«سِفر التَبَّة» هو ثاني أجزاء ثلاثية «أسفار مدينة الطين»، العمل الروائي السادس للروائي سعود السنعوسي.
كلمة الغلاف الخلفي:
«لو أبحرت إلى الدِّيرة في الحال على طريق خطوة الخِضر عليه السَّلام، تصلُ بعد منتصف اللَّيل. وهُناك في الوَطْية، اخلع نعليكَ وادخُل الماء عند ارتفاع أذان الفجر. واجعل صخرة الخِضر وراء ظهرك، وقِف حينما يُحاذي الماء سُرَّتك. وبعد سماعك آخر كلمةٍ من الأذان اِبدأ بعدِّ الموج.. واحدة.. اثنتان.. ثلاثة.. حتى إذا ما أقبلت الموجةُ السَّابعةُ ادخُلها تَبَّةً كاملة، ولا تخرج وإن انقطع نفَسُك.. حينها فقط تتحقق مطالبك يا ولد شايعة».
ارتبك سليمان:
«لا أخرج وإن انقطع نفسي؟! هذا موتٌ ثانٍ يا أُم صَنْقُور!».
Saud Al-Sanousi is a Kuwaiti novelist and journalist, born in 1981. His work has appeared in a number of Kuwaiti publications, including Al-Watan newspaper and Al-Arabi, Al-Kuwait and Al-Abwab magazines. He currently writes for Al-Qabas newspaper. His first novel THE PRISONER OF MIRRORS was published in 2010 and won the fourth Laila al-Othman Prize, a prestigious award for novels and short stories by young writers. He won the first prize for his story 'The Bonsai and the Old Man' in the Stories on the Air competition organised in July 2011 by the Al-Arabi magazine with BBC Arabic.
Also: * WINNER OF THE INTERNATIONAL PRIZE FOR ARABIC FICTION (known as the 'Arabic Booker') * WINNER OF THE STATE OF KUWAIT PRIZE
"الشك لو أحسنت معافرته كان سبيلك إلى الحقيقة. والقلق في ما بينهما أول قطاف الفهم. والكآبة آخرها. والخيال منجاة. أما الجنون يا صاحبي فهو محاولة العقل الأخيرة لرفض واقع غير محتمل، في عالم لا معقول."
يستمر الانبهار بكل حرف في الرواية، ويتصاعد الجانب الفلسفي والفكري أكثر في هذا الجزء
"أردت أن أكبر كي أفهم، لأن الملا عبد المحسن صب في أذني: تكبر وتفهم. وكبرت وكذب من قال إني ما فهمت. بل إني عشت ما يكفي لأفهم أني لن أفهم"
"أن يودع اسمه في ألسنة الناس نظيفاً، كأنما لا يدخل الجنة لو أمسك عليه الناس نقيصة"
استمتعت بكل كلمة... منتظرة الجزء الثالث على أحر من الجمر
المفتتح مشوق و متناسق جدا” مع الجزء الأول . لافتة لطيفة لأم كلثوم ص١٩ .
نظرة سعدون لسليمان أنه يفقه أكثر منه عندما حفظ القرآن ، فكرني بسيدنا سليمان عليه السلام “ففهمناها سليمان” . تسارع الأحداث و المفاجأت بدأ بعد رواد المنسى (الحوطة) و الحوار الدائر بينهم ، لتأخذ الرواية منعطف آخر ، يتميز سفر التَبّة بمشهدية عالية ، تأثرت بحالة الصاجة “أم حدب” عندما شعرت بكبر سنها و انتزاع لقبها كصاجة . أحببت أيضا” مونولوجها الداخلي و مشاعرها .
استمتعت بفصل (٢٨ )؛ العنكريز و الحوار الدائر عن الكتابة و التدوين . دهشت لما حدث لمبروكة و تأثرها بالسيدة “مريم” . شعرت لوهلة أن سيف الرضيع لم يحترق و هناك مفاجأة ، و حدث بالفعل .
مشاهد التجهيز بالحرب ضد الإخوان كانت مجسدة أمامي ص٢٠١ ل ص٢٠٧ ، و أيضا” مشهد 🎬 المركب في وصفه الرقيق ،أكثر من روعة ص٢٠٩ .
ذكر مكان “مقام الخضر “ ، أثارني ، جعلني أبحث عن مكانه في "الجوجل "لأجده موجود في الكويت ، و يعتبر من الأثريات . فهمت معنى كلمة “التَبّة” ، و هي من أصل خليجي ، و هو المكان الذي ذهب إليه سليمان و كان محور الأحداث .
تفاصيل ووصف في الفصل( ٣٦ ) لتعطينا معلومات إضافية لِم حدث في المعركة و زودت سرعة إيقاع الرواية ، و إيضاح تلك التفاصيل فهمتها من خلال تدوين الرشيد، من خلال تقنية الرجوع بالزمن .
الخوف من نظرة الناس و آرائهم ، تضيع علينا كثير من قراراتنا المصيرية ،و ذلك ما حدث مع “سليمان “ عندما لم يتأكد من صحة قول أخوية فضة في الرضاعة و استسلم بترك عائلته و رغبته في رؤية ابنه ، و ذهب للصاجة “أم صقور “ ، لتساعده للموت .
“الموت” منه من يخافه مثل “سعدون” ، و منه من يريده مثل “سليمان” . الكل يبحث عن العباية ؛ بودرياه ، الإخوان ، حقيقة منصور و ماذا حدث له ..رمزية العباية هنا ؛ معرفة الحقيقة ، و الحقيقة تستلزم مجهود كبير للإنسان من الممكن أن تأخذ عمره كله في البحث .
أحببت أسطورة “المولاف “ ، اعتقد انه موجود في التراث الكويتي ، يتمثل بالعودة كما ذكر في الجزء الأول و تلميح بسيط عنه هنا في الجزء الثاني عند انتظار “شائعة “ لسليمان .
تأكيد على فكرة مدى تأثير الناس بالخرافات مثل رؤية أنواع من الطيور كنوع من الفأل “المولاف” أو طيور تبعث الحظ السيئ مثل طائر “الغاق” ، أو وضع حرز يحمي الشخص و هكذا ..
