلى انقطاع الغاية التاريخية المطلقة الدينية. أصبحت أحداث الدنيا لا تحكمها غايات إلهية، بل قوانين وضعية يسيطر عليها من يملك زمام الأمور.
أدى هذا إلى نمو حركات مقاومة ضد الغزو الفرنسي، الذي اعتبره المصريون عقابًا من الله تارة، واختبارًا لإيمانهم تارة أخرى. لكنهم اعتمدوا على آليات وضعية لمحاولة دحر الغزاة، مما أدى إلى تشكيل مجتمع مقاوم وليس مسيَّر، يحاول أخذ زمام المبادرة في حكم نفسه. ظهرت حركات مقاومة كان أبرز خطيب لها عمر مكرم وشيوخ الأزهر.
لكن كل هذا تحطم بعد تبني محمد علي مشروعًا تحديثيًا لا يعتمد على هذا المجتمع المشكل حديثًا، بل على نخبة مستوردة، مما أدخل مصر مرة أخرى في طور "رعايا" الخليفة. لكن الخليفة لم يكن يحكم بسبب سلطته اللاهوتية فقط، بل أيضًا من خلال دولة قوية حاولت أن تنفذ إلى جميع تفاصيل حياة الرعايا، من خلال الضبط والحصر والعقاب والتجنيد.
للأسف، تم تهميش وتدمير هذا المجتمع المبادر الذي تشكل أثناء مقاومة الاحتلال الفرنسي، لصالح دولة متسلطة غير مهيمنة أيديولوجيًا، تحاول امتصاص ساعات العمل المصرية لدعم مشروع تحديثي لا يعلم المصريون لمن ولماذا يشاركون فيه. بعد انتهاء نوايا محمد علي في السيطرة على الشام والأراضي العثمانية، لم يتمكن أولاده من السيطرة مرة أخرى على المصريين، مما أدى إلى ظهور نمط آخر من المقاومة المصرية متمثل في البيروقراطية العسكرية، والتي تجلت في محاولة أحمد عرابي للثورة والمطالبة بإنهاء نفوذ السلطات الأجنبية التي سيطرت على البلد بعد إفلاس الدولة المصرية في عصر إسماعيل وتوفيق.
تمكنت ثورة عرابي من إبراز شخصية الزعيم الوطني الذي يتحدث بالعربية ويأتي من الشعب، وليس مستوردًا كالخلفاء أو محمد علي. كما أظهرت إدراكًا للبعد العربي في الوجدان المصري وتمايزهم عن الحكام الأتراك. لكن محاولة عرابي فشلت بعد معركة التل الكبير، ووقعت مصر تحت الاحتلال البريطاني.
بعد ذلك، تبلورت محاولة أخرى من المقاومة ظهرت من الأفندية وملاك الأراضي الإقطاعيين، متمثلة في شخصية سعد زغلول وحزب الوفد. رأى المصريون في سعد زغلول شخصية الزعيم العلماني الحقيقي الذي يحاول محاورة السلطات البريطانية. هنا، نلاحظ غياب المنطق اللاهوتي للتمكين عن العقل المصري، حيث أدرك المصريون أن قدرهم في أيديهم وليسوا متصلين بأي سلطات أخرى، سواء كانت سلطات الخلافة أو السلطات الدينية.
على الرغم من تمكن الوفد من تحقيق حس وطني حقيقي في وجدان المصريين، إلا أن الحرب العالمية الأولى والثانية كانت أقوى منهم. لكن تشكلت لحظة مهمة جدًا مع دخول أبناء الطبقة المتوسطة إلى الكلية الحربية بعد معاهدة 1936، والتي كانت حكرًا على الشراكسة وأبناء الإقطاعيين. كانت هذه الطبقة المتوسطة متشبعة بأحلام التحرر من الاحتلال وعدم ثقتها في قدرة الأحزاب على تحقيق هذا الحلم، وهؤلاء كانوا الضباط الأحرار.
