"تذكرت تلك السيدة التي قالت لنا إن الأطفال يعيشون حتى بلوغهم في عالم غير مرئي يدعي مرقص القرد، وهو مكان واسع، وساحر، ومقبض، منه تأتي كل الأفكار، من الشعر وحتى القتل، وإليه تذهب عقول المجانين بعد أن يفقدوها، لكنّها لم تخبرني لماذا هو مرقص، ولماذا القرد".
تبدأ الدهشة في هذه المجموعة القصصية بالعنوان نفسه؛ إذ لا علاقة له بالقصص بشكل مباشر، ولا حتى يُعنون أحد القصص السبع بداخل المجموعة، فيجعلك العنوان تتساءل: ماذا عن اليد التي علقت المرآة؟ تلك التي لا نراها، فهي تعلق المرآة وتنشغل بأشياء أخرى، لديها أشياء أكثر أهمية من مجرد الظهور، وربما كانت هذه اليد هي الكاتبة نفسها التي علقت المرآة وجعلت القصص تواجهنا بحقيقتنا، وكأننا في رحلة لرؤية أنفسنا من خلال القصص، أو هكذا أدعي.
بدأت المجموعة بقصتين كان أجمل ما فيهما اللغة والتشبيهات والتراكيب اللغوية التي تجعلك تُعيد الجمل مراراً لتتذوق جمالها، ثم جعلتني القصة الثالثة أعتدل في جلستي -أو أكون أكثر اعتدالاً لأكون أكثر دقة- من شدة جمالها الكلي، استحوذت علي كلماتها، شخصياتها، تفاصيلها، فلسفتها الفريدة، حميمية السرد والطرح، وتلك الشفافية التي رأيت بها شخصياتها، ولم أقرأ حرفاً بعدها، قررت أن أختم يومي بها، في اليوم التالي، قرأت القصة الرابعة، ووجدتها ذات جودة عالية أيضاً، ثم التي تلتها، ثم التي تلتها، ثم الأخيرة، وأغلقت الكتاب وأنا أحاول أن أعثر على اليد التي علقت المرآة.
القصص تنوعت مواضيعها بين الغرائبية والواقعية السحرية ولمحات الرعب المتناثرة في تراثنا العربي بشكل عام، وفي اليمن بشكل خاص، حكايات أشخاص ستجذبك تفاصيلها، دقة رسمها، وجمال لغتها، عندما كنت أنهي كل قصة، كنت أفكر في تفاصيلها، بما تريد الكاتبة طرحه، ووجدت الامتاع حاضراً في كل القصص حتى تلك التي لم أقبض فيها على كل معانيها، وإن كان بدرجات متفاوتة. في إحدى القصص نبتت لإحدى الشخصيات حلمة في جبينه، وجعلتني الكاتبة أتقبل ذلك وكأنه أكثر الأشياء عادية في العالم، من شكل الواقعية التي تناولت بها الحدث، ودون الخوض في تفاصيل القصص بشكل أكبر، أرشح هذه المجموعة القصصية إذا كنت تبحث عن الدهشة والامتاع والسحر. اكتشاف مذهل ومجموعة قصصية رائعة، لا تخلو من دهشة الاكتشافات الأولى وأشياء أخرى.
تقييمي للقصص: (لأن بعض القصص أفضل من بعضها، هذه هي الذائقة)
1) الباب وأنا وعنايات أبو سنة: 3/5 2) نصف بصلة: 3/5 3) حديث عن الساعات: 5/5 4) لحظة كوداك عند لعبة الأحصنة الدوارة: 4/5 5) شعرة في صحن العالم: 3.5/5 6) غازي مع حبي: 3.5/5 7) صلاة مسعود: 4/5
قلم هدى حساس جدا وكتاباتها تتسلل إلى الروح. رؤيتها للعالم وتفاصيله تدهشني، وشخصياتها فريدة، من لحم ودم لكنها أيضاً تبدو وكأنها خرجت من القارئ. القارئ هنا يتأمل نفسه وحياته، ويكتشف أسرارا مخفية، أخفاها هو أو أخفاها الزمن. والزمن بالمناسبة في قصص هدى زمن سائل، أو ربما متقافز، خداع ومرعب وثقيل ومتحكم، لعل هذا أكثر ما يبرز في هذه المجموعة. شكرا للكتابة الجميلة..
مجموعة قصصية رائعة، ويمكن اعتبارها تركيبة جمالية لأحجية صنعتها هدى بيديها. فهي الوحيدة القادرة على تشكيل النص بهذه البراعة الساحرة. فهدى أخذتنا معها في رحلة إلى اليمن السعيد، حيث جغرافية الحياة التي لم نعشها في مضمارها. فنجد هدى أخذتنا في رحلة حيث عدن مركز وقرى اليمن. اليمن البلد الذي قد يبدو للبعض مجهول وغير معروف، لتُخرجه هدى بهذه الروعة. فالقصص كانت في بعضها رمزية ولكنها فضفاضة، تُشعر القارئ أنه يرغب بقراءة المزيد. أحببت قصة حديث الساعات فهي مزيج بين الحياة والحكاية، ومن منّا لا يُحب القصص؟
فالقصة هذه قائمة على سرد القصص، وبراعة سردها كذلك. ففي كل قصة كنتُ أتوقف عندها ليطرق السؤال على طرف جبيني أنى لقصة قصيرة كهذه تختزل الكثير والكثير. ففي قصة حديث الساعات حيث البطلة تمتهن الدعارة لسنوات طويلة، ولكنها حينما طُلبت لزبون نجد أن الزبون كان امرأة ترغب بسماع القصص، لكن ليست أي قصة، بل قصة البطلة بنفسها، وما إن تنتهي من سرد قصتها نجدها تترك عملها وذهبت نحو البعيد حيث الحياة تكون هادئة نوعاً ما. وفي قصة نصف بصلة تكتب هدى عن علاقة الأخ بأخيه وسوء فهم واحد كلفهم العمر كاملًا. سوء فهم واحد كان كفيل ببتر أواصر الأخوين، مما جعلني أتساءل عن كثافة الكلمات والأسئلة التي لا نجرؤ على البوح بها لمن يهمنا أمرهم؟
وهناك قصة صلاة مسعود التي جعلت من الرجل والمرأة يتبادلان الأدوار لتكن العلاقة مستحيلة. وفي السرد المكثف في هذه القصة التي تنتمي للخيال تُذيب هدى قطعة الثلج على رؤوس أبطالها، فعيب واحد قد يهوي بالمرء ويجعل منه دُمية بيد الآخرين. المجموعة بأكملها ساحرة ولا تخضع لزمان واحد، لأنها ممتدة فشخصيات هدى حيّة بطريقة أو بأخرى، لكنها طريقة مُبهرة جداً.
إن كان الاستمتاع بالقصص يرتبط بإدراكِ مغزاها إدراكًا تامًا، فإن هذه المجموعة القصصية لا تُرضي ذائقتي. لكن ولله الحمد، ولأول مرة، جربت أن أقرأ دون أن أُقلِق نفسي بمحاولة فهم القصص كفهم الكاتبة لهم، فهذا ليس الهدف الأساسي، ويسرقُ من متعة القراءة أكثر مما يضيف. إن كنتُ فهمت شيئًا من تلقاء نفسي فخير، وإن لم يكن فكان بها.
