هي ست قصص يبدو لك للوهلة الأولى أن كل واحدة منها عالم قاسم بذاته، ثم تكتشف بعد القراءة أنها سلسلة حياة متكاملة، ولا يمكن تفكيكها على الرغم من تناولها موضوعات مختلفةً، تلتقي شخصيّاتها في فضاء مكاني مشترك، فما يجمعها هو ذلك القلق الوجودي الذي يؤرق الكاتب، ويجعلك تشعر به منذ اللحظة الأولى التي يخطو فيـهـا عتبة عالمـه المتخيل.أحلام تحولت أوهاما، صراح داخلي ينتجه صراع مع الذات أولا، ثم مع المحيط الخارجي ثانيا، في محاولة للخروج من شرنقة القيود المختلفة، فتتجلى ثنائية الأنا والأنا الآخر، الأنا الذاتية والأنا الجمعية، وبين هذه وتلك دروب طويلة شاقة تسلكها الشخصيات للعبور إلى الضّفّة الأخرى، حيث يصير اللاوعي المتمرد المكبوت وعيا قابضًا على زمام الإرادة فتتشكل رؤية جديدة إلى الكون تتسم باللامبالاة والسخرية من لعبة الأقدار، لكنها تصبح وهما تحيط نفسها بـه لتحميها من الوقوع في فخ التفاهة تارة، والرتابة تارةً أخرى، فالكاتب يعري نفسه ومجتمعه في آن واحد، لأنه واحد من كل صوت يسعى إلى تشكيل الوجــود عـلى قـيـاس نظرته، لكنّه يضعف أمام سلطة الكثرة، لذا فشلت معظم شخصيات قصصه في تحقيق برامجها السردية.
لستُ من هواة قراءة القصص القصيرة، وعادةً لا أستمتع بقراءتها لصعوبة خلق رابط معنوي يربطني بها، كما تفعل الرواية بتفاصيلها في بناء علاقة قرائية تتشكل لبنةً لبنة من خلال رحلة القراءة الطويلة نسبيًا مقارنةً بالقصة. لكن عرابي هنا نجح في خلق هذه العلاقة مع قصصه الست القصيرة، والتي تشعر بأنها سلسلة من الأحداث المتزامنة والمرتبطة ببعضها، لتدرك مع نهاية القراءة سرّ الترابط.
السلاسة والحسّ الفكاهي هما الميزتان الأوضح في الكتاب، ولكن النجاح الأكبر للقصص في رأيي هو خاتمتها، التي تؤكد سخرية المفارقات كثيمة أساسية ومتكررة في القصص الست. ويتجلّى عنصر الدهشة مع ختام المجموعة، وكأن كل قصة قطعة من أحجية تكتمل بها كل التفسيرات المختلفة لما يحدث في نفس البعد المكاني والزماني، ولكن الفرق كلّه في اختلاف الخلفيات الثقافية والاجتماعية والنفسية للمتلقّي.
الشخصيات في جميع القصص مألوفة، وتشعر أنك تعرفهم، تستطيع بسهولة تخيّل أشكالهم وطريقة حديثهم، وكأنك قد قابلتهم فعلاً هنا وهناك. يجتمعون جميعًا، باختلاف فئاتهم العمرية والاجتماعية، ليشكّلوا زوايا رؤية مختلفة لذات المشهد.
يبدو أن عبدالله يملك طموحًا عاليًا وروحًا ساخرة في مواجهة تفاصيل الحياة اليومية، وهذا ما ينعكس بوضوح في مجموعته القصصية “موت عادل”. القصص هنا لا تسير في الاتجاه المتوقع، بل تنقلب في نهاياتها بطريقة ساخرة تُشبه من يمدّ لسانه لك كقارئ بعد أن ظننت أنك فهمت اللعبة. الكتاب خفيف الدم، نجح في إضحاكي في أكثر من موضع، الفكاهة التي تنبع من واقعية المواقف وعبثيتها في آنٍ واحد.
لكن على الرغم من ذلك، شعرت أن الكتاب كان يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه. من حيث البنية، كان ينقصه بعض التماسك ليُصبح عملًا أكثر اكتمالًا، خاصة وأن فكرته الأساسية تقوم على ربط القصص ببعضها في شبكة واحدة تجعل القارئ يظن أنه يراقب الشخصيات من بؤرة واحدة. تمنيت لو أن الكاتب تعمّق أكثر في خلفيات شخصياته، خصوصًا المناطقية منها، أن يشرح مثلًا ماذا يعني أن تكون من شمال جدة أو من جنوبها، وكيف تنعكس تلك الجغرافيا على ملامح الشخصية وحياتها.
في المقابل، هناك مواضع كان من الأفضل أن يختصر فيها، إذ يطيل أحيانًا في وصف تفاصيل لا تضيف الكثير لمسار القصة. ومع ذلك، تبقى روح الكاتب واضحة وصوته حاضرًا بقوة، ما يجعلني متحمسة لقراءة أعماله القادمة، خاصة لو جرّب كتابة المسرحية أشعر أنه سيبدع في ذلك، لما يمتلكه من حس ساخر وقدرة على بناء الموقف الدرامي بخفة.
باختصار، الكتاب يحمل وعودًا كثيرة بما يمكن أن يقدّمه عبدالله عرابي مستقبلًا، فقط يحتاج إلى بعض الصقل لتتحول الموهبة الواضحة إلى تجربة أدبية أكثر نضجًا وتكاملًا.
بداية جميلة موفقة لعرابي .. أنا من كارهي القصص القصيرة جدا .. إلا إن الكاتب استطاع ان يخلق في داخلي فضولا بمتابعة القراءة .. القصص كتبت بأسلوب سلسل و يثير بداخلك فضولا و كانك تتابع الاحداث والشخصيات من نافذة المنزل .. و النهايات كانت عبارة عن كوميديا سوداء متحمسة جدا لعمل روائي بنفس القلم