ديوان يتأرجح بين هواجس القلق بجراحه، و حيرة الذاتية والوجود النفسي في تفاعله مع البشرية، والأشياء، والوعي، والطبيعة، تعيد تشكيل العالم خارج امتداداته المباشرة في المنافذ الحسية . والعبور الشفيف كالغريب مع أشخاص لا تعرفهم. ووجع المرايا بين صورة الآخر -الغيرية- في أعيننا و صورتنا المتمثلة في عينيه، بين أنا وهو، و أنا ونحن! " فلكي نعيش ونضمن بقاءنا نحن في حاجة دائمة إلى التسلل إلى وجدان الآخر." وظل المكان بمسافاته القريبة البعيدة في الكلمة العابرة بمفرداتها تخوم الذاكرة المثقلة بالحنين. وما يقود إلى التأثير في هوية الكينونة ذاتها.
”متعَبٌ يا رفاقُ من الضوءِ أحتاجُ: ليلاً، وصمتَ رصيفْ.“
”أسيرُ هنا في مكانٍ تعجُّ تفاصيلُهُ بالحكايا وتشهَقُ فيه الزوايا. الأماكنُ موسومةٌ بالحنينِ الأماكنُ ـ كلُّ الأماكنِ ـ ترتدُّ فينا وتخطو بداخلِنا تتجوَّلُ في الذاكرةْ.“
”أبي نحنُ بعدَكَ نبحثُ عن وجهِكَ القمريِّ ونزْعمُ أنَّا نرَى شَبَهاً في الوجوهِ ونرسمُ فيها ملامحَ وجهِ أبي.“
أُحبُ كلَّ الشعرِ وإن لم أُحبه كله. كعادتي مع منشورات تكوين، أجدُ ما أُحب نغمه ومعناه، أجدُ ما يشبهني، وأجدُ ما يُثير عواطفي، لكن العمل ككلٍّ سرعان ما ينساب من ذاكرتي.
تبنى نصوص الشاعر حسن النجار في هذه المجموعة على موقف حائر من الوجود مشكك فيه ذلك الشك الأزلي الذي حمله الإنسان مذ بدأ يتساءل عن أسباب وجوده.
في البدء حيرني العنوان قليلاً ولكني مع القراءة أدركت المغزى منه ، فنحن أمام ملمح يشي بانقسامٍ ما يعيشه الشاعر .. يزعزع طمأنينته ، فهناك كيان يمضي به في هذا العالم وهناك ذاته التي تثقل عليه بالقلق، والأسئلة التي ينوء بحملها ولكنها تتوارى أو يواريها هو عمداً خلف واجهة اليومي والاعتيادي فنجده حين يلج إلى عتبات الحياة يخفي ذاته المضمرة المتأملة ويخلع عنه تلك الظلال القلقة:
( الظلال التي تبعتنا إلى آخر الدرب ..مفتتتح العتبات استراحت..)
(ومنذ خلعنا الظلال على العتبات نسير بلا أي معنى)
وكأنه يتخلى عن ذاته تلك أو يلغيها ولكن إلغاءها يعني غياب المعنى ويصبح الواقع سهواً ..عبثاً.. لا طائل منه..وتصبح الحياة محض تكرار لمجريات نألفها ويعوزها ذلك المعنى العميق.
إنه إذا وكما ذكر في مفتتح الكتاب ( ينمو في الهامش / يتلاشى في المتن) وهو ما يخلق ثنائية جوهرية تنهض عليها باقي النصوص هي ثنائية الحضور والغياب الوجود والتلاشي الأصل و الظلال ، نلمحها تبرز وتخبو ..تلك هي لعبة الظلال التي ننجرف معها في قراءة هذا العمل.
ولا أحد يمتلك ذلك القلق سوى شخص مثقل بمسألة وعيه الوجودي ومشغول بأسئلة المعنى، وهو يذهب في بحثه هذا إلى أبعد مدى ممكن .. يتبع كل درب قد يهديه إلى ضالته ولكنه كلما اقترب منه كلما استعصى عليه..وكلما أدرك أن المعنى ربما يكمن في السعي ذاته لا في الوصول. هناك الكثير من مفردات العديمة المتناثرة في النصوص..الخواء..الاستسلام لسلطة القدر..الهباء..غياب المنطق..بل حتى الكلمات واللغة تدخل حيز التشكيك هذا ..في المقابل نجد أن هناك ذاكرة حاضرة بقوة في بقية النصوص هي ذاكرة الطفولة التي يتحصن بها الشاعر في هروب عكسي من واقع مبهم ..هو نكوص إلى الذاكرة التي تحميه من غياب المعنى المضمر للحياة ..حتى لتبدو وكأنها اليقين الوحيد الذي يلوذ به. ( للبداية عادوا..وعاد السؤال بنار اشتعالاته).وهكذا في البدء يكون السؤال ويستمر ولا ينتهي .. يبقى كأثر يشهد على وعينا الحقيقي بذواتنا وماحولنا.. النصوص في هذا الديوان تحمل بعداً فلسفياً عميقاً .. وفي كل قراءة كان تتكشف لي إشارات ودلالات أخرى .. نصوص بديعة وعذبة ..ومُربكة .
من محاسن المهرجان الدولي لشعراء الشباب في الصين أني تعرفت على الأنيق الأستاذ الشاعر الإماراتي/ حسن علي النجار وقد تفضل علي وأهداني ديوانه (نخلع الظل على عتبة الباب).
