يُقدم لنا «سليم قبعين» مجموعة من القصص الروسية الممتعة، والتي لم تقتصر أهدافها على التسلية فقط بل تعدتها ليبثّ فيها معارف كثيرة. ففي قصة «القروية الحسناء» لبوشكين ،نرى قصة الحب بين «أليكسي» و«ليزا»، وفي إطار القصة يعرض الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والتغيرات الثقافية في الريف الروسي؛ تلك الأبعاد التي كادت أن تقضي على قصة حب. أما في قصة «ليَّا» للكاتب بيتروشيفسكي، فيتداخل فيها الحب والسياسة والدين ،عن طريق عرض قصة حب بين فتاة جميلة وضابط حيث تتجلى في هذه القصة الآثار الاجتماعية للحرب العالمية الأولى، كما أكدَّ فيها على كره اليهود لروسيا. وفي قصة «أحد ملوك الجمهورية» لمكسيم غوركي، وإن كانت كثيرة الإسهاب والوصف فإنها أيضا تعد دليل موثق عن كتابات مكسيم غوركي الاشتر
سليم قبعين، مدرس وصحفي وأديب وشاعر ومؤرخ، ويعدُّ من أوائل المترجمين العرب الذين عرَّفوا القارئ العربي بالفكر والأدب الروسي —من لغته إلى اللغة العربية مباشرةً — في النصف الأول من القرن العشرين، حيث قطع شوطًا طويلًا في هذا المضمار. ومثل قبعين علامة فارقة في أدب عصره وشكّل الإتجاهات الأدبية والفكرية لتلك الحقبة.
ولد سليم بن يوسف قبعين بمدينة الناصرة في فلسطين عام ١٨٧٠م، وألتحق بدار المعلمين الروسية، وبعد تخرجه عام ١٨٩٦م عمل مدرسًا للغة الروسية في مدرسة «المجديل» الابتدائية. وكانت مواقفه السياسية المؤيدة للقومية العربية، والمعارضة للدولة العثمانية؛ سببًا في هروبه إلى مصر عام ١٨٩٧م. وعكف في مصر على تعلم اللغة العربية، ونشر مقالاته في عدد من الصحف كـ«المقطم» و«المؤيد» و«الأخبار» و«المحروسة»، كما أصدر عدد من الصحف مثل «الأسبوع» عام ١٩٠٠م، و«عروس النيل» عام ١٩٠٣م، و«النيل» ١٩٠٣م، و«الإخاء» ١٩٢٤م، كما أنشأ مطبعة «الأخاء».
كان من المدافعين عن المسحيين العرب في اليونان، ودعا إلى استقلالهم عن الكنيسة اليونانية، وأسس «جمعية القديس جاورجيس الخيرية». وأنتقد سماح الدولة العثمانية بتواجد البعثات التبشرية في فلسطين؛ حيث أكد انها أدت الى تقسيم الوطن، وعملت على تحقيق أهداف سياسية تؤدي إلى القضاء على الوحدة العربية.
ترجم الكثير من الكتب لعدد من أقطاب الفكر الروسي مثل «أنشودة الحب» لـــ«توجنيف»، وترجم عن «بوشكين» «ربيب بطرس الأكبر»، و«نخب الأدب» لــــ«مكسيم غروكي»، وترجم الكثير عن تولستوي مثل «حكم النبي محمد» و«محكمة جهنم». كما كتب عدد من المؤلفات كـــــ«مذهب تولستوي» و«الدستور والأحرار». وكتب أيضًا في الشعر العمودى والمرسل مثل قصيدة بعنوان «لوم الحاسدين من الخلاّن». كان قبعين متأثر جدًا بفكر تولستوي وحاول الترويج له فعمل على ترجمة العديد من كتبه كما كتب عدد من المقالات فى الصحف من أجل توضيح فكره.
توفي عميد المترجمين عن الروسية متأثر بداء السكر عام ١٩٥١م، تاركًا خلفه ميراثًا ضخمًا من الترجمات والمؤلفات والكتب؛ التي أثرت المكتبة العربية. حقًا أن قبعين النافذة التي أطل منها أهل عصره على الفكر والأدب الروسي أنذاك؛ ممهدًا الطريق أمام العلاقات المصرية الروسية.