موت البلبل بتلك الطريقة البشعة في نظري ، إشارة ما سيحدث لاحقا” لحجم حريات الشعب و بالأخص الشباب .. و كعنصر تشويقي ، ماذا يحدث بعد ؟
قفلة الرواية مشوقة جدا” لجذبنا للجزء الثالث ، بطرح سؤال ، هل ما كتبه “صادق أبو حدب” حقيقي أم خيال ؟ و ما فرق الخيال بالواقع فيها ؟
أكثر شيء أحببته في الجزئين ، تشكيل الكلمات ، أستمتعت قارئة جدا” بالتشكيل و نطق كل كلمة ، و فهمت أيضا” معانيها ..
شكرا” سعود على المجهود ، و أين الجزء الثالث ؟ في انتظاره جدا” ♥️😍🙏
تصاعد إيقاع الحكاية على صوت أنين فضة و سليمان و مونولوجات سعدون و تهويمات الصاجة ام حدب و هوامش محرر و زارة الإعلام و القفلة الذكية جعلتني أكثر تحمسا لسفر العنفوز.
تستمر الدهشة في الجزء الثاني من أسفار مدينة الطين ، نستكمل الصعود الدرامي للأحداث ، نعرف المزيد عن الشخصيات ، مع تلك الخلطة العجيبة للسرد ما بين كاتب الأسفار و شخصياته . يستحوذ التاريخ على الخط الرئيسي لأحداث هذا الجزء ، مع استمرار تلك الهالة من السحر و الخيال تارة متصدرة الصورة و تارة في خلفيتها .
و مع النهاية الخاطفة فإلى الجزء الثالث بكثير من الحماس و الترقب .
أحاجي اليابسة والماء ما تلقيه ذخيرة أيام الوعي و الخرف على كاتب أسفار مدينة الطين
" و ابتسم كاشفا عن صف أسنان سليم لولا سقوط أحد أنيابه ، سألته كيف تدخلني الحكايات في مشكلة ؟ و مع من ؟ " " مع نفسك "
يُحسب لأي كاتب تفرده في مشاريعه الأدبية ، كما يُثمن " تركيزه " على قضايا معينة ، أو مِهاد حكائي خاص تتحرك فيه الأحداث ، و الكاتب الكويتي سعود السنعوسي في عمله الراوئي الجديد المعنون بـ أسفار مدينة الطين و الصادر بجزأيه الأول و الثاني عن دار " مولاف " ، يمازج بين التجربتين – التفرد و التركيز – عبر تقنية السرد حمال الأوجه . إذا أنه يقدم في هذا العمل جِدة على المستوى الفني في الوقت الذي يعود فيه – كطير المولاف – إلى مِهاد المكان الحكائي الزاخر بـ : المُحاكاة – التخييل – و التمثيل بالأسطورة . دون أن يُحصر فضاء الرواية في هذه الثلاثة مفاهيم . تشبه الرواية غرفة منسقة بدمى ماتروشكا – دمية في قلب دمية – و حكاية في جوف حكاية ، أو ربما التعبير الأنسب هو : خرائط تقود إلى خرائط و دليل يعزز أثر دليل ، ثم أحداث " تتناظر" في مرايا السرد لتصل إلى مستوى يفوق الترميز إلى بُعد آخر قد يسمى " ترميز الترميز " ، ولا مبالغة في تأكيد استحالة إهمال أي تفصيل بل أي سطر حتى يتماهى التلقي مع روح العمل و يقترب من حِيله مستعملا طاقة وعيه القصوى ، و مع ذلك لا يمكن القول أن العمل بتجريده من الحيل يٌخفق في تحقيق هدف السرد الأول و هو الإمتاع ودهشة تتبع الحبكة ،إذ بالإمكان أن يُتلقى على مستوى الحكاية الواضحة ، تلك التي تدور في حقبة مٌهملة من تاريخ الكويت ، وتتعرض لتفاصيل معارك معروفة كمعركة الجهراء أو مجهولة كمعركة " حمض " ، و تجول في بيوت الطين بمكابدات بقائها و عوزها و صراعات شخوصها المتعددة و المنساقة إلى مآزق الهوية كما في حكاية سعدون و خليفة و عاموس بن شاؤول و مبروكة ، و شظف المعيشة كما في قصص الغاصة و أثقال ديونهم ،و متاعب انتظار عودة سفن الغوص على اللؤلؤ كما في حكايات انتظار النساء المتشحات بالسواد على السيف المشتاق أو مواجهات الغاصة و أهل " الخشب " لمزاجية البحر و غدر سكّانه ، و تتعرض أيضا إلى ثقافة المهاد الروائي بطبيعته المتوجسة من كل جديد أو دخيل كما في تعالقه مع أفراد البعثة الطبية التبشيرية الأجنبية و غيرها مما يُحرز الهدف الأبلغ للقص .
كون من سرد :
كعادة الناص يبتكر كونا روائيا يسعى لاكتماله الذاتي حتى يوشك أن يوقع متلقيه بظنة التجريد الأقصى من كل علائق الواقع ، كأن الرواية بعناصرها : -المتجانسة : كما في محاكاة تاريخ المكان و حوادثه و جغرافيته . -التخييلية : كما في ابتكار أحداث من الخيال تُبتنى على شخصيات و عناصر من الواقع حيث ولّد الناص من خلال شخصية إلينور كالفري و الشيخ سالم بن صباح و السيد القزويني و غيرهم تفاعلات سردية ترسم ملامح النص و تدير أحداثه . -المتضادة : كما في الاشتغال على المواريث الأسطورية و تضمينها في جسد النص بحيث تشكل عجلات محركة للحبكة. -المتناظرة : كما في تطوير العناصر إلى رمزيات تناظر رمزيات أخرى بحيث صارت ( مبروكة الأولى تناظر القطة إلينور ) و ( أم اللوه تناظر أم صنقور و سمكة العنفوز و ربما الشايب أيضا ) و ( بئر برقان النفطي يناظر برقان أبي العجائب صاحب المقام الخفي في الصحراء و أبي الملوك السبعة ) ..