أدهشتني قدرة الكاتبة على خلق عالم متكامل وحي لقصص لا تتجاوز صفحاتها العشر صفحات. تسألتُ عدة مرات كيف صنعت الكاتبة جملتها هذه من العدم، كيف فكرت بأحداث القصة ورتبت كيفية عرضها؟ مدهش وعجيب! ما يميز هذه المجموعة بالنسبة لي هو الفكرة لا المعنى.
أحيانًا الواحد يستفيد يوم يقفل عقله شوي ويخلي الفن ياخذه لعالم مختلف عن عالمه دون أي تدخُّلٍ منه—هنا، الحكايا هي المركبة وهي السائق وهي حزام الأمان حتى، والوجهة ربما، وما أنت إلا راكب لا حول له ولا قوة—وليس بمستفيدٍ إلّا ما تجنيه من تجربة أبعاد قد وقد لا تشبه بُعدك، ومن التلذذ بفنٍ مبهر.
(عدا القصة الأولى والأخيرة، وربما قصة كوداك لأنها أربكتني بلا استمتاع، أحببت جميع القصص بالقوة ذاتها لاسبابٍ مختلفة، وذلك نادرٌ في صنف المجموعة القصصية.)
منذ أن أعلنت هدى جعفر عن صدور مجموعتها القصصية وكلي شوق للقراءة . يصبح القارىء على موعد مع نصوص خرجت من مشاهد سينمائية وهذا يعود بالطبع لثقافة وارتباط الكاتبة مع السينما . امتازت المجموعة بسبع قصص قصيرة، تبهرك الكاتبة فيها بتفاصيل الأماكن والمدن وواقعية الشخصيات التي تطرح عليك أسئلتها وصراعتها الداخلية . مدهشة .
كأنهم سبع رحلات وصف مدهش وشديد الصدق ودقيق لدرجة تحسسك إنك جزء من الحكاية مش بس شايفهم قدامك خلطة سحرية جمعت بين كتابة بديعة وممتعة ورغبة في معرفة ما لم تكن تعرفه عن اليمن مجموعة رائعة وكانت الاقرب لي ��ديث عن الساعات شكرا جدا للكتابة الحلوة والكاتبة المميزة
قلم جميل له إحساس.. احتوى الكتاب على قصص متفردة بحد ذاتها مما اعطاها تنوعاً.. احببت القصص الواقعية القابلة للتصديق او تلك المتخيلة التي تستلزم عمقاً واقعياً.. انبهرت من صياغة بعض القصص والشخصيات التي تأخذك لبعدٍ أخر.. الكلمات والتعبيرات جميلة..
تؤكد مجموعة "اليد التي علّقت المرآة"، من الصفحات الأولى، امتلاك كاتبتها زمام اللغة، ولا محدودية خيالها، إذ تشكل الكاتبة اليمنية هدى جعفر من قصصها السبع، عشرات المجازات والصور والأفكار المدهشة. دمى ولوحات وحيوانات حقيقية ومحنطة ومزيفة، بحر وجبال وبيوت يدخلها الغيم، نجوم ونسور محلقة في سماء زرقاء لا نهائية، وساعات متوقفة وألعاب وجنيات وشياطين، فؤوس ومطارق و"مقامع من حديد"... خليط يبدو غير متجانس للوهلة الأولى، أو ربما يصلح كنواة لصنع عوالم متخيلة ومصطنعة، لكنها تغزل منه بمهارة حكايات من لحم الواقع اليمني، تذكرنا بالصورة القديمة التي كدنا ننساها لتلك البقعة الساحرة من العالم، أحد المنابع الأساسية لفن الحكي، كنز الحكايات والألغاز والأساطير. المفاجأة ربما تكون فقط في أنه كتابها الأول. لن يجد القارئ قصة تحمل عنوان المجموعة كما جرت العادة، وهو تساؤل أساسي حيّر غالبية القراء. لكن الكاتبة تركت مفتاحاً في الصفحات الأولى من مجموعتها، لتؤكد من البداية على الطبقات المتعددة التي تحملها النصوص، وأن كل شيء وُضع تماماً في محله، وأنه لا وجود للصدفة حتى في ترتيب القصص داخل الكتاب. الإشارة جاءت بالتحديد في التساؤل عن الراقصة عنايات أبو سنة، البطلة الحقيقية لمسرحية "شاهد ما شافش حاجة" الشهيرة: "لماذا تستند المسرحية على قتل الراقصة، لكنها؛ أي الراقصة، لا تظهر على المسرح مثل باقي الأبطال؟ هل يكون الحضور عن طريق الغياب؟". من هذا المفتاح، يمكننا تتبع تلك اليد الغائبة/الحاضرة والموزعة على قصص المجموعة بالكامل. اليد التي أسالت الشِّعر على لسان الشاعر، والمبصرة التي يشكل بها النجار تحفه المتروكة في بيوت الآخرين، يد "سجينة الوقت" التي علقت الساعات المتوقفة بعدما انتهكت صاحبتها أيادي لا حصر لها، اليد التي ثبتت الزمن والتقطت صورة الطفلة المنشطرة على لعبة الأحصنة الدوارة "رسول المعرفة" التي غيرت حياة صاحبتها للأبد، اليد التي كسرت الأشواك بداخل طباخ "الزُّربِيان" ثم احترقت كاشفة عن تحولات عدن المدينة التي أحبها، وتلك التي تنتزع صاحبتها سعادتها بنفسها وتعيد الروح للحيوانات الزائفة لكنها لا تجد من يقنعها بجدوى استمرار حياتها نفسها، واليد التي نحتت جسد مسعود ثم أضافت حلمة أنثى في منتصف جبهته لتكشف الجهل وتفضح الخرافة. وأخيراً اليد التي كتبت هذا كله وعلقته كمرآة يرى فيها كل شخص انعكاسه وصورته على حقيقتها. لينك حواري مع الكاتبة:
هكذا كتبت فور استلامي للنسخة التي مرت بأسفار كثيرة، جوا، ثم عبرت جغرافيا الحرب مثلي ومثل معظم اليمنيين، وقد شعرت بالخوف من أن تنكسر المرآة او تسقط مع سائق ما في هاوية سحيقة على جوانب الطرق البديلة....! حين قرأت قصص المجموعة السبع، تأكد لي أنني فعلا أمسكت بها، لكنني لست وحدي من امسكها بل كل قارئ للمجموعة، وجميعنا، نحن الذين وجدنا أنفسنا او لم نجدها في قعر عزلتنا الاختيارية _كما نظن _وسط كل الضجيج ومواقع التواصل أو العزلة المفروضة علينا نتيجة عشرات الأسباب. ثم تساءلت: يد من تلك التي علقت المرآة؟ يد التحولات التي مارستها يد البلاد والأقدار؟! يد أبطال القصص الذين قرروا في لحظة ما أو قررت عنهم الحياة؟! اليد التي لاتخطئ خطوط كفها كشف ماعحزت عنه المرايا؟! أم يد هدى الكاتبة، التي أبدعت بأسلوب فريد جمع بين لغة القص والسرد ، غرائبية الخيال البعيد، وغرائبية قدرتها على الربط بين مكونات القصص التي تبدو أنها عصية على الارتباط، وواقعية وضعنا الراهن المرهون، إسقاطاتها السياسية التي تكون أقرب إلى التصريح حينا وأوضح من الغموض قليلا أحيانا أخرى... لم يخلُ اسلوب الكاتبة من الشعرية والشاعرية المتدفقة، ولم يخلُ من سطوة وسحر قدرتها على الكتابة السينمائية !