تمكن جمال عبد الناصر من انقلاب 1952، وتقبل الشعب المصري تلك الأخبار بريبة، خاصة بعد الأداء المخزي للجيش المصري في حرب 1948. تمكن عبد الناصر من القضاء على الحياة الحزبية والنقابية في مصر، مقابل تمثيله للإرادة الوطنية للمصريين. تماهى المصريون في شخصية عبد الناصر بصفته الزعيم الوطني الحقيقي، وعاد إلى وجدانهم التأييد اللاهوتي له، خاصة بعد انتصار 1956 وتأميم قناة السويس.
لكن المصريين في تلك الفترة أصبحوا رعايا للدولة المصرية المتمثلة في شخصية عبد الناصر، وليس مواطنين تربطهم علاقة مع الدولة. حققت الدولة الناصرية الهيمنة الأيديولوجية من خلال التأكيد على أهداف وطنية حقيقية في السياسة الخارجية والداخلية، ومن خلال توفير فرص عمل في القطاع العام وإتاحة التعليم لجميع المصريين.
تعرضت الدولة الناصرية لصدمة كبيرة بعد نكسة 1967، وحاول عبد الناصر التنحي، لكن القرار الجماعي من الشعب المصري كان الخروج لمطالبة عبد الناصر بالعدول عن هذا القرار. لم يكن المصريون في حالة هذيان، بل عبروا عن رفض الاستسلام وإعادة تنظيم البلاد.
بعد 1973، انهارت شخصية الزعيم الوطني تمامًا بسبب كامب ديفيد وتخلي الدولة المصرية عن الحماية الاجتماعية لمعظم المصريين بعد قرارات الانفتاح الاقتصادي. حاول السادات الهيمنة الأيديولوجية من خلال النجاح العسكري المحدود في حرب أكتوبر، لكن هذا النجاح لم يُنسب له طوال سنوات حكمه، بل للجنود والمهندسين الذين تم الغدر بهم بعد الحرب.
انهارت الصورة النمطية للحاكم الزعيم الوطني تمامًا، وحدثت حالة من التيه الذاتي للمصريين بسبب تخلي الدولة عنهم وانفتاح المجتمع على أنماط استهلاكية جديدة. أدى هذا إلى انزواء المصريين في فردية حاولت النجاة بنفسها، دون التفاف حول شخص أو هدف وطني.
نمت الهجرات الجماعية للخليج، وانتشر التدين الوهابي كتعبير عن إخفاق الدولة في توفير فرص اقتصادية لحياة كريمة. نمت رأسمالية غير وطنية في عصر السادات ومبارك، مما أدى إلى إفلاس مصر عام 1989. لكن مصر تمكنت من المناورة بعد حرب الخليج الأولى، وتم إسقاط نصف ديونها عام 1991 مقابل إصلاحات اقتصادية نيوليبرالية سحقت الطبقة المتوسطة والفقيرة.
تحول الزعيم إلى مجرد موظف لدى رجال الأعمال الذين استلموا وزارات في تخصص عملهم، وقاموا بأخذ قروض مليارية بتسهيلات تعتبر سرقات للشعب المصري. تحولت السلطة العسكرية إلى قوة منزوية بعد خفض عدد الجنود بعد كامب ديفيد، لكنها عادت للسيطرة على الدولة بعد ثورة 2011.
الآن، بعد 10 سنوات من الحكم العسكري لعبد الفتاح السيسي، أعتقد أن المصريين في طريقهم للتوحد مرة أخرى، خاصة بعد تحالف الجيش مع رأسمالية غير وطنية أدت إلى تراكم الثروة في يد قلة معينة. انهارت شخصية الزعيم المخلص لعبد الفتاح السيسي بعد إدراك 99% من المصريين أنه مجرد عسكري تافه أبله.
لا أعتقد أن الشعب فقد اتصاله بوجدانه في حكم السيسي، بل إن هذا الوجدان دائم النمو والتشكل، وقادر على إحداث التغيير المزلزل مرة أخرى، كما فعل في 1919 و1967 و1978 و2011. شعب مصر ليس ساكنًا مستكينًا جبانًا، بل كثير الصبر وكثير الهبات أيضًا. عشت أحداث 2011 صغيرًا وشاركت فيها عن غير وعي، ولكن الآن، أنا واثق من تكرارها.