و بالتأكيد غيرها الكثير . -التمثيلية : كما في تشكيل ملامح النص من خلال : أ-عناوين الفصول التي تتفاعل مع المتن بعلاقة ناظمة لتحريك الحدث فلا يقتصر دورها على التمهيد له بل يمتد إلى المكاشفة و الإشباع و الإحالة أحيانا كما في العنوان الذي تصدّر فصول " الخرف " الهاربة من مذكرات كاتب الأسفار ، فلا تأتي كلمة الخرف عبثا بل لصنع الإحالة و قابلية التأويل ، فهل يكون الشايب إفرازا لمخيلة الكتاب صادق بوحدب ؟ خصوصا حين يتشارك مع شخصية " أم اللوه " بوصف مميز و هو فك أسنان منظم يخلو من ناب ،و هو الوصف الذي تشاركته " أم اللوه " مع أم صنقور و من ثم تشاركت مع سمكة العنفوز بوجود الثؤلول . و أم حدب هي الشخصية المحورية التي تدرك بكامل وعيها أنها شخصية تتحرك في فضاء رواية يكتبها كاتب الأسفار ، و يحرص " الشايب" على تنبيه الكاتب ألا يعبث معها و يستهجن صورتها المكتوبة كامرأة حدباء برصاء يستفز الثؤلول النافر في وجهها الناظرَ إليها ، و التي يعطيها الكاتب اسمه فتصير " الصاجة أم حدب " و هو صادق بو حدب : كاتب يعنون مذكراته المكتوبة عتبة للأسفار بـ : فصول الخرف ، و يبدأ بدوره بالشك بذاته في قفلة السفر الثاني ، ويتبع دعوة الشايب إذ أكد له أن الرواية تصنع " له" مشكلة خاصة مع نفسه ، فهل يضمن كاتبنا " الأعلى " لفظة الخرف في هذه الفصول عبثا ؟ ب-مقدمات الفصول الشعرية التي شكلت تمهيدا و تصورا أوليا يوضّب المكان الروائي . جـ-انطباعية الخطوط المائلة و الفراغات و التظليل و بتر النص و ما يوحي بمسودات العمل و الملاحق و السيرة الذاتية للكتاب الضمنيون كـ ( كاتب الأسفار و محرر وزارة الإعلام و محاورات الشخوص المرتفعة إلى كاتبهم العالي ) . د-اللوحات التشكيلية لـ مشاعل الفيصل و التي تمثل نصا موازيا للعمل و أحيانا مكملا له ، كما في فصل انتحار سعدون . وليس القصد أن الكتابة المجردة لم تكن هنا كافية لفهم الحدث حيث أمكن من خلال استنطاق النص بعنوانه و متنه و حواشيه و معاودة تدبره الوصول إلى المعنى غير أن اللوحة بدت عنصرا مكملا و مساعدا لجعل عملية التلقي أكثر انسيابية .. من خلال كل ذاك بدت الرواية كونا مستقلا بذاته ، يسعى لاكتماله و يقطع صلته بالواقع أو يكرس له واقعا خاصا بحيث يعيش المتلقي الرواية بالرواية ، منغمسا بعالمها .
تناسق الأحاجي وصولا لسؤال القضية الكبرى :
تتشكل رواية أسفار الطين بجزأيها وفق منظومة الأحاجي و الحيل ، و تصل بقارئها عبر هذه البنية السردية التي تنسق بين وظائف الرواية و عناصرها بصورة مبتكرة ترفع من مستوى التلقي إلى ذروة وعيه ، فتصير الأحجية بابا للسؤال و السؤال باب للتأمل ، و التأمل محاورة ذاتية خالصة لقضية الرواية الكبرى التي أظن أنها تدور حول العلاقة الجدلية بين الإنسان و قدره. إن سؤال المصير حيّر سائله و بعثر استقراره ، و انعكس ذلك على كل شخوص الرواية التي تكابد – من خلال وعيها الذاتي – وصولا إلى الطمأنينة . فالصاجة أم حدب – التي تعي كينونتها الروائية - تقايض كاتب الأسفار بالانصياع لتنفيذ خطته التي تراها ذنبا عظيما للتخلص من حدبتها . و سعدون الذي يغرّبه حب الرب عن سمت أسرته فيتيه بين قبول المصير و الضلال و يسعى للمغفرة الأبوية المشروطة بإثمار الصوف ، و هذا الحدث بالذات صنع مفارقة لافتة في العمل ، إذ أن كاتب الأسفار تحنن على سعدون المارق و أثمر في أرض المنسى الصوف الذي لا يثمر دلالة متجلية على المغفرة . و سليمان الذي يشقيه قبول المصير فيلتوي عليه بالغرق قابلا بمغامرة الموت و الحياة منصتا للصاجات اللاتي كان يحكم على نبوءاتهن بالبدعة التي تصل إلى الكفر . أليس هذه الصور هي واقع الإنسان و ملامح علاقته الشائكة مع قدره بين عبثية الشك و ألم القبول ، أو سلامة الفهم و طمأنينة الرضا . لقد تضمنت الرواية في متن سردها مقاطع هامة ، و دالة ، تستمر في محاورة ذلك القدر العالي المرمز بكاتب الأسفار ؛ مقاطع يظهر فيها وعي الشخصية الكامل حين تناقش كاتبها ، تجادله و تضيف عليه لتكمل الصورة ، أو تخطئه أحيانا و تسكته . و في محاورة ساطور العرد ص 274 ينتقل كاتب الأسفار من تقنية سرد الراوي العليم إلى الخطاب المباشر لساطور في خطفة مدهشة ، تكشف تبلبل ساطور الداخلي ، و امهزاميته المغلفة بالقسوة و الخيانة ، إذ يستمر الجدال ما بينه و بين كاتب الأسفار إلى الإفضاء إلى اللعن ، و تلك انتقالية مدهشة ، لم تعتمد من الناص ترفا إنما من خلالها – فقط – تتكشف أعماق الشخصية و مآزقها عبر سرد لا يميل إلى الوصفية النمطية . تلك الاشتغالات التجريبية في الرواية رفعتها إلى مستوى أعلى في التلقي ، و هذا هو المقصود باحتياج المتلقي إلى كامل وعيه المتحفز من خلال تلك الأحاجي و المحاورات و بنية الرواية التجريبة بشكل عام .
