في ظني أن جميل السلحوت مؤلف رواية (ظلام النهار) فكر ودبر محاولاً أن تحتوي روايته كل تفاضيل تراث منطقة السواحرة وبإسهاب مطول في إظهار الحسنات والكرم والبساطة والعيوب والظلم الذي كان يحصل في الفترة التي تمثلها الرواية، وشملت الرواية على أنواع الغناء وبنماذج مطولة ومتنوعة منها، ربما قصد أن ينتهي من إرضاء نفسه بتغطية كاملة في عرض تراث منطقته التي نشأ بها كشاهد على العصر، كي يتمكن من التفكير في معالجة موضوع آخر في رواية تالية، وخاصة في منطقتة التي ولد بها وعابشها والتي تمتد من أطراف القدس الجنوبية إلى بيت لحم وبيت ساحور حيث تنلاصق أو تندمج مع عشائر التعامرة جنوباً، وإلى البحر الميت شرقاً، هذه المنطقة الاستراتيجية العزيزة في قلب فلسطين والتي تحضن مدينة القدس من الجنوب ومن الشرق هي في عقل كل فلسطيني، وهي الخاصرة الأقوى لمدينة القدس، ولأنها متواصلة مع الأراضي العربية شرقاً، وتشمل منحدرات جبال القدس صوب سهول الغور لتنتهي عند شاطئ البحر الميت ونهر الأردن الذي يصب فيه، و احتواؤها على جبل المكبر الاستراتيجي من كل الوجوه جنوب المدينة المقدسة والذي اختارته بريطانيا ليكون مقر الحاكم البريطاني في فلسطين على قمته بعد قرار هيئة الأمم بانتداب بريطانيا حاكماً مؤقتاً على فلسطين، وذلك بحجة تهيئة شعبها لتأسيس حكومة مستقلة بعد زوال الحكم العثماني نتيجة هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، لكن وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو بين الدولتين المنتصرتين والاستعماريتين في تلك الفترة بريطانيا وفرنسا، أظهرت أن تفاهمهما كان على حساب العرب لتفرقتهم، وإضعاف الروح القومية والوحدوية لدى عرب منطقة الشرق الأوسط، ولإبعاد الشعوب العربية عن بعضها، وتمزيق وإنهاء الوحدة التي كانت تجمع الأقاليم العربية لما يقارب اربعة عشر قرناً منذ حكم الخلفاء الراشدين ثم الأمويين ثم العباسيين ثم العثمانيين، حيث كانت كل البلدان العربية وشعوبها كياناً واحداً، وجزءاً من الامبراطورية العثمانية، لا حواجز ولا فواصل بين أي إقليم عن إقليم آخر، لا بحدود ولا بجنسيات مختلفة، والأمر لم يقف عند تقسيم العرب إلى دويلات هزيلة، بل لحق الظلم بإقليم فلسطين، فوعد بلفور البريطاني للصهيونية بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين زاد من مشاكل الفلسطينيين ومن عذاباتهم في ديارهم، وأعاقهم عن التقاط ركب التقدم العلمي والنضج السياسي الجمعي، وحرمهم من تطوير أنفسهم وبلادهم وتراثهم، وأخر ترابطهم الاجتماعي والوعي السياسي، فعاش الناس في أقا ليم فلسطينية غير مترابطة كما أراد لها المستعمر البريطاني، حتى إن التنقل من منطقة لأخرى داخل وطن صغير كفلسطين كان يعتبر غربة، يتطلب جهداً كبيراً للتكيف معه، وحرص الحاكم البريطاني على أن يبقى الجهل في المجتمعات الفلسطينية وخاصة القرى والأرياف والبادية، ومجموعهم يشكل الغالبية العظمى من سكان فلسطين في تلك الفترة، وكأن الحكم العثمماني لم يزل، بل تم استبداله بحكم أسود وأسوأ.
ورواية جميل السلحوت المعنونة (ظلام النهار) تمثل الوصف الصادق لمعظم هموم غالبية الفلسطينيين في القرى والأرياف وخاصة تلك التي تعيش على حواف البادية في فترة سلطة المندوب السامي البريطاني على فلسطين، وخلال السنوات العشر الأولى من ضم الضفة الغربية للمملكة الأردنية الهاشمية، حكايات متشابكة، وكأنها فنتازيا الأساطير، تختلط الأحلام فيها بالآمال وبما يتحقق او يمكن تحقيقه على أرض الواقع مع ماهو جامد متخلف مستحكم في الأرض والعقول، وحكاية خليل وعذاباته والتي نتج عنها فقدانه لذراعه الأيمن نتيجة اعتقاد الناس أن هناك كسراً في يده، ثم القيام بتجبيره من قبل شخص جاهل كل مؤهله انه يقوم بتجبير كسور سيقان الحيوانات كالغنم والبقر، وتكشف الرواية كامل المستور من التراث المعتق والقائم على ظلام الجهل والتخلف، وتمهد للإيحاء بأن ما جرى للفلسطينيين من ظلم وشتات يمكن إرجاعه جزئياً نتيجة لتخلفهم عن العلم والمعرفة، والإصرار على متابعة هذه الحياة اليومية في ظل ظلام الجهل والحكم الديكتاتوري الظالم، وربما كان هذا سبب تسمية الرواية ب (ظلام النهار)، وكل هذا الإصرار على العيش اليومي والفكر المتخلف نهاراً، سهل على المستعمرين والصهاينة التأمر عليهم في غفلة من الزمن وخلال فترة قصيرة، ثم ما تبع ذلك من تهجير وحرمان من كل مقومات الحرية والديمقراطية والأمان والكرامة للفلسطينيين على أرضهم وضمن بلادهم، وحكاية خليل الأكتع وتطوره هي مثال مقارن ليظهر للقارئ أن الجهل والتخلف هو عدو التجديد والتقدم والحداثة، واختلف الوضع كثيراً بالنسبة لعائلة خليل حين درس وتعلم وسافر واختلط بالأجانب، فكان قطع يده نعمة على أسرته ومؤثراً في مجتمعه في النتيجة النهائية، وتطور السرد الروائي