حسن من الشعراء الذين يكتبون كل أنواع الشعر العمودي والتفعيلة وقصيدة النثر.
من أول صفحة يبحث عن أسباب للهروب: يبحث عن أسباب للهروب -من كل شيء تقريبا- لا يهرب من أحد، إنه يهرب من ذاته..
حينما يكون لا مرئيا وينمو في الأماكن المعتمة: ينمو في الهامش، يتلاشى في المتن..
هناك أمل لكن بجانب الأمل منجل: كلما نبت الأمل يترصّده منجل
تتلاشى الجهات ليبحث عن البوصلة: هنا يتناقض كل اتجاهٍ ومازلتُ أبحث عن بوصلة
يعود بقلب تشرّب الحنين: إني أعود، ولكن بقلب تشرّب بالغائبين أغيب، وكأسي مترعة بالوجوه
حسن ماذا يملك؟: إنه لا يمتلك غير نافذة.. إذن، امتلك المشهد كله..
ماذا يحتاج؟: متعب يا رفاق من الضوء أحتاج: ليلا، وصمت رصيف
وما هي القصيدة عنده؟: ها هي بنت الحياة تسير وتألفها الطرقات وإن مسّها الضوء تنمو كسنبلة في نهار مصيف
الشاعر كان وما يزال طفلا صغيرا:
على عكس خطوتي الوادعة يركض الطفل في داخلي يتقافز في خفة يتوسّل جمع الصغار -وهم يلعبون- بأن يقذفوا نحوه كرة راغبا في هروب لطفل يكبّله بين جنبيه
لكن: أوبّخه بعصا العمر أجلسه هادئا
وكعادته ينزوي خائفا في طفولته الضائعة
إنه يبحث عن أبيه في كل الوجوه: أطيل التأمل في وجه شيخ كبير وأبحث في وجهه عن أبي
أبي نحن بعدك نبحث عن وجهك القمري ونزعم أنّا نرى شبها في الوجوه ونرسم فيها ملامح وجه أبي
حتى فنجان قهوته يمسه الشجن: يدنو، فيشهق، يتلو: ربما وعسى ينأى، فتزفر بالتأفيف أضلعه
فنجان قهوته قد مسّه شجنٌ فمنذ دهر ولا فنجان يقرعه
وفي الدّلال كلامً كلما ذرفت بُنّا شجيا ولكن.. من سيسمعه
لو كان جُبّا لقلنا: رُبّ قافلة تأتي على بهجة الأقدار ترفعه
تمر مثقلة بالغيث ذات ضحى لكن.. إلى حيثما قد كان ترجعه والروح قد هرمت من فرط ما انتظرت ورقّ حتى سؤال الوقت يوجعه
ماذا لهم وماذا لنا؟: لهم الطيور والسماء ولنا أن نجمع ريشنا المتساقط..
ما الفرق بين حسن قديما والآن؟: قديما.. كنت أؤمن في طريقي أبارك خطوتي وأسير جلدا ويومض في ارتحالاتي بريقي أغازل في طيوف العمر مجدا وما استسلمت في يوم لضيقٍ وكانت صبوتي برقا ورعدا
وأما الآن: يهزمني سكوني وأُوهَمُ أنها سمة الحكيمِ
نعم، أدري، تحاصرني ظنوني وشكّي صار في أسفٍ نديمي
أحاول لو اعود إلى جنوني ولو أحظى بشيء من قديمي
وأختم ببيته الفريد: ويظلُّ كالنحّات في إزميله دهرا صبورا ثم يبدع ناحتا
لقد استمتعت بهذه الرحلة الفريدة في هذا الديوان المتخم بالجمال.
الكتاب من إصدارات منشورات تكوين الكويت عام 2023 يقع في 103 صفحات من القطع المتوسط.
اسم الكتاب حقيقي جميل، وهو شدني لما أبجد اقترحه عليا وقت ما كنت بدور على كتب. الكاتب حقيقي متمكن من اللغة بطريقة عظيمة، وأوصافه حقيقي جميلة، وكنت مستمتعة بجد بالطريقة اللي بينسج بيها القصايد، وبيربط بيها الأوصاف، وبيضيف للمعاني معاني تانية بتمكنه. أكتر قصائد عجبتني هي:
تجولٌ في الذاكرة رصيف ذاكرتان قرية تنتظر كالجدات خواء في سيرة الكمأ مساء منهك عابرون دي مقتطفات جميلة من المجموعة الشعرية: -"كوجه الماء خطوتُهُ ارتباكٌ ومن وحى السكون له جلالُ" -"روحه تَتَرهلُ من أثرِ الوقتِ مثل حبالٍ تراختْ على صفحةِ الماء يلهو بها قارِبٌ مهمَلُ" -"والليل في صمته ههُنا يثملُ" -"تقذفه خيبة نحو أخرى ويشربه أملٌ كاذب يرتدى بأناقِتِه سأماً" -"إني هنا أتجرّع كأس الحضور أراوغ عمراً سيكمِلُ شمعته النازفة" -"هنا القلب مسبحةٌ من خرز. يتساقط منفرطاً حبّة تلوَ أخرى على وَقع ذكرى، وأصداء أغنية، وروائح تفلتُ كالبوح" -"والروح قد هرمت من فرط ما انتظرت" -"لهم الطيور والسماء، ولنا أن نجمع ريشَنا المتساقط" -"شحاذٌ يقفُ على الأبواب يطلبُ ضوءاً حتى يسدَّ به رمقه"