مرور عابر لعناصر الرواية :
إن الحديث عن مسطرة العناصر في الرواية يعد عبثا في هذا العمل ، فمع ذلك الاشتغال التجريبي ، و ذلك المستوى الذي وصلت إليه الرواية ، قد يكون من الترف التطرق لخط الزمان الذي بعثره الرواي بين الحاضر و الاستباق و الاسترجاع الجواني و البراني . أو أن يتم التطرق للشخصيات بأبعادها و رمزياتها ، خصوصا إذا وصلنا إلى نتيجة حتمية مفادها : ألا( مكون ) في الراوية يعد هامشيا . إن مكونات النص من : 1- مهاد مكاني متعدد بين البحر ، و اليابسة ، و الحاضرة و جزيرة فيلكا ، و البيوت ، و وعي الشخوص ، و مكتب كاتب الأسفار .. 2- زمن مرن قابل للتمدد و الضغط و العبور أحيانا كما في الأثمون .. 3- شخوص تمتد لرمزيات .. 4-أشياء محركة للنص و ذات دلالات و إحالات كما في : ماء الغريب – صخرة الساحل السوداء -البيص – قلادة الأضلاف - عصا أم حدب - صولجان أم حدب و غيرها .. 5- كائنات متعددة واقعية و أسطورية لا تُقحم في النص عبثا إنما تحركه أو تساهم في تجليته و تصير إما عناصر متناظرة مع شخوصه أو كواشفه مثل : طيور الغاق ، سمكة العنفوز ، قطط خليفة ، بلبل شاؤول ، شيوخ البحر الستة – السبعة .. 6- لغة متولدة من صميم المكان ، قادرة على المحافظة على فصاحتها في الوقت الذي تعزز فيه انتماءها إليه ، فالمفردات مشبعة بنكهة المكان ، مُحيلة إليه ، قادرة على صنع التناغم بين المكان و الحدث و اللغة و حوارات الشخوص ، بل تكمل صورة الشخصية في ذهن المتلقي من خلال ألفاظه و تقنيات حواره و المفردات التي تحمل طابع اللهجة بفصاحة كاملة .. إن تلك المكونات تنسجم في لوحة السرد لتكمل بعضها ، دون أن تُقحم فترهل النص أو تخرق كثافته ، و قريبا من هذا التفصيل ؛ يستمر الناص في بناء نصه قافزا على توقعات الممكن و اللاممكن في العمل الروائي ، مقدما باشتغاله التجريبي هذا معايير جديرة بالتأمل في الكتابة الروائية . و بجزأي أسفار مدينة الطين : سفر العباءة و سفر التبة ، ثمة نص يحمل وجهي الاكتفاء و الجوع ، الاكتفاء بنص يفضي من جوهره إلى جوهره و يكمل ذاته بذاته ، و الجوع إلى مطاردة الحيل والأحاجي و الأسئلة الملقة تطلعا للجزء الثالث المرتقب .
تستمر قصة اسفار مدينة الطين في الجز الثاني وتستمر الاحداث الغريبة في الديرة. تتداخل القصتين ويلتقي كاتب الاسفار احد شخصيات روايته فتختلط الحقيقة مع الخيال.
سفر " التبة" الجزء الثاني مما ( يفترض ) أنه ثلاثة السنعوسي ( أسفار مدينة الطين) وبالمناسبة كلمة تبة من الكلمات الشعبية المندثرة لدينا في ساحل الخليج شرق السعودية وكنت اظن أنها من العامية التي تبدلت لدينا نتيجة المخالطة ب ( طبة ) فوجدت معناها غارق في البحر والمياه والغوص وشؤونه ___________________________________ بعد أن أسهب الجزء الأول " سفر العباءة" في شرح العادات والتقاليد والمشاكل السياسية والدينية والاجتماعية وغاص في تفصيل الشخصيات حتى فهمها القاريء و بدأ يعرف دوافعها ردود أفعالها من تاريخها ، فكان لكل فعل وسلوك وشخصية مبرر من ماضيها الذي يبدو الوجه الآخر لحاضرها ، وربما مستقبلها ايضاً بعد أن مر بنبوءة الصاجات ______________________ الأحداث تسير متسارعة على عكسها في الجزء الأول كانت تمشي بتؤدة وهدوء وإن كان القاريء قد أخذ وقته في سفر العباءة فسفر التبة لن يترك له هذه الفرصة نتيجة الأحداث المتسارعة والمشوقة _________________________ تبدأ نبؤات الصاجات حول الشخصيات بالتحقق سيف وسعدون وعبدالعزيز الهذار
وبقية الشخصيات تحقق جزء من نبوئتها
______________________ في فصل غابة الصوف انتابني الدوار مع سعدون ، وهو يمشي في غابته ولم أفهم مالذي حدث حتى قلبت الصفحة 313 ، وفي صفحة 314 ، شرحت مشاعل الفيصل مالذي حدث برسم اظن أن غيري من القراء شاركني نفس ردة الفعل بشهقة الفزع ، والصمت لدقائق قبل اكمال الرواية ( إن كنت تقرأ هذه المراجعة ولم تقرأ الرواية بعد لا تبحث عن الصفحة)
_______________ في ناقة صالحة راودني سؤال هل كان هناك ناقة خلوج فعلاً ؟. وفي سفر التيه كما سفر العباءة شككت في وجود جزء ثالث ، وحينما قرأت تعليقات القراء في مراجعاتهم كان هناك من يشك في وجود جزء ثالث ؟ _______________________________ لدي تساؤلات لم تحل من كانت المرأة ااتي اخذت طفل فردوس ؟ ومن كانت هيلة التي زارت ام صنقور؟ مالذي حدث لسليمان ؟ ________________________ ماذا لوتوقفت الأجزاء عند هذا الحد وبقيت هذه التساؤلات وغيرها من دون اجابة؟
خشيتُ أن يكون العمل منصِّفًا للأشياء فلا هوَ تنتهي فيهِ الحكايات ولا هيَ تبدأ، وإذا بهِ يُجيب عن جميعِ علامات الاستفهام التي تركها مُعلّقةً في السِّفر الأول، وعندما أقولُ ها قد انتهى كُلُّ شيء وانكشفَ ما كان مستورًا، أصفحُ الصفحة الأخيرة، لأجدَ علامات الاستفهام الكثيرة التي ظننتها أُجيبت أخيرًا، لم تكن سوى علامة فاصِلة، تفصلُ بين الأسفارِ في معنًى مُتصل، ولا نهايةَ تلوح في الأفق حتى تُوضع النقطة.
في سِفرِ التبّة اتضحت معالِم كُ�� الشخصيات فلم أعُد أُطيلُ التفكير في علاقتها ببعضها، وكنتُ ألهثُ مع الصفحات لأنها كانت تلهثُ بدورها في ركضٍ في الأحداث خِلتُ معهُ أننا نكادُ ننتهي من فكِّ العُقَد وإذا بها تتشربكُ وتتعقدُ أكثر، ورغم كثرة التشويق في العمل إلا أنه يحافظ على متانة النص وصلابته ورصانته، لغة روائية عجيبة تحبسُ الأنفاس.