لا أحب، و لا أجيد الكتابة النقدية بأدواتها المحكمة، لكنني أجد نفسي حين اسلمها للنص يحملني حيث شاءت تقنياته ، وقد علقتني يد السرد ولم أستطع النزول حتى اللحظة...! لم اقرا المجموعة القصصية كلها على نفس واحد كما هي عادتي حين يأسرني كتاب ما، إذ أن الزمن النفسي الذي اتقنته هدى، أرهقني كثيرا، ابتداء بالنهايات المبتورة في معظم إن لم يكن في جميع القصص، مرورا بالزمن النفسي الذي عاشته وعاشه أبطال القصص، وليس انتهاء بالغياب الحاضر للراقصة "عنايات أبو سنة" وغيرها....! اليد التي علقت المرآة، عنوان عدت إليه بعد كل قصة قرأتها، ومرة ليست الأخيرة، بعد الانتهاء من قراءة المجموعة كلها، وهنا لاأخفي إعجابي الشديد بأن العنوان ليس لقصة ضمن قصص المجموعة، لأنني من محبي اختيار عنوان نصادفه في كل قصة من قصص أي مجموعة، وهذا ما وجدته فعلا، حيث هناك يد ومرآة معلقة في كل قصة ومع كل أبطال وبطلات القصص، تبرز هذه اليد حينا، كما في (حديث الساعات) و (لحظة كوداك) وتخفت أو تتوارى أحيانا، كما في عنايات ابو سنة و(شعرة في صحن العالم) وغيرها... أخيرا، لايمكنني السكوت عن الإرهاق الذي أشعر به يا Huda Jafar، متعة تفوق الجنون وغرائبية تتجاوز السوريالية وتعب لذيذ وهمّ بحجم هذه البلاد وضعتِه ياهدى على كرسي اعترافي...! شكرا وبس.... د. محمد الشميري
بنكهة روائية محكمة، وبتكوينات بصرية تعج بالتفاصيل تقدم لنا هدى جعفر أولى تجاربها القصصية (اليد التي علقت المرأة ) عن منشورات جدل من خلال سبع قصص بمتن سردي 134صفحة.
حملت القصص أسماء : الباب وأنا وعنايات أبو سنة، نصف بصلة، حديث الساعات، لحظة كوداك عند لعبة الأحصنة الدوارة، شعرة في صحن العالم، غازي..مع حبي، صلاة مسعود.
تسحب هدى جعفر القارىء للمجموعة ككل إلى تساؤل لا مفر منه، فأين اليد التي علقت المرأة؟ وأين القصة التي عنونت بها المجموعة كما هو معتاد في المجموعات القصصية، أو على الأقل تقديرًا أين القصة التي تضمنت هذه العبارة، وسيتوقف القارىء كثيرًا فإن لم تكن موجودة، هل ثمة رابط مضمر بين السبع قصص جعلها تختار هذا الاسم دون غيره.
بالعودة للقصة الأولى (الباب وأنا وعنايات أبو سنة) سنجد اليد التي ألقت الدمية، وفي قصة (لحظة كوداك) اليد التي التقطت الكاميرا لتوثق لحظة بعينها، وعن المرآة فاشترك الجلد وإن لم يقم بوظيفته ليعكس الزمن الذي مكثه علي حزام أمام النار ، لكنه تقاطع معها في قصة (شعرة في صحن العالم)، وفي حديث الساعات كانت المرآة مرآة الذات، حين أبصرت البطلة حقيقتها حيث تنتمي خلال جلسة الحكي غير المتوقعة التي كشفت لها ما ظنته مات واندثر، فلم تعد تمتهن الدعارة، وفي (نصف بصلة) كانت المرآة لا تعمل فلم يبصر أي من الأخوين ماهية الأشياء، إذ كانت الرؤية لديهما ضبابية ومشوشة، والمرآة هي اليمن الوحيد الذي انعكست صورته في عيون شخصيات المجموعة.
نثر المدن
تنقلت الكاتبة في المجموعة بسلاسة بين عدة أماكن فنسجت منها أبطالًا من لحم ودم بجانب الأبطال الرئيسين فتجد عدن حاضرة بقوة في قصة “شعرة في صحن العالم” على المستوى التراثي والجغرافي والثقافي على الطريقة السيسولوچية من خلال البطل علي حزام أفضل من طهى الزربيان العدني بعد معلمته الأولى طافية النار.
لم تكن عدن البطلة الوحيدة داخل المجموعة وإن كانت الأ تفردًا فقد تنقل الأبطال بين تعز وحضر موت والقرى المعلقة فوق الجبال.
وإن كانت عدن بطلًا موازيًّا في قصة ” شعرة في صحن العالم” فإن صنعاء نافستها في الحضور في قصة (حديث الساعات)، فالمكان بتفاوت أوضاعه هو الإطار الذي ساهم بشكل كبير في التصاعد الدرامي للأحداث وفي نمو وتطور الشخصيات داخل المجموعة، فباقتدار فني لافت ربطت الكتابة بين الأفقين الذاتي والمجتمعي، فالمدن ولدت من رحم القرى.
صنعاء.
سمفونية الفقد والرصد
امتلكت الشخصيات داخل المجموعة القدرة على السرد والمراقبة للآخر وللتفاصيل، وذاكرتهم في الطفولة لا تسقط حدثًا، بل أن الأحداث والتفاصيل محفورة بدقة ليتم استدعائها في التوقيت المناسب كما في (حديث الساعات) و(لحظة كوداك )و(الباب وأنا وعنايات أبو سنة) و(شعرة في صحن العالم)، وإن كان الزمن مفقودًا في (حديث الساعات) إلا أنه متواقتًا ومتعاقبًا في (شعرة في صحن العالم) «أنا وصنعاء من منا أوقف ساعة الآخر؟»
أما عن الفقد والألم فثمة تواشج بين الأبطال، فإن فقدت بطلة (حديث الساعات) التي امتهنت الدعارة لسنوات قبل اللقاء المصيري الذي أدار بوصلته تذكرها لساعتها الذهبية التي عثرت عليها وفقدتها في ظروف غامضة، فقدت أيضًا بطلة( الباب وأنا) دميتها عنايات أبو سنة التي أطلقت عليها هذا الاسم تأثرًا بالراقصة المقتولة في مسرحية عادل إمام الشهيرة (شاهد ماشفش حاجة)، كذلك بطلة قصة (غازي ،مع حبي) حين فقدت البطلة سُلحفها غازي بمنحه لأسرة مجاورة ليكون مصيره في النهاية الدهس، وحين فقد علي بطل (شعرة في صحن العالم) محل الزربيان في أثناء هروبه اضطرارًا من عدن، والفقد الأكبر لم يكن فقد الأب والأم في أحداث مأسوية وحسب، بل الفقد الجلل تمثل في النعيم بطفولة سوية، إذ تمادى الأبطال في جلد الذات رغم أنهم جميعًا أُجبروا عليه، فحمل كل منهم عبئًا فوق عبئه وكأنه المسئول الوحيد دائمًا.
«إن فقدان الأشياء الثمينة إلى الأبد يؤكد أنها ثمينة فعلا»
ولهذا فالعلاقة بينهم وبين الأشياء مقترنة بمدى فهمهم لها، فأغلبهم انبثقوا عن رؤية مركبة، وفضول معرفي لما يشبع بعد. «لكنها لم تقل لي لماذا هو مرقص، ولماذا هو قرد».
