في الذكرى الخامسة لرحيل الكاتب الكبير الذي طاف بقلمه على فنون الكتابة، ونهل من أطيافها، تشرفّت دار نظر للمعارف والفنون بنشر واحد من فيض ابداعاته المستمر، حتّى بعدما رحل عن عالمنا. كتاب "شخصيات قلقة في عالم نجيب محفوظ"، هو أحد الكتابات النقدية للكاتب الموسوعي، حيث يأخذنا في رحلة أدبية وفنيّة نبحر في شخصيات محفوظ الأكثر تعقيدًا، نستكشف جوانب أخرى بعيون الراحل العملاق..صلاح عيسى.
كاتب وصحفى ومؤرخ ولد فى 4 اكتوبر عام 1939 فى قرية " بشلا " بمحافظة الدقهلية حصل على بكالوريوس فى الخدمة الاجتماعية عام 1961 ورأس لمدة خمس سنوات عددا من الوحدات الاجتماعية بالريف المصرى بدأ حياته كاتبا للقصة القصيرة ثم اتجه عام 1962 للكتابة فى التاريخ والفكر السياسى والاجتماعى تفرغ للعمل بالصحافة منذ عام 1972 فى جريدة الجمهورية أسس وشارك فى تأسيس وإدارة تحرير عدد من الصحف والمجلات منها الكتاب والثقافة الوطنية والهالى واليسار والصحفيون ويرأس الان تحرير جريدة القاهرة واعتقل لأول مرة بسبب آرائه السياسىة عام 1966 وتكرر اعتقاله او القبض عليه أو التحقيق معه أو محاكمته فى سنوات 1968 و 1972 و 1975 و1977و1979و1981 وفصل من عمله الصحفى المصرية والعربية أصدر أول كتبة الثورة العرابية عام 1979 وصدر له 20 كتابا فى التاريخ والفكر السياسى والاجتماعى والأدب منها تباريج جريج ومثقفون وعسكر ودستور فى صندوق القمامة ورجال ريا وسكينة
لسنوات وأنا أقرأ كل ما تقع يديّ عليه يخص أدب "نجيب محفوظ"، ليست كل الكتب التي تتحدث عنه تجذبني للقراءة، ولكن هناك عناوين لا يمكن تفويتها. كَكُتب النقّاش، والغيطاني، والقعيد، وغيرها من كُتب الجيل الذي عايش مولانا وتأثر بالمجالس المحفوظية. ولكن في حالة إذا كان الكتاب لمؤرخ كبير مثل "صلاح عيسى" فمن المؤكد أننا أمام تجربة فريدة.
"شخصيات قـلقة في عالم نجيب محفوظ" هو العنوان الذي اختارته "أمينة النقاش" لمجموعة متفرقة من كتابات "صلاح عيسى" حول شخصيات واقعية لعبت دوراً فعلياً في الحياة السيـاسـية والفـكرية في تاريخ مصـر المعاصر.
من خلال هذه المقالات، يُعيد "عيسى" سرد حياة عدة شخصيات كَتبها مولانا واستخرجها من واقع الحياة السيـاسية في مصر، بين ثـورتين، جاءت الثانية لتكمل ما بدأته الأولى، فقضت عليها وعلى أحلام رجالها وتطلعاتهم! هكذا كما قرأنا في حكاية "عيسى الدباغ". في الحقيقة، لم ترق لي كل المقالات، أعجبني بعضها حيث قام "صلاح عيسى" بتحليل الشخصية وتحليل واقعها، وجاء البعض الآخر من المقالات كمجرد حرق لأحداث الرواية بدون بفائدة تذكر.