للحواراتِ النصيب الأكبر في هذا السِّفر وهو ما يجعلُ العمل مُكمِّلًا لسابقه، إذ كان الأولُ مُهيئًا لمسرحِ الأحداث وكثيف الشرح والإسهاب في وصف الأماكن والشخوص، وفي هذا السِّفر يصيرُ المسرحُ مشتعلًا بالأحداث. كشف زيف الصاجات وخرافاتهم، وأن كُلَّ بشري حتمًا يستخدمُ كُلَّ أدواته حتى ينال مطلبه، وكيفَ يُباعُ الوهم ويشترى في سبيل نيل المطالب. حوارات الإرسالية مع الوفد البريطاني تكشفُ ما لا أزعمُ فهمه، وليست نوايا نظيفة على كُلِّ حال، وكذلك الحال مع واقعة الجهراء، وأظنُّ وُجدت هذه الأحداث في الرواية حتى تُضفي على العمل ما هو حقيقي، وأن التاريخ حكى يومًا عن صاجاتٍ وعن أسفارٍ وأبناءٍ راحوا ضحايا هذا كُله.
العملُ ملحمي كثيف، وكتابة المراجعة أمرٌ شاق، إذ لا يُمكنني أن أحتوي كُلَّ تفاصيله -ولستُ أسعى-، ولا أدري حقًا ما الذي ينتظرني في السِّفر الأخير..
انقطعتُ عن الروايةِ طويلًا مع بقاءِ أقل من مئة صفحة على إتمامها، وحين أحاولُ الآن تقييمها أو مراجعتها، فيصعب أن أفعلَ ذلك بموضوعيّة، وعلى كلِّ حال، فكون هذا الجزء منصِّفَ السلسلة، والأحداثُ فيه تابعةٌ لما قبلها ممهِّدةٌ لما بعدها، لم يكن على مستوى أعلى من سابقه.
مما أذكره أثناء قراءتي هذا الجزء انزعاجي من التغيّرات الكبيرة الحاصلة للشخصيات ومسرح الأحداث الذي اعتدته في الجزء الأول -وليس هذا بعيبٍ في الرواية-، وشعوري بالمللِ في الفصول التي ضمّت في طياتها الحربَ لأنني -وبكلِّ صراحة- ما فهمتُ هذه الحرب وجدواها إلى الآن.
لعلَّ أكثر الفصول التي أثارت حماستي وفضولي نحو قراءة المزيد هي الفصول المقتطعة من مذكرات صادق بوحدب (الرواية خارج الرواية)، لكوني ألمس فيها حقيقةَ شخصيات الأسفار، وأنها ما كانت حبرًا على ورق -ولو في الرواية-.
أما عن جوانبِ الرواية الأخرى، كاللغةِ والسردِ والوصف، فلا أملكُ أكثرَ مما ذكرته في مراجعة الجزء الأول، ويكفي أنَّه رغم تململي من بعض الفصول والأحداث، إلا أنَّها لم تخلُ مما يثير فيَّ سؤال: ماذا بعد؟
بانتظارِ اكتمالِ الصورة في سِفر العنفوز الذي أترقبُ قراءته كما أخشى وداعَ السلسلةِ في الآن ذاته.
لمحات سياسية واجتماعية لكويت تحت عباءة سالم الصباح وسيادة بريطانيه! معركة الجهراء وآثارها، بناء السور الأخير لعله يكون مانعًا لهجوم اخوان من طاع الله! إرسالية تحاول زرع بذور التنصير ورفع الصلبان! أمراء وعبيد وأحرار وطبقية تشكل المجتمع الكويتي! عالم البحر واللآلئ والصيد، ومشاهد انتظار عودة الغواصة حكايات الجن و تنبؤات الصاجة وأساطيرها! الحوطة منفى المنبوذين من المجتمع المحافظ!
لطالما آمنتُ بأنَّ الكتابة الحقيقية هي التي تهزُّ فينا الأمان وتجعلنا في قلق، وهذا بالضبط ما توهقتُ به في «سفر التبة»؛ فمنذ أن أدخلني السنعوسي في دهاليز عوالمه وجدتُني مثل مسافرٍ تتلاعب به أمواج الحقيقة المرّة، وتصدمه مجاذيف المكاشفة التي لا ترحم. فهل نحن الذين نبني المدن فعلاً، أم أنَّ طينها هو الذي يعيد تشكيلنا؟ - ولكوني باحثاً لا يمرُّ على الأمور مرور الكرام - وجدتُ الإجابة واضحةً بين السطور؛ إذ أرى أنَّ السنعوسي قد أرَّخ بذكاء لهزيمة الإنسان أمام قطار الزمن وانتصاره الذي يتخيّله من خلال الذاكرة. ولقد مسّني وجعٌ كبير وأنا أتابع «صادق بوحدب» وهو يغزلُ خيوط موته بيده، فأدركتُ حينها أنَّ التبة ليست سوى رمزٍ يسخرُ من شهوة السيادة التي تداعب خيالنا البسيط، وتجسيدٌ لذاك الخوف من (الزلقة) أو الانحدار نحو الهاوية. السنعوسي يغوصُ في قلب الخلافات الصغيرة جداً ليُرينا من خلالها بشاعة الكوارث الكبرى؛ فيكشف ببرودٍ كيف لـ (وشوشة) عابرة في سِكيك المدينة أن تلوِيَ عنق التاريخ كله. إنها روايةٌ تواجهنا بحقيقة أنَّ الطين الذي نستهين بضآلته هو أصل بقائنا، وأنَّ كل لَبِنَة تُهدم من كيان المدينة ينهدم معها ركنٌ أصيل من ذاكرتنا المشتركة المثقوبة؛ وهنا السرُّ في الأثر الطاغي الذي حَفره هذا السفر في وجداني
وأيُّ دوخة أجمل من أن يضيع القارئ في عمل مراوغ، تذوب فيه الحدود بين الواقع الصريح وخيال المؤلف؟ إنَّ قراءتي لـ«سفر التبة» تجعلني أجزم بأنَّ السنعوسي قد وضع قواعد جديدة لما يُسمى بـالواقعية السحرية، لكن بنكهة خليجية كويتية قديمة جداً، نبش فيها عن أساطيرنا اللي نسيناها مع الوقت. لقد أعطى السنعوسي للريح حنجرة تصارخ وللأرض ذاكرة ما تمحيها السنين وللظلال حكاوي تجمع بين الخوف والاستئناس في وقت واحد؛ لدرجة أني صدقت وجود «صادق بوحدب» أكثر من تصديقي للناس اللي أشوفهم في يومي. فكل صفحة في هذا السفر تخشُّ وراها دهشة، وكل فصل يفتح لنا دريشة على عوالم مليانة بالغموض. لقد نجح السنعوسي بنَفَسِه الطويل ودقته العجيبة في بناء عالم غيبي خاص بمدينة الطين؛ يجعل القارئ يحس بوجود قوى خفية هي اللي تدير المشهد وتحرك الخيوط من وراء الستار.