أعمق النتاجات المعرفية، التي عملت على التاريخ المصري، تلك التي اهتمت بالوجدان المصري وطبقات تكونه، وتشابكاته مع الإرادات السلطوية والمقاومات الجماهيرية. أنها فعلا رحلة طويلة، رحلة بناء السياقات الفكرية والاجتماعية، والتي بدورها تفسر وتفكك شفرات الكيان الملغز والمبهم؛ لأن نكون مالكين لا مملوكين في مصر المحروسة منذ نهايات القرن الثامن عشر وحتى الآن. رحلة كانت الثورة في قلبها ثمرة نهائية لمراحل تطور وعي ونضج المصريين بذاتهم الجماعية، ككيان واحد، له همّ ورغبة وحلم مشترك بالخلاص والامتلاك، حلم التحرك من خانة الرعايا الضيقة لباحات المواطنين الشريفة. الثورة هنا بوصفها؛ أكثر الأفعال التاريخية حيوية في وجدان المصريين الحديث- على الأقل، وقدرة على التعبير عنهم كذات جماعية - ولو مؤقتا. فلماذا إذن يثور المصريين، ومتى يثورون؟ لكن الأهم هل كانت الثورة في تاريخ مصر الحديث، مجرد هبات وجمل اعتراضية، لم يكن لها ما بعدها، أم كان الحراك الثوري بمثابة تراكم في وجدان الرعايا، انتهى بهم لأن يكونوا مواطنين، لهم الشخصية السياسية والقانونية التي تتعامل مع الوطن باعتبارهم ملاكا، لا مجرد مستأجرين. دراسة محمود حسين، وهو بالمناسبة اسم مستعار لاثنين من المفكرين والمناضلين المصريين وهما بهجت النادي وعادل رفعت، أجبرهم القمع السلطوي في الستينات لمغادرة مصر والاستقرار بفرنسا حتى أصبحا من كبار الأسماء في الوسط الثقافي الفرنسي. كما أنهما حصلا على دكتوراة الدولة من جامعة السوربون بالاشتراك سويا. تحاول دراسة محمود حسين قراءة تاريخ طويل خاضه المصريون للتحول من هامش إلى قلب الفعل السياسي والاجتماعي. كما يمكن اعتبارها، محاولة معتبرة لإعادة الاعتبار لأصل الأصول في تاريخ مصر الحديث؛ العلاقة المركبة والمرتبكة بين الحاكم والمحكومين. ومن ثم، فهي دراسة تحاول أن تلاحق التوتر السياسي والاجتماعي الذي يستبق عادة مراحل الانتقال المفصلية التي شهدتها مصر طوال تاريخها الحديث، بما يفتح لنا درجة من التبصر التاريخي لمكامن الحيوية والأداء الجماعي للفعل السياسي والاجتماعي وقت هذه التحولات. مسيرة طويلة خاضها المصريين ليتحولوا من مجرد رعايا، لتروس في ماكينة تحديث الباشا في القرن التاسع عشر، لمواطنين في القرن العشرين. مسيرة طويلة لم تخلو من دماء وبارود وانتفاضات وثورات، وتغيرات هيكلية في البنية الفكرية والنظرية والاجتماعية للتراتبية السياسية والطبقية التي شهدتها مصر في القرنين الأخيرين. مسيرة يحاول محمود حسين تفكيكها والعودة لأصولها التاريخية وبنيتها الأيدلوجية التي انتصرا فيها لصالح الجماهير في رحلة التحول العميقة على هذه الأرض. وعلى هذا الأرض تراكمت سرديات المقاومة للظلم السلطوي، مقاومات كان لها ما بعدها حينا، وكانت مبتورة أحيانا كثيرة. وبهذا، في هذه الدراسة الرصينة، محاولة لاكتشاف لماذا كان هذا أو ذاك.
يمثل الكتاب نقطة التقاء بين التاريخ وعلم الاجتماع في آخر مائتي عام في مصر، فيبدأ في مقدمته بتشريح نفسية المجتمع المصري عشية الحملة الفرنسية، ثم يسرد الأحداث متأملًا في وقعها على الفرد والمجتمع المصري فيتوقف مثلًا في الباب الثامن "مجتمع مزدوج" قبيل احتلال الإنجليز لمصر، موضحًا تأثير علمانية محمد علي وسياساته على نفسية وتركيبة المجتمع المصري.