وفي قصة (نصف بصلة) ضمر كل من الأخوين في داخله كراهية للآخر بناء على سوء ظن، وحادث سوء ، ولكن سرعان ما بزغت الكراهية وخرجت للعلن فالأخ النجار في نظر أخيه الشاعر ما هو إلا مجرم حرب يخنق الغابات ليستولى على أشجارها ؛ ليصنع منها الأسرة والكراسي والصناديق، والأخ الشاعر في نظر أخيه النجار ما هو إلا خائن باع عقله للظلام حين اتبع ملكة الجان لتملي عليه الشعر، فعلى لسان النجار:
«إني أعبء البيوت بجثث مصقولة، ومتيبسة، ومتينة، وأخي يفرغها، يقلبها على رأسها فتتقيأ ما في داخلها، ثم يصبح هذا القيء شيئًا، فاتنًا، وكئيبًا، وقاهرًا، اسمه الشعر».
ويقول الشاعر « يعرف أخي أني في جوع دائم، إلا أنه سيعطي البصلة للغريب، إنه يرفض أن يكرمني، ولو بنصف بصلة”
فثمة صراع تطور ، تجاوز عقدة الأخوين في الطفولة وإصابتهما بالبارانويا وتعرضهما للتحرش على يد نفس الشخص ، وقد تمثل في الصراع بين الملموس والمحسوس، والفوارق الطبقية بين أرباب المهن وأرباب الأدب، وللتأكيد على أنها فجوات مصطنعة، يكتشف القارىء في النهاية أن الأخ رفض منح أخيه نصف بصلة خشية أن ينظم أخيه قافية تتهمه بأن مقامه عند أخيه نصف بصلة، فقد تم استخدام البصلة مجازًا عملًا بالمثل الدارج « بصلة المحب خروف»، ولكن لأن الصراع المضمر كان على أشده فلم تكن البصلة بصلة محب.
أهم ما ميز قصة (نصف بصلة) السرد التبادلي بين النجار والشاعر الذي حول القصة لعرض ديودرامي، عرض فيه كل من الأخوين وجهة نظره، ليستفز الجمهور وليبين له عاقبة سوء الظن، فكلاهما مخطىء بنى كراهيته على خيالات فانتازية، وكلاهما والجد صاحب الأذن المفقودة خسر حين سمع للعقل وصدقه، فلم تكن العاطفة حية بالقدر الكافي لتفكك الصراع.
لا قصة تشبه الأخرى!
رغم تقاطع قصص المجموعة فعدة ثيمات كالمزج بين الواقع والفانتازي مثل قصة (صلاة مسعود)، و(نصف بصلة)، و(الباب وأنا وعنايات الزيات) والزمن المفقود وسردية المدن كما في ( حديث الساعات)، و(شعرة في صحن العالم) ، والتأكيد على معاناة اليمن وأهله، ، إلا أن لا قصة فيهم تشبه الأخرى.
هدى جعفر. هل المرأة كذلك؟
أفضل ما في المجموعة أنها حلقت بعيدًا عن الخلفية الملتصقة بالكاتبات دائمًا، بأن المرأة لا تجيد سوى الكتابة عن المرأة، ففي المجموعة (صلاة مسعود)، و (شعرة في صحن العالم) ، (نصف بصلة)، اقتحام استراتيجي ممنطق ومتقن لعوالم الرجال وصراعتهم بجرأة تحسب للكاتبة.
القارىء للمجموعة سيجد ولع هدى جعفر بالسينما جليًّا ليس في الذاكرة البصرية وتكويناتها وحسب، بل في براعة شخصياتها وقدرتهم على سحبك دون أن تدرى بحركة (السلوموشن) لتحفر في ذاكرتك التفاصيل كما حفرت داخلها، ولهذا كنا نأمل لو أننا نرى هذه القصص في ثوب روائي، فتداخل الصراعات والمواقف رغم إحكامها كان بحاجة إلى عمل روائي.
من براعة القص؛ حرص المبدع على الإدراك الحسي والجمالي للقارئ، ومراعاة جذبه في محيط ذاكرته المكانية والشعورية، ومشاهد الحياة اليومية، مع اشتعال الكاتب بالخيال، والتقاط الأساطير والعجائبية والرؤى الغرائبية، واندغام هذا بذاك في مشهدية حكائية سلسة مألوفة ومرئية، مضمخة بالعجيب والغريب، بما يخدم الدلالة العامة ويغذي إشارات السرد ويخدم فكرته كما يجب.
ذلك ما أتقنته الكاتبة اليمنية/ هدى جعفر في مجموعتها القصصية الأولى " اليد التي علّقت المرآة ".
على أن هذه المجموعة التي ضمت سبع قصص متنوعة، متباينة الحجم والفضاء الزمكاني، متقاربة البناء والرؤية والدلالة، بأحداث تمسرحت في الفضاء اليمني أو به، وشخوص وظفت بإتقان جيد، تنقلت بين ثنائية الذكورة والأنوثة باتزان، لتفلت الكاتبة من قيد التصنيف النسوي في السرد المتبني هموم المرأة، وتتوزع الكاتبة بانسراح معمق في الشخوص، وكانت تمسك بالراوي في كل قصصها الست بضمير الأنا، وتندغم مع بطل القصة أو شخصها الرئيس، وتتحكم في عوالم الشخوص النفسية ودواخلها، باستثناء القصة الأخيرة " صلاة مسعود" التي تخلت الروائية هدى عن موقع الراوي من الداخل، واكتفت بالراوي العليم أو من الخارج، لكنه محيط بكل أبعاد الشخصية النفسية وعوالمها الداخلية، لأن هذه القصة المشهدية السوريالية كانت بحاجة لتنميقها من بعد كلوحة، ورسمها أمام المتلقي الذي أجلسه الراوي إلى جانبه ليتتبع مسعود وغرائبيته في تعز، بعكس القصص السابقة التي كان المتلقي ملتحماً مع البطل يحدثه بنفسه مباشرة.
ومنذ القصة الأولى " الباب وأنا وعنايات أبو سنة" والغرائبية تتصاعد في مسار السرد، وتوظف بجرعات محسوبة كما في "نصف بصلة" و "حديث الساعات" أو " غازي مع حبي" وذروتها في "صلاة مسعود" .
والغرائبية في السرد اليمني معجونة بالخرافة الشعبية في كثير منها، أو منثالة منها، إلا أن هدى قد انزاحت للغرائبية الحديثة متأثرة بأعمال أدبية عالمية، واعتملت ما يستوجب سردها في مشهدية الغموض.
بيد أن المجموعة القصصية مع أسلوبيتها الحديثة بناءً، وتشكيلها المتنوع، دغمت المحلية في بنيتها المكانية، ذلك أن الفضاء المكاني مقصد الدلالة وغاية السرد، إذ يكاد الفضاء المكاني يحمل رمزية المجموعة القصصية كاملة، باعتبارها معالجة مونودرامية لأغوار الوجع اليمني وعناء الإنسان فيه، بلا تمايز بين الألم عند الذكر والأنثى، وكأنما المجموعة اكتفت بخط نسقي للوجع اليمني دون التعمق في الاضطهاد الأنثوي أزيد، باستثناء قصة "حديث عن الساعات"، ولذلك وجدنا الشخوص الرئيسية متوزعة بين الذكر والأنثى، وقد برعت الروائية هدى في استكناه الوجع من منظور الجنسين بلا فوارق بيولوجية يمكن أن تلفت القارئ من الجنسين، لتحمل هموماً مشتركة أكثر.