وحين أطبقتُ غلاف «سفر التبة» داهمني شعورٌ بالفراغ؛ إذ استقرَّ رأيي النهائي على أنَّ هذا العمل هو حزنٌ يزدانُ به وعينا وتزدانُ به رفوف مكتباتنا. لقد تركني السنعوسي مثقلاً بالأسئلة وهذا في ظني أسمى ما يطمحُ إليه الأدب العظيم. شعرتُ بأنَّ هذا السفر هو وصيةٌ مودعة للأجيال تخبرهم بأنَّ هذه الأرض لم تكن يوماً لقمةً سائغة أو سهلة المنال، هي شبرٌ سُقي بمرارة العرق ودموع الانتظار الطويل. وأقرُّ بأنَّ السرد الممتد الذي انتهجه سعود هو بمثابة تمرينٍ على الصبر واحتفاءٍ جليلٍ بالتفاصيل؛ يعلمنا أنَّ زبدة الحياة وجوهرها يكمنان في تلك الرحلة الطويلة الممتدة بين الولادة والغياب. وستبقى ثلاثية «أسفار مدينة الطين» في نظري علامةً فارقة في مسيرة الرواية العربية؛ لقدرتها الفذة على استعادة هيبتنا الإنسانية عبر تسليط الضوء على انكساراتنا المنسية التي طمرها ركام الطين. لقد سافرتُ مع سعود ولم أعُد من تلك الرحلة بعد، فثمة جزءٌ من روحي لا يزال يسكنُ التبة، يرقبُ الأفق، وينتظرُ الأسفار القادمة
متابعة للجزء الأول سفر العباءة وفي هذا الجزء تتابع الأحداث بين الملاحم البطولية لإنقاذ البلاد بشعبها وأميرها ولكن تمت محاصرته في الجهراء بعد ما خرج اليها ليدافع عنها وينقذها. وقد عمل الامير حيله حيث أخرج فارسين ليطلبوا النجدة من أهل الكويت وقد قام الشيخ أحمد بن أخ الامير الصباح بالذهاب عبر البحر للجهراء، ومن الامور التي حدثت هو تبادل الادوار بين عطا الله وأخيه، ونتمنى ان نرى في الجزء الثالث نهاية الصراع والحصار ايجابيا. وأكثر ما أسرني في هذا الجزء هو نفوق أم حدب الى النار والعذاب وخاصة بعد ما عملته في فضه وزوجها سليمان وأمه شايعة البستهم مصيبة عظيمه وفرقت الأحباب ولكن أم حدب جعلت صاجه جديدة خليفتها . سليمان قد اخطأ عندما هرب من البيت ولكن ليس هناك عقل اذا حلت المصيبة ولم يدري ماذا يفعل وقد جعل الى كلام الناس الموقع الأكبر في عقله وقلبه وحصل له ماحصل. تتأزم الاحداث على سعدون وينتهي بنهاية مأساوية لو أنه سلبي في حياته جدا ولم يقتنع بشي صحيح ابدا حتى جاور فعل المنكرات بدل اثبات الامور بطريقة اخرى. تجري الاحداث على مبروكة وحبيبها وترجع الى امراضها وعزلتها في المشفى وهي التي تعتبر من الذين غيروا دينهم. لقاء الكاتب مع طفل جزيرة فيلكا ويروي حكايته شي جدد احداث الرواية وجعلها في ترقب الى ما سيحدث في الجزء الثالث. الرواية جميلة وتعطي نظرة الى تأريخ الكويت والحوادث التي حدثت في تلك البلاد في حوالي سنة 1920 وماتبعته من اعوام ، حوادث المعارك ،النزوح الى الكويت والاستقرار فيها ، الانجلينز والامريكان ومحاولة التبشير والسيطرة الكلية على البلاد والعباد،حياة الكويتين وطرق العيش فيها وغيرها من أحداث وفيرة ، بعض الايحاءات الجنسية والوصف الواضح بدت مزعجة نوعا ما.
كيف يمكنك الكتابة عن دهشة تنخر الصدر؟ هذا هو السِّفر الثاني من أسفار مدينة الطين، بعنوان سفر التبَّة. إن كان سفر العباءة يبحث في الجذور الأولى للحكاية، فإن سفر التبَّة يغوص أعمق، إلى ماهو أبعد من الذاكرة، حيث تبدأ الحكاية ألف مرة قبل أن تُروى.
العمل لا يكمّل سابقه فحسب، بل يعيد قراءته من زاوية أكثر حميمية وأشد وجعاً. يضع المرأة في زاوية الحكاية، لا بوصفها ظلًّا أو صدى، بل أصل الحكي ومنبعه، وصاحبة الصوت الذي يُردّد على مدى الصفحات ما لم يُقل في الأسفار السابقة. المرأة الأم والزوجة والعمة والأرملة وحتى العاهرة. وفي الزوايا الأُخر يفيض العالم من الطين، ومن الذاكرة والقهر، فتتناوب الأصوات على الحكاية: الصاجات اللواتي حفظن الأسرار، والرجال الذين تاهوا بين البحر والصحراء، والأرض التي تشتعل بأمنيات وأحلام انقطع نفسها.
لغة النص كانت البطل الحقيقي: جمل قصيرة، متوترة، تتعاقب بتصاعد محموم، تتنفس بسرعة وينسلّ توجّس، حتى تفيض بالمعنى على قلب القارئ. لا تكتفي بوصف الحدث، بل تصنع إيقاعه، كما لو كان الكاتب يكتب بالماء والطين معاً. يوازن السنعوسي بين الحسّ الشعبي والكثافة السردية، بين الشفاهي والأسطوري، ليخلق أغنية طويلة لا تشبه سوى نفسها، أغنية تمسك برقبة القارئ من أول سطر، ولا تنبجس عنه حتى النهاية.
ما يميّز سفر التبَّة أيضاً أنه نصّ حيّ، تُحس به ينبض كلما واصلت القراءة، مجنون ومشحون ويكاد يسرق عقلك. نص كهذا لم أستطع قراءته دفعة واحدة، بل على دفعات. تركت صفحاته فيّ أثراً أشبه بالندبة، صدعٌ ينزُّ قيحاً كلما تذكّرت أحداث شخوصه.