نلاحظ ابتداءًا أن الصفوة المثقفة قد اختيرت ولم تختر. اختارها محمد علي وفرض عليها دراسة المناهج الغربية العلمانية، وبالتالي فهي لم تختر اتجاهها الثقافي، ويبدو أننا لازلنا في نفس المسار حتى يومنا هذا.
وقد فرض محمد علي على تلك الصفوة التبعية له فهو من خلقها، وبالتالي فقد انتزع ولاءها من الولاء للسلطان العثماني إلى الولاء له شخصيا. ولكن من آثار ذلك حلحلة الوضع الذي اعتبر الخليفة العثماني حاكمًا بأمر الله لقرون. فلما ضعف الخديو، خرجت هذه الصفوة عن طوعه وأصبح ولاؤها لأهدافها ومعتقداتها. وفي مرحلة ما، أصبحت ندًا له، وانتهت بعد عقود إلى أن تكون جزءًا من الكتلة الحرجة التي ستثور لتغير المعادلة.
من الملاحظات أيضًا أن سخرة الفلاحين في قناة السويس وتقنين حق الانتفاع أدوا لخراب الكثير من القرى فتحول الكثير من الفلاحين لعمال أجرة يعملون موسميًا في قرى أخرى أو انتقلوا للمدينة كحمالين أو باعة جائلين، ومن هنا بدأت الهجرة إلى المدينة، وازدادت معدلاتها خلال العقود التالية وحتى يومنا هذا.
ونجد أيضًا أن طبقة الأرستقراطيين المصريين الذين قضى عليهم عبد الناصر قد بدأت أساسًا مع سماح الخديو إسماعيل بتملك الأراضي. ولم يكن الخديو يعلم أن تلك الطبقة ستنمو حتى تصبح فاعلًا سياسيًا رئيسيًا مع ثورة ١٩١٩، وسيخرج من جلبابها كثير من ضباط الجيش المصري الذين سيهزون عرش أسرته بدءًا من عرابي، ثم سيسقطونه مع الضباط الأحرار وعبد الناصر.
وقد أبدع الكاتب في خلاصته عن عبد الناصر إذ قال أنه جمع بين محمد علي وبين سعد زغلول، فقد جمع بين صورة الحاكم بأمر الله الذي استبد بالحكم وسعى لبناء امبراطورية يتزعمها، وبين الزعيم الأب الذي جاء من الشعب ورفع قدرهم بين الأمم.
على الجانب الآخر، يركز الكاتب على سرد الأحداث السياسية الرئيسية، فيتخطى بذلك فترات الهدوء السياسي مع أنها، في رأيي، أفضل الفترات لتتبع أثر الأحداث التي سبقتها على المجتمع.
وتظهر أيضًا علمانية الكاتب بوضوح في اختياره لألفاظه ومراجعه. وقد حاول أن يخفيها أو أن يكون موضوعيًا في البداية، لكنها ما لبثت أن صارت مفضوحة في الثلث الأخير من الكتاب.
وأخيرًا، ومع وصولي لخاتمة الكتاب، فقد أثارت نهايته السعيدة حزني! فنحن نعلم أن الدنيا انهارت بعدها. أثق أن الكاتب يتابع الأحداث في مصر الآن ولدي فضول لأعرف تحليله لما آلت إليه الثورة، مع العلم أن الكتاب كتب بعد الثورة بسنوات وترجم بمساعدة الكاتب نفسه في ٢٠٢٣.