بحب جدًا الحكاوي عن كتب نجيب محفوظ بكل أشكالها، سواء في هيئة كتب أو ڤيديوهات أو نقاشات الأصدقاء، بحب أسمع كل الآراء والاستنتاجات الشخصية، وأجد في ذلك هواية ومتعة. والكتاب هنا بيحكي عن ٨ شخصيات من ٧ أعمال مختلفة من أجمل ما كتب محفوظ، ودايمًا بشوف إن الأعمال القصيرة لنجيب مش واخدة حقها في الإطراء زي الأعمال الكبيرة والمشهورة له. اعادة حكي وملاحظات وتحليل بسيط وقصير ، وإن كنت أفضلّ أن يكون تحليل أطول وأكثر تعمقًا، بعض الفصول كانت رائعة والبعض الآخر عادي، لكن مُجملًا استمتعت بتعليقات صلاح عيسى ورؤيته للشخصيات القلِقة وأضاف لي ونوّر ذهني في مواضع كتير. حبيت أوي الربط بين الفصول والشخصيات، وكإن كل الشخصيات المذكورة في الكتاب هم شلّة كبيرة وقاعدين بنحكي عن أوجه تشابههم واختلافهم وايه اللي بيجمع بينهم من ظروف اجتماعية وسياسية وسمات شخصية.
لم يكتب المؤرخ المصري والصحفي المبدع «صلاح عيسى» هذا الكتاب ليُقْرأ مرة واحدة، فأنا حال قراءتي له للمرة الأولى بتشجيع من أستاذي الأديب والمثقف العزيز كمال علي كمال قد أصابتني الدهشة من هذا التشريح الذكي لما قبل وأثناء وبعد حركة الضباط الأحرار المسماة «ثورة يوليو» لعام ١٩٥٢، وحتى إرهاصات النكسة ١٩٦٧ التي استقرت كخنجر مسموم يدمي قلوب المصريين ويظهر في الإبداع الأدبي والشعري والمسرحي والفني، فيخيم كالسحابة السوداء التي تخفي الشمس في السماء، ويصيب بالكآبة قلوب وأفئدة الشعب التعس المنكود، ولعل سبب ذلك التأثير المدمر لتلك النكسة القاصمة يرجع إلى صدمة الشعب في الأحلام الوردية التي كان يعيشها من قومية عربية واشتراكية وجلاء للإنجليز يعقبه حكم مصري وطني خالص يعد بمنجزات الثورة العظيمة المباركة، وفي تحدٍ للغرب وللعدو الطبيعي الأول لأي نهضة مصرية، قامت على سواعد أبناء مصر الفتية الواعدة المشروعات القومية والنهضة الصناعية، وكانت مصر هي الرائدة في حركات التحرير العربية والإفريقية، وتعرض جيشها للمحن عقب تأميم قناة السويس، فهاجمتها ثلاث دول في عام ١٩٥٦، وكانت أزمة تهجير سكان قناة السويس من الأزمات التي شكلت تحديًا للجمهورية المصرية الوليدة بعد سقوط الحكم الملكي وخروج المحتل الإنجليزي من أرضها، وكان نجم الرئيس الراحل «عبدالناصر» والحزب الاشتراكي يعلو في سماء المجد، ويلهج بذكره القاصي والداني، وعاش الشعب غمار الآمال بمستقبل يليق بكفاحه العظيم في سبيل الحرية والاستقلال، ثم تأتي النكسة فتتحطم تلك الآمال، ويصحو الشعب على كابوس سوف يظل يطارده لسنوات طويلة لاحقة.
في الواقع، أنا من مواليد الثمانينيات، لكن اهتمامي بالقراءة في التاريخ جعلني أعيش تلك الأيام التي مضت قبل أن أولد وكأنني عاصرتها، وأرى على وجوه من شهدوا وقائعها ويحكون عنها ذلك الألم وتلك الخيبة التي أسقطت آمالهم العريضة من فوق سابع سماء إلى أن وارتها التراب، حتى أن نصر أكتوبر المجيد الذي نشعر بالفخر حين نسترجع أيامه ونحتفل بذكراه لم يستطع محو ذلك الألم الكامن في النفس جراء هذه الهزيمة النكراء، وفي اعتقادي أن سبب ذلك هو شعور الشعب بأنه قد خُدِع فيمن كان يظن أنه مصدر الأمن والثقة والقدوة المطلقة له، وفي الأصل أن الإنسان النقي القلب الصافي السريرة الذي يصدق الوعود ويطمئن لمن بيده الأمور حين يفقد ثقته، فإنه للأسف يفقدها للأبد.