وقد لا أميل إلى أن الروائية هدى جعفر اعتمدت في بناء هذه المجموعة على خبرتها السينمائية، وتمثلت مشاهدها من ذات البناء، إذ أن الوصوف في المجموعة وبناء الأحداث واقعيتها أقرب من نَفَس الفعل الكتابي لا الفعل التصويري، لذلك احتفظت الروائية بميزات الأداء القصصي أكثر من الانفلات نحو السيناريو والنهايات المتوقعة. ولذلك كانت خواتيم القصص غير مألوفة، وتُركت كأبواب مفتوحة للقارئ يُعمل فيها تساؤلاته ويشترك في تقديراتها وينخرط في التأويل.
على عكس البدايات التي احتفظ الراوي، كان ذكرًا أو أنثى، في القصص باقتياد القارئ إلى منطقة الجذب وبؤرة القص، من دون تنويع في الزمن السردي بين التقديم والتأخير أو الاسترجاع، فقد اعتمدت المجموعة خطاً زمنيا وهمياً، ليس محدداً لكنه ليس متناثراً بين الأزمنة، إذ بدى الزمن الفعلي في القصة كأنما هو في حقبة زمنية متقاربة تنتمي لعقود القرن السابق المتأخرة في اليمن، دونما إفصاح أو تركيب المشهدية بناء على زمن، كما لو أنه زمن حاصل ومستمر لا فرق.. فالمرآة واحدة وما زالت معلقة، تعرض عليها مشاهد الواقع.
على عكس المكان في المجموعة الذي أفصح عن نفسه عبر الأحداث بين عدن وصنعاء وتعز وغيرها من المدن والأزقة والشوارع المحددة وحتى المحلات المسماه والبيوت ووصف الأشياء والبيئة اليمنية، والأماكن الأخرى التي يمكن استكناهها، وغاية هذا التأطير تكثيف الدلالة وواقعية المشهد، وتعميق القصد، واقحام المتلقي بفضاء المعنى ودروب الحكي، فالمكان هو المشبع الأكثف لفكرة السرد لما يكتنفه من دلالات لايحتاج السرد لشرحها، فبمجرد ذكر المكان، ينطوي على جملة الذكرى والتصورات بما يشي بالفكرة جُلها.
والمحلية الناضحة في المجموعة بتوزعات المكان من المدينة إلى أصغر حجرة، هي زوايا المرآة المعلقة التي تحفل بكل الصور المبتغاة في هذه المجموعة، وانعكاسات كل هذه الحالة اليمنية الواقعة بهذا الأداء المخذول في هذه الحياة، بكل تفاصيلها الموجعة والمدهشة في آن.
على رغم حضور المرآة بذاتها في مواضع من القصص، كرمزية مختزلة تشي بدلالات عنوان المجموعة المبتور إلا من الإشارات الكثيفة له في أنساق القصص الداخلية وإشاراتها الخارجية.
والمجموعة بسردها المتماسك في كثير من جوانبه؛ حفلت بعبارات كثيفة، تختزل مجموع المعاني في السرد كله من مثل جملة: " المدينة التي تقتر على كل شيء، لكنَّها تمنح حَلَمة فائضة عن الحاجة؟!" في مشهد حلمة نهد برزت على جبين مسعود، كأنما تختصر هذه الجملة حياة اليمني وبيئته ودوائر الوعي التي تتحكم به ويعتاشها.
أو مثل جملة ناضحة بالدلالة بذات القصة:" رغم أن اليمنيين بناؤون مهرة، فإنهم يفشلون دوماً في بناء السلالم، نزول الدرج أسهل من الصعود في كل مكان إلا في اليمن، كلاهما صعب". على أنه لا يمكن تحميل النصوص أبعاداً سياسية بسيطة، بقدر ماهي أبعاد ثقافية معمقة، مأخوذة بالتاريخ والعادة والموروث والبناء الثقافي لليمن عبر التاريخ بنواتجه التي وشت ببعضها هذه المجموعة.
لقد اعتمدت المجموعة شحن المشهدية البصرية بداخلها بتفاصيل كثيرة، تنعش ذاكرة المتلقي المحلي أولاً والخارجي بفضول متحفز، عبر حشدها لتفاصيل كثيرة من الأدوات والأطعمة اليمنية والازياءالتراثية، واللعب، والحيوانات، والأثاث والمواقع والأشكال وغيرها، لتعطي طابع الواقعية السردية ومصداقية الفكرة، بجوار طاقة المخيال المتخصب بالعجائب. التي تمثل غطاء ثقافيا يحيط حياة اليمني ويندغم في تفاصيل يومياته.
كما اعتمدت المجموعة ببراعة أسلوب النوافذ المواربة في السرد والدلالة، فلا غموض وإبهام موغل، ولا تصريح ومباشرة فاقعة، ويبقى المتلقي أمام هذه القصص الممسرحة بمشهدية فانتازيا الواقع؛ مشدوهاً لاكتناه ألغازها والتقاط إشاراتها وسبر أغوارها، ومحاولة إكمال شواغرها التي تركت عن قصد وفنية .
ااه يا هدى .. ما هذا الجمال كيف استطعتي بكلمات ان تأسريني وتجعليني حبيسة القصص اعيش كفرد بينهم ينتقل من مدينة لمدينة ومن زمن لزمن كشخص موجود بين ثنايا الحكايات يستمع ويتاثر ويتشاطر معاهم المشاعر من بائعة الهوى التي رددت لها اغنية ياسمار إلى ذو الحلمة الثالثة الذي كنت أدعو له ان تختفي من وجهه كم كان السرد جميل وانا أشاهد تفاصيل القصص التي صنعت بكل حب ولمست الروح قبل الذاكرة التي استرجعت المشاهد كلها كفيلم سينمائي مكتمل استمتعت وعشت بكل صفحة وكل قصة، ارجو ان تستمري وتصنعي المزيد والمزيد لكي كل الحب
This entire review has been hidden because of spoilers.