من الكتب اللطيفة اللي قريتها مؤخرا كان كتاب "صحوة المحكومين في مصر الحديثة من رعايا إلى مواطنين - ١٧٩٨/٢٠١١" للكاتب محمود حسين وترجمة د. محمد مدكور. قبل ما اتكلم عن الكتاب عاوز أوضح حاجة عن الكاتب محمود حسين، في حقيقة الأمر "محمود حسين" ده اسم مستعار pseudonym لشخصين هما المفكران المصريان "بهجت النادي" و "عادل رفعت" اللي استقروا في فرنسا منذ الستينات ووقعا بهذا الاسم المستعار عدد من المؤلفات التي أصدراها معا. كده يبقى مفهوم إن لغة الكتاب الأصلية هي الفرنسية، وهنا دور المترجم د. محمد مدكور اللي قدم جهد ملحوظ في الترجمة أوصل لي انطباع إن العربية هي لغة الكتاب الأصلية. فكرة الكتاب، كما هو ظاهر من عنوانه، هو رصد تغير نظرة المصريين لأنفسهم من الصورة النمطية كرعايا لحاكم وفق الإرادة الإلهية لا يجرؤوا على الثورة ضده إلى شعورهم بفرديتهم واستقلاليتهم الذاتية كمحكومين وقدرتهم على الاعتراض بصوت مسموع على الحاكم وعلى قراراته. اختار الكتاب لرصد هذه الفكرة الفترة الزمنية الواقعة بين دخول الحملة الفرنسية لمصر عام ١٧٩٨ وانتهى برصد أيام ثورة يناير عام ٢٠١١. عرض الكتاب بشكل مفصل لمقارنة بين فلسفة أنظمة الحكم لمحمد علي باشا وخلفائه والرؤساء السابقين جمال عبد الناصر ومحمد السادات ومحمد حسني مبارك. الكتاب كان ثري جدا وملئ بالأفكار والتحليلات المتميزة، ولم أندم على قرار قراءته. #صحوة_المحكومين_في_مصر_الحديثة #محمود_حسين
كتاب لطيف به بعض اللمحات الذكية, و لكنه لا يقدم الكثير. اسم المؤلف هو اسم مستعار لاثنين من الكتاب المصريين, هاجروا لفرنسا منذ السبعينات بعد القبض عليهم في زمن عبد الناصر.
منذ فترة وجيزة لا تتجاوز السنة رأيت في نفسي عزوفاً عن الكتابة التاريخية التقليدية فقد سأمت الحديث عن عصر الحاكم فلان ومعاركه وانتصاراته وهزائمه التي خلفه بها حاكم آخر نرجع لنعيد معه نفس الكرة، ونحن في هذا ننظر إلي الشعب باعتباره كائناً هلامياً يدور في فلك حاكمه وقليلا ما نستعرض تاريخ الشعب نفسه ونفسيته واعتقاداته المختلفة، ومن هنا اتجهت إلي ما أسميته التأريخ الاجتماعي حيث يُنظر للتاريخ من وجهة نظر صاحبه الحقيقي وهو الشعب نفسه، وهذا الكتاب من أهم الكتب التي وجدت فيها ضالتي وحققت به مأربي.
يتناول الكتاب تاريخ الشعب المصري بداية من زمن الولاية العثمانية والحكومة المملوكية حيث كان الشعب ينظر إلي حاكمه نظرة روح الإله في الأرض حيث لم يكن يخطر ببال المحكومين أنه يُحدثوا أي تغيير في هذا النظام الإلهي الثابت وإن حدث واحتل هذا النظام لسبب ما فقد كان الشعب يتحرك لهدف واحد وهو إعادة هذا النظام إلي أصله، وتابع الكتاب تطور هذة النفسية الجمعية حتى زمن الحكومة المباركية التي توَّج الشعب معانات�� تحتها بأطهر حدث في تاريخه الحديث وهو ثورة 25 يناير 2011 حيث كان الهتاف: "الشعب يريد إسقاط النظام).
ومما لاحظته من خلال قرائتي أن هذا الكتاب وإن كان يتَّبع سرداً زمنياً في تناوله لتطور العلاقة بين الشعب وحاكمه إلا أنه لا يمكن قراءته كفصول متتابعة يفضي بعضها إلى بعض وإنما هو خريطة أفقية تتضح معالمها فصلاً تلو الآخر حتى نصل إلي الصورة النهائية.
كنت أود أن أكتب مراجعة تفصيلية ولكن سأكتفي بهذة المراجعة العابرة حالياً إلا أنه لا يفوتني أن أشير إلي بعض النقاط: 1) المصادر التي أوردها المؤلفان في نهاية كل فصل هي بمثابة كنز عظيم لمن يريد التعمق في موضوع الفصل وأظن أنها ستصاحبني لفترات طويلة قادمة.