العمل لا يغلق دائرة الحكاية، بل يفتحها على احتمالات جديدة للقراءة والتأويل، أكاد لا أستطيع الانتظار حتى أقرأ السفر الثالث؛ سفر العنفوز.. ولا أدري هل سأنتهي منه أم سينتهي مني.
لكن هذا عمل مجنون. مجنون عن آخره 🖤 وأنا معجبة به حد الصراخ!
خلف السور الطينيّ الثالث، مطلَّةً على ساحل الخليج شرقًا، تجيء مدينة الطين ممهورةً بأبناءٍ خلَقهم سعود السنعوسي في فضائه الروائيّ، وصيَّر لهم حيواتًا كثيرة يرويها كاتبُ الأسفار الثلاثة. في ملحمةٍ كانت بدايتها عشرينيات القرن الماضي، ذات أبعاد تاريخية وثقافية ملتبسة، معجونةً بأساطير البحار وعوالمه التي تُضفي لونًا فانتازيًا بجوار عددٍ من السرديّات التي تُعالج قضايا وهموم أبناء المكان؛ صراعات الهويّة باختلافاتها، الدين، السياسة، الظروف الاقتصادية وتأثيرها على الفرد آنذاك، وغيرها.
شرعتُ في قراءة أول أجزاء أسفار مدينة الطين قبل عدَّة أيَّام، في الذكرى السنوية الأولى لإطلاق الثلاثية، وقد كنت أؤجِّل قراءتها لسببٍ لستُ متيّقنًا منه، ربَّما لحين صدور جزءها الثالث؛ "سفر العنفوز"، ولكن ما أعرفهُ هو أنَّي كنت أحاول ادّخار قراءتها لأطولِ وقتٍ ممكن، حتى لا أنتهي منها، أو تنتهي منّي، كحال بقيَّة مؤلَّفات سعود السنعوسي، الذي صنَع من خلالها مجدًا روائيًا يمهِّد له دربًا محفوفًا بالإنجازات، وصل به إلى هذه البديعة؛ الرواية الحُلم كما وصفها قبلي كثيرون.
-الأبعاد الزمنية- في أسفار مدينة الطين تجيء الأحداث متماسكة ومترابطة على الرغم من تفاصيلها العديدة بتعدُّد شخوص العمل، وتفرّع الحكايات والأبعاد الزمنية، حيث تبدأ الأحداث كما جاء في الرواية سنة ١٩٢٠ للميلاد، وصولًا لزمن كاتبها صادق بو حدب في ١٩٩٠، وقد نجَح الكاتب كما أتصوَّر في التنقِّل بين هذهِ الأبعاد بخفَّة، وكأنَّ بُعدًا يُفضي إلى آخر، ممكّنًا قارئه فهم ماضي الشخصيات وحاضرها دون أن يُشّتته، وحتَّى مستقبلها الذي عاجل به كاتب الأسفار قارئه؛ موشومًا في نبوءات عجوزه الحدباء.
-اللغة والأصوات السردية- من البديهيّ أنَّ صناعة عملًا روائيًا يتضمَّن عددًا ضخمًا من الشخصيات الرئيسية والثانوية ليس بالمهمَّة السهلة. إذ يزخر هذا العمل بشخوص متنوّعة عرقيًا ودينيًا وثقافيًا، بالإضافة لكائنات أسطورية متخيَّلة. وقد حظيت كلّ شخصية على صوتها الخاصّ، القادر على تمييزها وصنع خصوصية لها.
وعلى الرَّغم من أن الرواية تُسرد في معظمها بالصوت الثالث؛ كما تخيَّلها كاتبها صادق بو حدب، إلَّا أنه كان لتداخل أصوات بقية الشخصيات، أن يعمّق فهمها للقارئ، دون أن يطغى صوت أحدها على الآخر. كالطبيبة إلينور في مذكّراتها الشخصية، إذ ترصد أحداث مدينة الطين وتدوّنها من منظورٍ فرديّ، انطلاقًا من ثقافتها كمسيحية جاءت للعمل في بيئة تشذّ عن أعرافها، ومبشَّرةً في الوقت ذاته. بالأضافة للخطوط المائلة، التي تكشف عن الصوت الداخلي للشخصيات، موغلةً في أبعادهم النفسية، دون أن يتعنّى كاتب الأسفار في الكشف عنها بشكلٍ مجانيّ.
بجانب اللغة، إذ يبرع السنعوسي في سرد العمل بلغة شاعريّة بالغة الجمال، مع قدرة وصفية لا متناهية، وحتى الحوارات التي كُتبت بالفصحى، تجيء متَّزنة وذكيّة للحد الذي لم يُفقدها محليّتها.
-شخصيات العمل- في العادة، وحين قراءتي لأيّ عملٍ روائي، تحتلّ شخوصه وبيئته المكانية حيّزًا كبيرًا من ذاكرتي.
في أسفار مدينة الطين، تقبع شخصياته وأماكنه في أعماق النفس والذاكرة. لكلّ منهم خصوصية ورمزية، ولعلّ أكثرهم وقعًا وتأثيرًا هو "سعدون". سعدون صاحب الحوطة أو المنسى كما يُحبّ أن يسميها، والذي شكَّل دورًا مهمًّا تمثَّل في صراع الفرد مع المجتمع وأعرافه وثوابته التي يتعفَّفُ عن التسليم بها والانسياق وراءها، وصراع الفرد مع الربّ، ومع الذات نفسها. سعدون الخائف، الذي ما أحبّ شيئًا قط خشية خسارته، سوى الموت، الموت الذي سبقه به سليمان ولد شايعة، كما تفوَّق عليه صغيرًا في حلقات التحفيظ. هذهِ شخصية مخذولة حتى آخرها، الغائب الذي ما أراد أن يصحو، بين العربدة والمنسى، وترانيم الكفيف، وأحضان بهيجة. ويستعصي عليّ تجاوز حواريته مع رواد الحوطة الثلاثة في الفصل السابع والعشرون؛ خليفوه وعاموس بن شاؤول وسركيس، يوم ناكفهم وأطلق أحكامًا عديدة على واحدهم تلو الآخر سرًّا في داخله، ثمَّ راح يناجي الله في لحظة تجلٍّ بفعل سكرته، على الرغم من أن "سعدون لا يسكر". وأجد بأنَّ نهاية سعدون مرضية إلى حدٍ كبير، إذ أثمرَ الصوف أخيرًا، ودُفن في المكان الذي يحبّ، وصار إلى المصير الذي تمنَّاه. "وشيَّعهُ ثلاثة سُكارى وصبيُّ صاجّات ... مسيحيٌّ ويهوديٌّ وعاهرةٌ وبَرَنْثَى."