"اليد التي علقت المرآة" هي مجموعة قصصية للكاتبة هدى جعفر، تتميز بأسلوبها الساحر الذي يستحضر عالم ألف ليلة وليلة. القصص تتنوع بين الخيال والجنون والغموض، مستمدة من أجواء مدن يمنية مثل صنعاء وتعز وعدن. نهايات القصص تثير الدهشة والخوف، كما في "غازي مع حبي" و"شعرة في صحن العالم". القصة المفضلة هي حكاية الساعات ". اللغة المستخدمة بليغة ومليئة بالتشبيهات، ما يضفي على القصص عمقًا وثراءً فنيًا. مبروك Huda Jafar
انها قصص مكتوبة لكن الاحداث بتفاصيلها المليئة منحتني اضاءة سينمائية كنت اظن اني سوف أقرأ فقط لكني بطريقة سحرية نفذت لعالم آخر رأيت فيه الوجوه و شممت روائح المكان و سمعت جلبة الأصوات وتعالي الضحكات والنشيج الذي يرافق البكاء شيء ما هنا مختلف يجعل كل اولئك الأبطال عالقون في رأسي شكرا من الاعماق لهدى على كل هذا الجمال الفاتن
مجموعة قصصية من عالم واقعي ممزوج بخيال الكاتبة الجامح ستأخذك يد الكاتبة بلغتها وتشبيهاتها المتفردة لتجد نفسك تقف مطولاً أمامها وأنت تتذوق هذا الجمال وهذا التفرد. قصص قصيرة لكنها منتقاة بعناية فائقة ابتداءً من اختيار أسماء الشخصيات الرئيسية والثانوية مروراً بتفاصيل المدن إنتهاءً .بمكنونات النفس ومخاوفها
مجموعة قصصية رائعة لكاتبة لا اروع ولا أهضم 😘 كل حرف تكتبه، له معنى بسيطة و سلسة وتوصل المعاني بسلسلة من التشويق ما عليك سوى ان ترى ما ابعد من ذلك، بحيث تترك لك جزء من خيالك ليلعب لعبته و تندمج معها في تلك القصة احبك يا هدى 💜
هذه المجموعة فلتة من الفلتات حقيقي من أبدع وأحرف وأجمل ما يكون حين تتحول الكتابة إلى متعة سينمائية خالصة أتمني أقابل الكاتبة في أحد الأيام عشان أحضنها وأمازحها حول احتكارها لسر صناعة مثل هذا الجمال الفائق
يبقى النقد أمام هذا النتاج السردي المتدفق في حالة بحث دائم عن النص الذي يحمل التكثيف في الحدث، ويحيل إلى تصورات مجسدة في أحداث سردية تراوح ما بين الواقع وخيالات السارد، من خلال لغة مجازية وحوارات تتضمن أبعادا ثقافية، تختزل الحدث بصورة مدهشة وإذا كان هناك نص سردي يحاكي ما نعيشه ويحمل هموم الواقع بتجسيد الشخوص والحوار وأبعاد أسماء الأماكن ومفارقات الزمن فهو نص اليد التي علقت المرآة للقاصة هدى جعفر اليد التي علقت المرآة مجموعة قصصية تتمحور حول سرد حكائي يضطلع بمهمته السارد متوسلا بالذاكرة الفردية والجمعية في لملمة الأحداث وصهرها، لتتكون صورة عميقة تركز على تفاصيل جزئية صغيرة في العالم السردي المترامي في جنبات الزمن، إنها نصوص زاخرة بمعطيات الحبك للأحداث، تمتاز بتقنيات سردية عالية أهمها تقنية الزمن سواء في شكله السردي أو تجسيده بذكر ما يحيل إلى معناه أو يعبر عنه كصورة الساعة في (نصف بصلة) أو الساعات المعلقة في (حديث الساعات) وذلك يمتد من مجرد ذكر الساعة إلى أبعاد سردية، ففي حديث الساعات تلتقي الساعات المعلقة مع تفاصيل الأحداث التي ترويها البطلة (فجر)، فليلة واحدة بصحبة المرأة الغريبة المتعطشة لحكايات فجر كانت كفيلة بسرد دقيق لما يقال وما لا يقال، قصة حياة كاملة أثقلت كاهل فجر: "لقد أحمل القصة قصتي التي قلتها ولم أعرف ما سرها بالضبط كأمانة فوق ظهري سلمتها للمرأة الغريبة فجر ذلك اليوم" تهيمن المفارقات الزمنية على اليد التي علقت المرآة، فهي لا تلتزم الترتيب الزمني الطبيعي للأحداث في القصة ففي بداية (نصف بصلة) : "دخلت البيت منذ ساعة أو ربما منذ أربع ساعات طلبني لأساعده في حزم أثاث بيته الصيفي" وفي نهايتها: "نجلس الآن أنا وهو في الحجرة الكائنة في الدور الأرضي ... لم نتحدث منذ ساعة أو ربما منذ أربع ساعات بين يدي مجموعة أوراق أرصها في حزم وأربطها بخيط أسود يجلس أخي أمامي" وإذا كان خط سير الزمن يعني تعاقب الأحداث وتحولها إلى ماض بعد حدوثها فإن هناك محاولة للقبض على لمحة منه وتوثيقها كنوع من الانتصار على سيرورة الوقت والشعور بالانتشاء على عجلته التي تدور رحاها دون كلل، إنه (الوقت) لحظة عابرة، لكنها تتحول إلى لحظةدائمة أرغمتها الكاميرا على الجمود، هذا ما تقوله لحظة كوداك: "الكاميرا في يدي جاهزة لتجميد تلك الثانية المختارة، الطفلة أمامي تضحك جذلة في النور وتغوص في بكاء مكتوم عندما تنفرد بالظلام والأشجار الباردة والسور الحجري، إنها هناك وحيدة لخمس عشرة ثانية فقط" تلك لحظة فارقة تمتد في أعماق الذات الساردة فتحمل توصيفا لسيل الأشياء المتنازعة بصمت في ذاكرتها : "أنا الآن أمام النافذة التي تواجه هولا بارك أتأمل الألعاب الصامتة وفي يدي الصورة صامتة أيضا" وهنا لحظة تأمل تسترسل في المحيط ثم تعود إلى أعماق الذات الساردة: "عرفت أن نظرة مرسلة في ثوان قد تغير حياة المرء إلى الأبد، وأن الحياة ما هي إلا ما لا يراه سواك"، وتحضر المفارقة الزمنية بوضوح في تقنية الاسترجاع المبثوثة في المجموعة عامة على لسان الشخصيات المحورية في المجموعة عامة وهي تقنية تعتمد الحدث التراتبي كما في سرد الأحداث في (شعرة في صحن العالم) وهي تراتبية زمنية تتوافق مع أحداث سياسية واجتماعية في حقبة معاصرة في عدن ما يضفي واقعية ترتيب الأحداث. لقد كان لتقنية الزمن أثر في إيقاع السرد في المجموعة عامة حيث تحددت سيرورة الوقت واستيقاف لحظات منه وتأملها كما في لحظة دهس السلحفاة غازي: "هل كان غازي يتذكرني وهو يدهس على الأسفلت؟ هل كان يتذكر أحد منا وهو يسير بجد نحو الطريق المشتعل تحت نار ذلك الظهر الصحراوي؟ لقد تركوه هناك وحيدا كما قيل حتى أكلته الريح" يتحدد إذن إيقاع السرد وفقا لوتيرة سرد الأحداث من خلال المفارقة الزمنية، فهي تتحكم في تسريع الحدث تارة فيتقلص زمن القصة، وتمسك بزمام اللحظة لتغوص في تفاصيل الحدث بدقة وعمق، وكأنها لحظة تصوير بطيء يكشف مجاهل الموقف السردي وأبعاده، وفي اليد التي علقت المرآة تمازج واع بين الحالتين.