إن الحديث لذي شجون، وهذا الكتاب رغم قلة عدد صفحاته، قد فتح الباب لأشجان وآلام وحسرات لم أكن لأحتملها، وأثار في النفس من الذكريات الحزينة ما أثاره، فأنا أذكر عمي الراحل شقيق أبي وقد شارك في حرب اليمن التي جعلت مدة خدمته في الجيش تمتد لثمانية أو تسعة أعوام كاملة، وحكاياته عن المصاعب والأخطار والمتاعب التي واجهها الجيش المصري في جبال اليمن، ثم عن عودة الجيش المصري من اليمن في حالة يرثى لها من الضعف والتعب، وأذكر أبي الراحل وهو يحكي لي عن آلام النكسة والصدمة التي زلزلت الشعب المصري من قمته للقاع، وفقدانه الثقة في كل من حوله وما حوله، ما حدا بأطيافه إما إلى الاعتكاف والانعزال، أو إلى التدين المفرط المتشدد، أو إلى الاستهتار والعبث واللهو الماجن الذي لا يقدس أو يرعى الحدود، أو إلى الرفض التام والإنكار والغضب الثائر على تلك الأوضاع المذلة المهينة.
كانت طبقة المثقفين، وهي من أصل الشعب وجذوره، تهيم مع من هاموا في سماء الوعد بالمجد والكرامة والنهضة المباركة، وإن كان المثقفين قد حذروا منذ البداية أن سبيل الثورة التي قامت ضد الظلم والاستعمار والعبودية والرشوة والاستغلال لتقضي عليهم وتقيم دولة اليوتوبيا المثالية قد حادت عن سمت الطريق المستقيم المرسوم، وأصبح المجني عليه جانيًا، والمستقيم أعوجًا، والمصلح مفسدًا، وانقلبت الثورة أول ما انقلبت ضد من مهدوا لها الطريق سواء بالدعم المباشر أو غير المباشر، فأنكرت عليهم أن يحاسبوها على ما قد يبدو لهم أنها أخطاء ومثالب، فقد كان في ظن القائمين عليها أنهم بمنأي عن أي خطأ أو زلل، وأن ثورتهم المباركة تحيط بها المكائد والمؤامرات التي ترجو أن تنال منها وتقوض أركانها، فأجمعوا على أن يكون الشعب بأكمله إما مع الثورة قلبًا وقالبًا مائة بالمائة، وإما أنه ضدها ويعمل على إفشالها مائة بالمائة.
من هنا، بدأت إرهاصات النكسة، وحال وقوعها، فقد «نجيب محفوظ» آخر آماله في تلك النهضة التي كان يتمنى أن تبقى وتستمر، وفي الثورة التي أكلت أبناءها الذين حملوها على الأكتاف، وهنا يشترك المؤلف مع الأديب في هذا الشعور وتلك الخيبة، فيتناول «صلاح عيسى» بالشرح والتحليل النفسي والسياسي الواقعي العميق روايات أديب نوبل وأبطاله ما قبل الثورة وحتى النكسة، ومع كل شخصية منهم نفهم الكثير والكثير عن واقع المجتمع المصري في تلك الفترة الحاسمة والقاصمة من عمر مصر التي كانت تموج بالتيارات السياسية والأحزاب الوطنية والمعارضة والأحداث الجسام، وقد أبدع المؤرخ بأسلوبه الرائع في تناول وتشريح كل شخصية من هذه الشخصيات التي لا تُنْسى، وربط بينها وبين الواقع الذي كانت تعيشه مصر حتى وقوع النكسة، بل وتنبأ به في غير قليل من رواياته التي سبقتها بزمن طويل.