تسكعت المعمارية البحرينية غدير داخل ذاتها قبل أن تمارس التسكع في المدن حول العالم، تسكعت أزقة الحبيبة البحرين، موضحة تفاصيل المعمار القديم، وبعض العادات، والأطعمة والتحولات المعمارية فيها، ثم تنتقل إلى باريس، شابة صغيرة أو مراهقة تخطو خطواتها الأولى للتعلم، تعود لبلدها بدون توضيح الفاصل، ثم تذهب للولايات المتحدة الأمريكية لمدينة مينالوبس حيث درست فيها وتجولت في ممراتها الزجاجية وتسكعت في ولاياتها، قليل من الاعترافات، وكثير من الوصف الشاعري، كتاب لذيذ ورصين.
"قد تبدو الفصول المقبلة نسيجًا لرحلة عابرة للتاريخ والأمكنة والثقافات، جرت بين مدن ثلاث، احتضن جزءًا من تاريخي الشخصي وعمقن استيعابي اكل المناطق الأخرى التي مررت بها أو توقفت عندها، بخيوط غزلت من المنامة وباريس ومينيابوليس"
هكذا استهلت المهندسة المعمارية كتابها عن ثلاث مدن ، وهو بالفعل تاريخها الشخصي الذي مما لا شك فيه بنى في اعماقها مدنًا داخلية ، ألزمتها الكتابة عنها.
الكتاب لطيف وخفيف، قصير ، لغته باذخة وان احتاج في بعض المواضع قليل من التحرير ، لو فقط ذاتها الكاتبة راجعته بعد تركه لفترة .. اذ انها تمتلك كل مقومات الكتابة القويمة. مفردات وجمل شاعرية ، ما رفعت صراحة من قيمة الكتاب ..
التسكع داخلي ، ان افترض القارئ انه سيفعل في المدن الثلاث، وان وجدت انني تعرفت على المنامة الى حد كبير ، وهو الجزء المفضل لدي.
# هذه الحياة الفردية تحتاج إلى مساحة ذهنية رحبة لمواجهتها .. ألا تكترث بأن حياتك ليست محور العالم ولن يلاحظ أحد وجودك الزائل
في كتابها «مدن داخلية: التسكّع في المنامة وباريس ومينيابوليس»، الصادر عن دار روايات، تمضي الكاتبة والمعمارية غدير الخنيزي في رحلةٍ لا تشبه السفر التقليدي، بل هي رحلة إلى الأعماق. تفتح المدن لتكتشف ما تحت إسفلتها من مشاعر، وما وراء واجهاتها من أرواحٍ وأصواتٍ خافتة. غدير هنا لا تروي المدن كما تُرى، بل كما تُحسّ، كما تُحلم، وكما تسكن فينا حين نظن أننا غادرناها.
( المدن كأبوابٍ إلى الداخل )
المدن في هذا الكتاب لا تُروى بوصفها أماكن، بل ككائناتٍ تنبض وتتنفّس، تشبهنا وتشيخ معنا. تتحوّل العمارة إلى استعارة، والشوارع إلى ممراتٍ في الذاكرة، والنوافذ إلى عيونٍ تتذكّر ما نسيه القلب. كل مدينة تمرّ بها تُصبح مرآةً صغيرة، تُريك وجهاً آخر للذات. في المنامة تلتقي ببداياتها الأولى، برائحة البيت وصوت الصباحات التي لم تتكرّر. في باريس تتعلّم أن الجمال لا يُكتشف بالنظر فقط، بل بالحسّ الذي يسكن العين حين تندهش. وفي مينيابوليس، تلك المدينة الباردة، تُصغي لصوت الغربة وهي تعيد صياغة حضورها في القلب.
( لغة تمشي على أطراف الحلم )
لغة غدير الخنيزي شفافة كضوء المساء. جملها قصيرة، لكن كل واحدة منها تفتح بابًا للتأمل. هي تكتب كما تمشي — بخطى هادئة، متأنّية، تحترم الصمت كما تحترم المعنى. في نصوصها يلتقي الشعر بالفكر، والحنين بالمعمار، والأنوثة بالفلسفة اليومية للحياة. تستدعي الكاتبة مفهوم «الفلانور»، المتسكّع المتأمل في المدينة، لتقول إن المشي بلا غاية قد يكون أعمق أشكال الفهم. المشي هنا ليس تنقلاً، بل نوع من الإصغاء، من الانتباه لما يتسلّل من الحياة بين خطوةٍ وأخرى.
( مدن من الذاكرة )
«مدن داخلية» كتاب عن المدن التي تُبنى بالحنين أكثر من الإسمنت. عن الأزقة التي لا تظهر على الخرائط لكنها تسكن القلب. عن البيوت التي غادرناها جسدًا وبقينا فيها روحًا. إنه تأمل في الذاكرة كجغرافيا، وفي الإنسان كمدينةٍ تتحرّك داخلها الأيام. كل قارئ سيجد بين صفحاته مدينته الخاصة — تلك التي لا اسم لها، لكنها تعرفه جيدًا. وحين يغلق الكتاب، سيكتشف أن الرحلة التي خاضها لم تكن بين المنامة وباريس ومينيابوليس، بل بينه وبين نفسه. «مدن داخلية» ليس كتابًا كبيرًا بحجمه، لكنه عميق بأثره. يعلّمنا أن المدن التي نسكنها ليست إلا مرايا لما نحمله في داخلنا، وأنّ السفر الحقيقي لا يبدأ من المطار، بل من سؤالٍ صادقٍ عن الذات.
بأسلوبها الرقيق والمكثّف، تنجح غدير الخنيزي في تحويل التفاصيل اليومية إلى تأملٍ وجوديّ، وفي جعل القارئ يرى أن كل نافذة تطلّ على مدينةٍ أخرى في داخله.
كتابٌ يُقرأ ببطء، ويُغلق بهدوء، ثم يبقى فيك طويلاً — كمدينةٍ لا تغادرها وإن غادرت كل شوارعها.
كتاب ممتع ولطيف تسرد فيه الكاتبة بلغة جميلة سيرة أيامها وتجوالها في ثلاث مدن: المنامة وباريس ومينيابوليس ، الاولى مسقط الرأس والاخريين مدن الدراسة. استمتعت كثيرا بقراءة هذه السيرة القريبة من القلب.
كتاب يسرد رؤية شاعرية معمارية للكاتبة متنقلة بين المدن.. خفيف على الروح ويستحق القراءة. لم يسبق لي أن أحببت كتاب رحلات برؤية كهذه. أنتظر المزيد من قلم تغريد الخنيزي.. وأشكر روايات لاختيارها الكتاب. الكتاب يصلح لليافعين والكبار على حد سواء إذ سيجد كلّ واحد ضالته.