لست مُعتادة كثيراً على الكتابة النقدية وإنما أكتب رأيي وما لقيت في الكتاب.. هاهي (اليد التي علقت المرآة) تُعلّق قلبي و تُدهش عقلي فسلبت مني الكثير من الطاقة والجهد، يد مُحترفة، فاتنة، قاتلة بحذر، يد تواجهنا بأنفسنا، بحقيقتنا، بخفايانا، بما نحن، بدأت بقصة (الباب وأنا و عنايات أبو سنة) وما وجدت نفسي إلا مودعة الكتاب بقصة ( صلاة مسعود) في عناق أشبه بالعناق الأخير... بدأت الكاتبة و ذكرت لنا شخصية مجهولة التي لن ولا ينساها العرب في مسرحية شاهد مشافش حاجة لعادل إمام حيث تعرضت عنايات للقتل مبرراً قاتلها فعلته بعبارة ( هي متعودة دائماً) ولكن على ماذا هي متعودة دائما؟! القصة الثانية (نصف بصلة) أخذت مغزى عميق وفلسفي بديع لأخوين كل منهما يبرر أفكاره ونفسه بحديث خفي بينه وبين ذاته مما يجعل الأخ الآخر يظن بأخيه السوء وماهو إلا العكس تماما.. مررتُ بالقصة الثالثة(حديث عن الساعات)حيث دلفت داخل الوقت والزمن واستقريت بعضاً من السنوات هناك وحين خرجت لم أعد الشخص ذاته .. ( لحظة كوداك) هي القصة الرابعة التي جعلتني أزور الملاهي في اليوم التالي متأملة لساعات طويلة الألعاب الكهربائية العملاقة وقد حدث هناك ما حدث حينها .. أخذتني هدى إلى عدن وشوارعها و روائحها، استضافتني على طبق زربيان فريد مازال مذاقه يلذع أطراف لساني، اخذتني إلى الزربيان و قدسية الطهي و نظارة اليدين التي تصنع أشهى المأكولات، حب الماء والنار، حب الروائح واللاروائح، الموت والحياة وهذا ما حدث لي في القصة الخامسة( شعرة في صحن العالم ) أكثر قصة تعمقت في قلبي، لن أنسى غازي ما حييت، أكثر قصة تأثرت بها هي القصة السادسة ( غازي، مع حبي) أعتقد السبب الأكبر لهذا التأثير هو حبي وتعلقي الكبير في الحيوانات وخاص�� السلاحف منها، ومن قرأ الكتاب سيعرف من هو غازي! انتهيت قبل قليل (بصلاة مسعود) القصة الأخيرة وكانت صلاة تليق بكل هذا التركيز والإنبهار والشرود .. الحكايات شدتني حد التوجس والتساؤلات الغريبة، الأشخاص جذبوني حد التعلق، جعلتني هذه اليد أتأمل ذاتي و ما أحب وصنعاء والبلاد، لاحظت أيضا تأثر الكاتبة و تعمقها في السينما وهذا أشبه بالغرق في ملكوت عالم آخر، قرى مُعلقة، خيالات واسعة، فانتازيا، مقاصد خفية، وحقائق مرعبة. شكراً هدى لأكثر مجموعة قصصية جعلتني شديدة التركيز خوفاً من سقوط معنى أو حدث مني .. شكرا لليد التي علقت المرآة بداخلي وجعلتني أرَ نفسي بوضوح... رباب السماوي🦋
قصص ساحرة، ذكرتني بعالم ألف ليلة وليلة.. خيال خصب عميق، آت من ليال صنعاء ونهارات عدن وسوق تعز والبحر والجبال، ومن خيال الطفلة في القصة الأولى، التي همست دميتها في أذنها: "أنت باب". باب يخرج منه حين تنام "موظف أرشيف على ظهره مئات الصور لأجداد بأسماء مركبة، شياطين تتثاءب، وفؤوسًا ومطارق و"مقامع من حديد"، وأقاحي وحبقًا وورودًا قانية، ورجالاً يمشون برجل واحدة، وهنودًا حمرًا لهم تيجان من الريش البديع، وطفلة تشير إلى لسعة نحلة بجانب عينها كي تشاغل الكبار عن كمشة الجنيهات الذهبية التي سرقتها؛ فتزدحم الغرفة، تتسع حتى تصبح من دون ملامح." نهايات القصص تركت بي قشعريرة دهشة وخوف، وأحيانًا شجنًا؛ كنهايتي قصة "غازي مع حبي" و"شعرة في صحن العالم". أما قصتي المفضلة فهي "لحظة كوداك عند لعبة الأحصنة الدوارة" القصة التي تحوي الاقتباس في بداية المجموعة: "تذكرت تلك السيدة التي قالت لي لنا إن الأطفال يعيشون حتى بلوغهم في عالمٍ غير مرئي يدعى مرقص القرد، وهو مكان واسع، وساحر، ومقبض، منه تأتي كل الأفكار، من الشعر وحتى القتل، وإليه تذهب عقول المجانين بعد أن يفقدوها، لكنها لم تخبرني لماذا هو مرقص، ولماذا القرد." أحببت أيضًا بشكل خاص قصة "حديث عن الساعات" حيث امرأتان حبيستان في غرفة حتى الفجر، إحداهن تعمل بمهنة تتوقف النساء مثلها عنها لأسباب كثيرة "صلح مع الله، أو زواج، عاهة ظاهرة، أو الإصابة بمرضٍ معدٍ، أو الموت بالطبع" لكنها توقفت عنها لسبب آخر: ساعة مشؤومة، ولقاء مع امرأة غامضة تصر على أن تجعلها تحكي لها حكاية، حكاية لا تعرفها هي عن نفسها! مجموعة بها من الخيال والجنون والغموض الكثير، انحياز للحظات الغريبة المستبعدة من رتابة الحياة والأشخاص المنسيين "في هذه المدينة، حيث البشر نصوص مهدرة، لم تحك قصصها كما يجب". لغة جميلة بليغة التشبيهات، ورهافة ينطبق عليها هذا الاقتباس من قصتها "نصف بصلة": "لقد صيرتني تلك التجربة شاعرًا، أنظم أبياتًا أكثر رهافة من النصل، وأمضى منه... يكبرني أخي بعامين، وأكبره بعدد الذين شهقوا وهم يدخلون قصائدي، ووجدوا أنفسهم هناك، كمن يدخل بيت المرايا، ويستمرئ صورته المتعددة، والمتشظية، والمشوهة، فلا يكف عن الدخول" حكايات ممتعة في المجمل، عذبة وغريبة، وأنتظر منها المزيد
Home Stories Create a post News Feed posts Muhammed Abd Elnaby 14 m · Shared with Public في كتاب (اليد التي علَّقت المِرآة) لهدى جعفر، لم أجد قصة بهذا الاسم ولا وجدتُ يدًا ولا مِرآة، وربما ذكرت العبارة في إحدى القصص ولم أتصيدها، لكني بدلًا من ذلك وجدتُ قصصًا مُختلفة عن أغلب ما قرأت في السنوات الأخيرة، قصصًا فيها دهشة ولكنها لا تتحرَّى الإدهاش عمدًا بوسائل رخيصة مثل كليشيهات البلاغة الصفيح أو المفارقات الصبيانية، قصص فيها تتبَّع لأثر الحكاية من غير انحباس في سجن الدراما. في قصة أو اثنتين لمسة من كتابة الرعب والميتافيزيقا، وفي قصة أو اثنتين هموم اجتماعية وسياسية، وفي قصة أو اثنتين تأمُّل في آبار النفس الإنسانية، غير أنَّه لا توجد من بينها، في ظني، قصة تستسلم بالكامل لسُلطة أحادية أو تنتمي للون واحد على الخصوص. أحببتُ أكثر القصص الأطول، التي تركت نفسها تسعى وراء غواية الحكي وانتهزت كل فرصة متاحة لرسم شخصية غريبة ما أو تأسيس أجواء بعينها لمكان أو مدينة، حتى لو أفلتت خيطَ القصة الأصلي فكاد أن ينفلت تمامًا. اليمن بمُدنها الكبرى، صنعاء وتعز وعدن، حاضرة في جميع قصص المجموعة، حضورًا ليس جغرافيًا أو تاريخيًا، بل وجدانيًا وحالة فنية تمتزج فيها أصوات الليل بأغنيات الإذاعة بألوان الجبال والبنايات وقطط الشوارع ومشردّيها. في القصة الأخيرة تطلع لرجل عادي حلمة ثدي في منتصف جبهته، بالطبع تذكرنا ببعض قصص التحوّل مثل المسخ لكافكا أو الثدي لفيليب روث، ومع ذلك فهي ليست قصة كابوسية على غرائبيتها، هي حكاية قابلة للتصديق تمامًا برغم هيمنة أجواء ألف ليلة وليلة عليها، وهي حكاية إنسانية ذات أبعاد جندرية مُضمَرة، وبعيدًا للغاية عن نبرة الصوت المرتفع والخطابية. شكرا لهدى على مجموعتها الأولى القوية، وفي انتظار روايتها الأولى لأنَّ النَفس الروائي واضح في أغلب القصص، برغم حبي لفن القصة القصيرة والقصة الطويلة خصوصًا.