2) لم يعجبني في الكتاب التلويح بأن منطق التفكير المنهجي العلمي هو مكتسب غربي يجب أن يصل له هذا الشعب الجاهل وأن ينفض عنه غبار اللاهوتية في التفكير حتى يخرج من طور التخلف والتبعية، وهذه فكرة أرى فيها احتقاراً لا أعلم له منبعه.
3) جاءت ترجمة الدكتور مدكور ترجمة بديعة جدا ولم أشعر في أي وقت بأنني أقرأ عملاً مترجماً وإنما تقرأ وكأن الكتاب وُلد عربيا وهذا شيئ يجب الإشارة إليه في وقت سادت فيه التراجم التي تجعلك تلعن سلسفيل الكاتب والكتاب لأجل رداءة الترجمة.
4) طريقة التحليل في هذا الكتاب أسرتني تماما حيث أنني رأيت فيها غوصاً إلى حد لم أجد مثله منذ فترة طويلة فالكتاب يمسك بفكرة قد تظن أنها واضحة وتحتاج إلي قليل من الشرح إلا أنه يتعمق في دراستها وتحليلها حتى تشعر أنك وصلت إلى قاع محيط هذه الفكرة، وكثيرة هي المرات التي توقفت فيها عن القراءة لأصفق بصوت عال عقب غوصي معه في فكرة معينة فقد كنت أحس مع هذا الغوص بنشوة غريبة لا أجد لها تفسيرا.
كانت هذه نظرة سريعة وأتمنى أن أتمكن في يوم ما من كتابة تصوري الكامل لهذا الكتاب الذي أعتبره أهم كتاب قرأته هذا العام حتى الآن.
كتاب رائع عبارة عن رحلة عبر التاريخ لرصد علاقة المصريين بالحكام منذ أيام المماليك حتى العصر الحديث ويرصد أسباب انتفاضة الشعوب وثورتهم على الحكام من قديم الازل وحتى ثورة يناير عادة ما نعتقد أن المصريين الذين كانوا يعيشون ايام الدولة العثمانية او ايام المماليك يرون الحياة مثل المصريين في العصر الحديث ولكن الكتاب أوضح لي الفروق الهائلة بين المصريين الذي كانوا يرون أنفسهم كرعايا والمصريين في العصر الحديث ورؤيتهم للرئيس كأب ثم رغبتهم في التحرر من السلطة الابوية والديكتاتورية في ثورة يناير اخر فصل من الكتاب كان عن ثورة يناير ورغم أنني عايشت احداث الثورة مباشرة الا انه جعلني اراها من زاوية جديدة تماما فهي حدث تاريخي وملحمي بالفعل وعلامة فارقة في تاريخ مصر وفي علاقة المواطن بالدولة فلأول مرة في تاريخ مصر يثور المصريون على الحاكم ويسقطون صورة السلطة الابوية ويطالبون بحاكم يحاسبونه ويعمل موظفا لديهم وما فعله المصريون في يناير لمحاولة تحقيق هذه الخطوة كان ملحمة وحتى بعد فشلت الثورة في تغيير نظام الحكم من جذروه فلقد كسرت صورة الرئيس الاب اما الخطوات التالية فسوف تحتاج لموجات ثورية اخرى
هذا الكتاب في رأيي هو تحفة فنية، مدخل تحليلي ممتاز ينقلك بخفّة من (رعايا السلطان العثماني) الى (شباب الميدان). يدرس علاقات الأفراد والجماعات التي يتكون منها الوطن، بمن هم في السلطة، يلقي الضوء على ملاحظات مهمّة وشيّقة وعن أحداث مؤثرة مع اعطائها وزنها الحقيقي في التأثير على التاريخ. يجب أن أتفق مع بهجت النادي وعادل رفعت (مؤلفي الكتاب تحت اسم محمود حسين) على أن الثورة كانت تتويج لكل مراحل تكوين الضمير المواطني عند المصريين، حتى قبل ادراكهم بالحدود التي تجمعهم وقبل تبلوّر مبدأ الوطن. يلخّص أيضًا هذا الكتاب تفاعلات ملايين البشر على مدى 18 يومًا في ميدان التحرير (وأحيانًا) بعض المحافظات، وينفي مغالطة "التفسير الواحد" التي يقع فيها أغلب الناس في تحليل الثورة.