والصاجَّة أم حدب، التي أعطاها كاتب الأسفار اسمه، وخطَّ مصيرها كما خطَّ مصائر بقية أبناء الطين، وظلَّ يشاكسها طوال المئة حول، وراحت تناكفهُ وتردَّد على الدوام: "لا تلعب مع أم حدب". ويقول هو: "أنتِ أنا فيما مضى .. أنا أنتِ فيما يجيء.. أنتِ الفاعلُ، وأنا القائلُ، وقائلُ الفعل بريء."
ويطال التنوّع بقية الشخصيات العديدة، سمفونيّة تشكّل لحنًا متّسقًا باختلاف نغماتها.
-معركة الهوامش- لعلّ هذه واحدة من أكثر الأشياء التي استمتعت بها وأدخلتني في نوبات من الضحك، شخصية الرقيب التي كانت حاضرة في الهوامش، وبقدر ما أضحكني هذا الرقيب، أزعجني وجعلني أشعر بالأسى بالقدر ذاته، لأنّ هذا الرقيب وللأسف، موجود، ويفكّر بهذا المنطق، طمس كلّ ما يخدش الحياء العام -حسب فهم الرقابة له-، ومنطق "احنا بخير، وكنّا بخير، والله لا يغير علينا"، ونستطيع أن نلتمس ذلك في عدد المرّات التي أنكر فيها عددًا من السرديات والعادات والموروثات التي رواها كاتب الأسفار عن أبناء مدينة الطين.
-كيف ينظر لنا الآخر وكيف ننظر له- هذهِ واحدة من الثيمات التي تكرَّرت في بعض روايات سعود السنعوسي، فيجيء سؤال كيف ينظر لنا الآخر البعيد وكيف ننظر له في ساق البامبو، والآخر القريب في فئران أمّي حصة. في أسفار مدينة الطين أجد السؤال حاضر أيضًا، ولكن بشكل متخفّف أكثر، يتمثّل ربما في بعض الشخصيات وطريقة تعاطيها مع الآخر المختلف، كالملَّا إبراهيم كريم العين وحربه على العاملين في مستشفى الإرسالية، وامتناع البقية عن اللجوء للعلاج لديهم. وخليفوه المنبوذ مجتمعيًا، لغياب الشعر عن وجهه؛ "البَرَنثَى" كما أطلقوا عليه. وأتصوَّر بأنّ هذا السؤال وإن لم يُطرح قصدًا، فهو سؤال أزليّ، يتورّط به أيّ نص حين معالجته مجتمع ذو خلفية متنوّعة.
ختامًا، هذه ليست إلَّا ملحمة ستخلَّد طويلًا، بكلّ هذا الاشتغال الفنّي والتوثيقي لمرحلة تاريخية فارقة؛ توثيقًا منقولًا عن أبناء مدينة الطين، مصحوبًا بكائناتها البديعة. ملحمة غنيَّة ومؤثّثَة بدقَّة، تشحذُ حواسّ الإنسان جميعها، بزُرقة ساحلها، وبيوتها الطينيّة، وترانيم شيوخها الستّة ونساؤها وصاجّاتها، وصراعات شخوصها، بمواء قططها وترانيم بُلبل اليهوديّ، بقروع الحرب وعرضة رجاله، بمذاق الهريس وخثرة السمك، ورائحة بخور اللبان.
نادراً ما أعجز عن كتابة مراجعة لرواية قرأتها فما بالكم بعجزي الآن عن كتابة مراجعة تليق بهذه الملحمة التاريخية لبلادي الكويت التي سطرها لنا قلم سعود السنعوسي بحبٍ لامس قلوبنا وأسر عقولنا 🥹💔.
هنا في سفر التبة عاد لنا المؤلف من جديد يحكي لنا التاريخ بتفاصيلة الدقيقة والتي بحثت عنها وأنا اقرأ فـ وجدتها حدثت بالفعل، بـ اختلافنا نحن الكويتيين سنة وشيعة وبدو وحضر أحرار وعبيد وبجذورنا وأصولنا المختلفة وبأسماء الشخصيات وبالأحداث من معركة الجهرا وسنة الجراد الثالثة والرابعة المطمورة بمسمى المدرسة الفيلكاوية وهدم مقام الخضر، لم يخطر في بالي يوماً أنني سـ اقرأها برواية رائعة كهذه.
غصنا هنا أعمق ونحن على اليال في أغوار سعدون الطفل الصغير الذي يتوق لغفران أبيه ورؤية وجه أمه المحرم عليه بـ جدائلها الطويلة ورائحة حنائها🥺، سعدون المطرود من جنة أهله بعد أن دأبوا على قول أنه جاء نتيجة غلطة بعد أخوته السواعد فكان مختلفاً عنهم يضج رأسه بالتساؤلات التي دون اجابة ليسكن بعيداً عنهم منفاه المنسي (الحوطة)، صحبه سليمان بعد أن فر خوفاً من كلام الناس تاركاً زوجتة فضة وإبنه ووالدته الساذجة وحدهم لمصيرهم المجهول ضحايا لألاعيب الصاجات وشريفة، خليفة وبس صاحب القطط وسر اخفاءه ابهامه و و و و…
أحداث متسارعة نلهث بقراءتها بعد هدوء وتمهل الجزء الأول، تتحق نبؤات الصاجات واحدةً تلو الأخرى ليختم لنا هذا الجزء ولا تنتهي الحكاية فالقادم يحمل مفاجآته الغير متوقعة
شكراً سعود على هذه المتعة التي قدمتها لنا ولا تطيل علينا الانتظار فالشوق لقراءة التتمة قاتل😅
اقتباسات :-
«يعود المؤلاف حُرًّا على هواه.. إن أقبلت عليه أدبر!» .
«أنها قِبلة للأهالي من المناطق المجاورة، خصوصاً جانبها الشرقي. تبدو لب البلدة في حدود السور خليطاً من أهل نجد والأحساء والزبير وعرب السواحل والفُرس والبدو، وفيها من الأفارقة والبلوش، وبعض العائلات اليهودية النازحة من البصرة وبلاد فارس و..» . . . . . . 18-01-2024