من عين النقد السينمائي إلى فم القصة القصيرة في مجموعتها القصصية الأولى "اليد التي علقت المرآة". تقطع بنا الاديبة والناقدة السينمائية هدى جعفر مسافات ومفازات كل المشاعر التي اختبرتها خلجاتنا وعميق دواخلنا وصدمة تفكيرنا. عادة ما اطوي القراءة في يومين او ثلاثة على الاكثر مع الكتب السردية تحديدا. هذا مالم يحدث مع التحفة السردية هذه، ذلك أنني ما أن انهي قصة واذهب إلى ما يليها حتى أعود إليها مجددا إمعانا في حسو الدهشة واستغراقا في محاولة اكتشاف كنهة مصدرها، وترقب الشهقة التي اطلقها وأنا اطالع "غازي" السلحفاة اليائسة. على سبيل المثال أحد شخوص القصص في المجموعة. والذي يقرر إنهاء حياته ويُترك مدهوسا في الصحراء. وتظل ترافقني تلك الشهقة مع كل عبارة وصورة وشخصية و حدث. لماذا فعلت بي هذا أيتها اليد؟! شخوص مرآتها، صورهم، مشاهد حوادثهم، ظلت تلاحقني حتى في هدأتي بين فنجاني شاي وتأمل! يد ماكرة محترفة! تظنها ستعلق المرآة وتقفل راجعة عندما تكتشف أنها قد جرتك بتلابيب شغغك لترى ما خاتلت به نفسك من نزر المسرات رشوة للواقع واستمرارا للحياة، ثم تفاجئك وهي تحصي معك ماتدخره في اعماقك من نحيب للحظة انكشاف ثقل الوجود واسئلته. وهي اثناء ذلك تتلبث في زاوية تتلصص على ردات فعلك كطفل واثق من صناعة مقالبه. هذا الوصف المستعجل لايحيط وصف ما يكتنز المجموعة القصصة من نفائس، بل لزم ان يفرد لها تحليل خطاب يغوص في تفاصيل القصص، في لغة السرد المائز والخاص عند القاصة هدى جعفر، ومتانة البناء والاسلوب. وايقاع الواقعية السحرية في قصصها ممزوجا بتلوينات تشتبك مع سرديات سينما الطفل. ومقاربات منهج التحليل النفسي عند موراكامي والسوداوية الساخرة عند كافكا ولمحات من عبث صمويل بيكيت ووجودية البير كامو.
This entire review has been hidden because of spoilers.
لا أعلم يقينا بأي مفردات تكتب الكاتبة، وأي ملكة تمتلك عندما يتعلق الموضوع برص المشاعر والذهول وصف الكلمات بهذه الدقة! المجموعة من أروع ما قرأت، بحور الدهشة التي تعلو بالقاريء وترديه قاعا في قصة الفتاة التي كانت قدماها أجمل من وجهها، نزلت أدمعي غصبا عني عندما أحست بأنها لأول مرة بجمال وجهها.. وتلك العلاقة الغريبة التي نشأت بينها وبين المرأة الغريبة في منتصف ليلة غريبة ملأت قلبي دفئا! الطريقة في السرد مدهشة، الأسلوب في خطف الأنفاس (أستاذ)، وإبداع، والمخيلة تترك القاريء في حيرة من صحة الأحداث متسائلا: (هل من المعقول أن هذه الوقائع لم تحدث من قبل، هل هي فعلا من مخيلة كاتبة؟).. أنا التي لا أهوى القراءة جدا.. وجدت فضولي يدفعني إلى إكمال المجموعة في وقت لا يذكر... كالدوامة، كتعويذة سحر، كحنين ماضي! تسحب الكاتبة معها من يتجول بين سطورها بتخدير كامل... لقطة كوداك، صلاة مسعود، غازي مع حبي، شعرة في صحن العالم، الباب وأنا وعنايات ابو سنة، والجوهرة المتميزة في هذه المجموعة (حديث عن الساعات)، كلها بدون إستثناء تركتني حائرة، ملهوفة، مشتاقة، مدهوشة، مصدومة! الكاتبة ليست هاوية ولا إمرأة تصارع الأحرف لترصها بحرفية، بل ساحرة تطيعها الحروف وتلحقها المعاني والتشبيهات، إنها لا تبحث عن الطريقة المثلى لإيصال المعنى، بل تسيل من بين أصابعها الكلمات بعبثية متقنة تدهش وتربك وتخيف... من أجمل ما قرأت ❤❤
ممتنةٌ من الأعماق لقلم هدى جعفر الذي خطَّ هذه المجموعة القصصية الأكثر من رائعة. لقد أبحرتُ بين شواطئ الكلمات، تلاطمتني أمواج الخيال والاشتياق. أبدعتِ يا عزيزتي في قصة "الدمية"، حيث استحضرتُ نفسي في خيال الدمية كصديقة حميمة، وكيف يتعمق التعلق بها على مدار السنين. كما لامسني جمال قصة "نص بصلة" في سردها لاختلافات السمات، التي غالبًا ما تؤدي إلى صراع طبقي عميق. حيرة في "حديث الساعات" وتنوع "شعر في صحن العالم" في "حديث الساعات"، وجدتُ نفسي تائهة بين أمواج أسطرها. هل علاقة البطلة بالساعة والوقت تنطوي على محاولة الهروب من الساعة التي تُجرّدها من ذاتها، أم هو نسيان حقيقي للوقت والذات سعيًا وراء مستقبلٍ مُوجع؟ أما قصة "شعر في صحن العالم" فقد أحببتُها كثيرًا، حيث نقلتني بأسلوبها الساحر إلى مناطق متعددة، عارضةً عادات وتقاليد وتفاصيل دقيقة ومختلفة. تمرد "غازي" واستسلام "مسعود" أحببتُ شخصية غازي في قصة "غازي حبي"، الذي كان يبحث عن طريقته الخاصة في الحياة دون التقيد بأوامرهم، كما أثّر في نفسي كثيرًا تعلق الأطفال ببعض المواقف في ذاكرتهم منذ الصغر. أما قصة مسعود، فقد أحببتُها بكل تفاصيلها. كم هو مؤلم أن يجد الإنسان نفسه أمام وضعٍ لا يملك تغييرَه، فيستسلم لقيود الآراء والانطباعات المحيطة، بالرغم من أن نظرتهم غالبًا ما تكون مبنية على خلفياتهم الخاصة. ومن صميم قلبي، أحببتُ "صلاة مسعود". شكرًا لكِ يا عزيزتي على هذا الإبداع.