اليوم انهيت كتاب صحوة المحكومين و قد تركنى بمشاعر متضاربة من تقدير تضحيات هذا الشعب العظيم فى سبيل الحرية و كم كان سابقا حكامه -وطنيين اومحتلين- باشواط كثيرة و كيف ان كل هذه التضحيات كانت تكافى بمزيد من الطغيان و القهر ان نظرة متشائمة قد ترى فشل الثورة الفرنسية لانها انتهت الى وضع الطاغية نابليون كامبراطور بديلا عن الملك لكن نظرة متفائلة تراها خطوة على الطريق الصحيح ان التفائل و التشائم لا محل لهما هنا بالنسبة للكتاب فقد استمتعت به باستثناء اخر جزء الذى طغت فيه الرؤية العاطفية على الرؤية الموضوعية انصح الجميع بقراءته و اعطيه خمسة من خمسة
كتاب مميز ويوحى بفصل جديد من القصه لم ينتهي بعد لانه كل ما ظن الحاكم أن علاقته بالمحكومين اصبحت فى مأمن ولا يمكن بأى حال من الاحوال سقوطه يأتى الرد سريعا من المحكومين أنه يعيش فى الوهم -لاحظ ايضا وجه التشابه بين فتره عبدالناصر وهذه الفتره ( بغض النظر عن شخصية كلاهما) ولكن فى طريقه التخلص من الخصوم وثم بعد ذلك اكتساب ثقة المحكومين فى بداية الفتره وبعد ذلك فقد ثقتهم وتدهور الدولة ومن ثم كانت النكسة - يوجد تشابه ايضا بين جميع العساكر أن جميعهم فى مناورات الوصول الى الكرسي وجميعهم بلا استثناء فشلوا فى إدارة الدولة وكل ما نجحوا فيه هو حفاظهم على السلطة
الكتاب جميل مكتوب بأسلوب أدبي رائع الكتاب تاريخي لكنه لا يهتم بالأحداث التاريخية بل بالمحكومين الذين شهدوا هذه الأحداث وعن تطور علاقتهم بالدين وبالحاكم لكن وقع في فخ الإطناب الزائد عن الحد في بعض المواضع خاصة تلك التي يركز عليها الكتاب بشكل اساسي وهي (وجدان المحكومين)
دراسة رائعة يتخللها بعض العيوب التقليدية من اعتبار محمد علي وأبناؤة رجال ذوو نظرة وإرادة وجايين علشان يبنوا دولة مصرية تنافس العالم المحيط، كذلك لمست في الجزء الأول احتكار للشعب بإعتبارهم غوغلء ونظرة سطحية للمؤسسات الدينيه ونظرتها للعلوم الحديثه فالقرن التاسع عشر.
كتاب رائع وممتع من الكتب القليلة النادرة التي تشرح المجتمع المصري في العصر الحديث بشكل شديد الدقة ويرصد تحوله من مجتمع رعايا الى مجتمع مواطنين ثم العودة الى ما هو اقل من الرعايا للأسف. عادة ما استغرق وقتاً أطول في قراءة الكتب السياسية، لكن هذا الكتاب استغرق وقتا اطول نظرا لما فيه من معلومات وفيرة وتحليل دقيق. كان أكثر ما آلمني هو الفصل الأخير الذي يتحدث عن ثورة يناير، ما أعاد إلى ذهني مشاهد رأيتها بنفسي لن يزول أثرها إلى آخر يوم في عمري الكتاب يتميز بأنه دراسة تحليلية تاريخية يركز على "المحكومين"، ويقدم رؤية فريدة لتاريخ مصر من زاوية الشعب، كما يقدم تحليلًا عميقًا لتطور المواطنة. يغطي الكتاب أيضاً فترة زمنية طويلة للغاية، مما يسمح بتتبع التغيرات ببطء وتدرج يمكن للمتابع للحياة السياسية في مصر أن يلحظها دون كثير عناء، وهو بذلك يكشف عن الجذور التاريخية للعديد من الظواهر المعاصرة. أنصح بقراءته بشدة.