حلمتُ بالنهر يطفو فوق جثتي كوّمت المدينةُ خوذاتها فوق رأسي، وأنا نائم بعد وردية الحراسةِ، قاتلتُ ألفَ ظلٍ لوحدي وخرجتُ منتصراً، بذراع وحيدة، وألف خطاب بعلم الوصول تتهمني كلها بأني أطلقتُ الرصاص في الجهة الخطأ.
من يمنحني اسماً حتى أقف أمام الله والشوارع ودموع الأطفال فلا أحس أني أذوب؟
بابٌ يناديني من بعيد وأخاف ما يخفيه، لكن لو بقيت هنا سأُدهس! ولو ركضت نحوه، سأتلاشى ولو انتظرته كي يأتي سأفقد قلبي، قبل أن يمسَّ أصابعي!
خارج جدران بيتي يتهاوى العالم تزداد هشاشة الأشياء يقترب الموت حتى أسمع دبيب قدميه من خلفي، ويصبح الناس أكثر عنفاً كأن العالم سيفنى غداً. رغم ذلك أخرج من بيتي أتنفس الهواء الذي يأتيني محملاً بالآهات أستنشقها واحدة بعد أخرى ليصبح حزني وحزن الآخرين واحداً...
في الديوانٍ قصيدة أبهرتني؛ تُسبر غور سجون الرجال المحمولة في دواخلهم، التي ما أن يكبروا حتىٰ تُمنح لهم كهبة مستحقة! وكيف يُسرق منم الطفل الذي كانوه ومعهُ يُسلب حقهم في أن يمتلكوا عيوناً مغرورقةً بالدموعِ مرة أخرىٰ، ياللعار أرجُلٌ يبكي؟!! في نهاية القصيدة يُعبر الشاعر ببراعة عن الحقيقة المُغالية في مرارتها:
لكننا في عتمة الوحدة نفتح الأبواب للطفولة والدموع.
وفي قصيدة أخرىٰ عن التشبث اللعين بالسجن الأول، ذاك الذي خرجنا منهُ، ولكنهُ أبداً لن يخرج منا، يقول في مقطعٍ منها:
كلما واجهتُ باباً أحسستُ بالألفةِ ورسمتُ لهُ الزنزانة والسجّان. ذكرني هذا المقطع بالبيت العظيم لعلي عاشور: يخافُ أن أفقد خوفي تعبُ الطفل ولا يبقىٰ شيء!
أُضيف كذلك بعضٌ من الأبياتِ التي وقفتُ أمامها منبهرة وأطلت عليّ منها السيدة العزيزة دهشة..
وجعي في ذاكرتي لكن شفائي لم يكن أبدا في النسيان.
وبقيت ذاكرتي فارغة، إطار للزمن أطل منهُ عليّ..
ثم وحيداً أمشي داخل قلقي لأراني أتزاحمُ حولي كلنا أنا، ولا يعرفني منا أحد.
عينان مُحتقنتان بالقلق
فأنا الهش الهامشيّ المهشم لا أبني غير خرابي.
صار الخواء أرضي.
ذات يوم كنا نحرقُ آخر كومة خوف تسدُ طريقنا أمام الله فأخبرنا الأنبياء بالوكالة أنَّ الأرض سيرثها الخائفون
وأنا أدجج جسدي ليومٍ طويلٍ من الركضِ في شوارع تمحو خطواتي.
بعض القصائد لم تَصلني، لم أفهم بعضها، ولم أستشعر الآخر..
أسكن خوفي، فلا يزورني أحد أربتُ على ضعفي، فيسكن. أنام، فأتركه وحيدًا يجول في الغرفة وحين أصحو أراه في الزاوية يحدق فيّ مثل ذئب حزين. / أترك عمري يتساقط؛ ولظلي الذي يستند شريدًا على الجدار أن يستوقفني ليسألني عن جدوى العيش وهل لو كنا افترقنا في صبانا والتقينا بعد عشرات الندوب سنعرف بعضنا؟! /
قالت المرأة التي عيناها مدينتان: كل صباح أقشر عني الأنوثة في مدينة شاحبة، وفي المساء أطرز الوحدة. أنا خائفة ومتعبة، خائفة وحزينة، خائفة ويتيمة في جسدي، وجسدي مدينة بلا مفاتيح
يكمن سحر الشعر في اختزان تشبيه من كلمتين أو ثلاث معنى كبيرا مدهشا، مشكلتي مع هذا النوع من الشعر -الغالبية العظمى منه- هي أنني أشعر أن الكاتب لا يملك فكرةً يريد التعبير عنها أو معنى يراوده، وإنما يعرف لغةً فيصوغ منها التشبيهات والاستعارات فحسب.
ديوان رائع! ————————— « وجعي في ذاكرتي لكن شفائي لم يكن أبدًا في النسيان. أنا في مكاني، وكل خطوة في التيه مكاني، أراقب عمري يمرّ أمامي كأنني أحلُم فهذا أنا، ربما، وأنا طفلٌ لم يعرف بعد أبجدية الفقد. »
« خارج جدران بيتي يتهاوى العالم تزداد هشاشة الأشياء يقترب الموت حتّى أسمع دبيب قدميه من خلفي، ويصبح الناس أكثر عنفًا كأن العالم سيفنى غدًا.
رغم ذلك أخرج من بيتي أتنفس الهواء الذي يأتيني محمّلًا بالآهات أستنشقها واحدةً بعد أُخرى ليصبح حزني وحزن الآخرين واحدا. »