للأسف سقطت عن التاريخ أغلب أجزاء هذه الوثيقة المرجعية، و هي تستمدّ أهمّيتها من خلال قرب كاتبها الجغرافي و التاريخي لسياق الكتاب. يقدّم هذا الكتاب صورة للفتح الاسلاميّ لإفريقية و المغرب، و لتعاقب الولاة عليها حتى بداية دولة الأغالبة. صورة خلت من كل أدوات الزينة و التغليف، و إن كانت من وجهة نظر عربية فحسب. فلا نعرف من رؤية قبائل البربر المتفرقة للأحداث سوى ما أخبر عن الكاهنة و ابنيها. كأن الحوار كان غائبا تماما عن المشهد، و كأن السيف كان فعلا أداة الوصل الوحيدة هنا. و بعيدا عن المبالغات التي لا يخلو منها كتاب تاريخيّ، فإن الأرقام و الأحداث التي يوثّقها الرقيق القيروانيٌّ ـ فخرا و اعتزازا بحجم الانجاز العربي ـ تعكس فعلا مأساة انسانية تواصلت قرونا كثيرة في هذا المقطع من التاريخ. و هو أمر يستغله المعادون للوجود العربي في شمال افريقيا أسوأ استغلال، و يسقطون على الفعل المتموضع قديما في سلم التاريخ، أحكاما قِيمية تنتمي إلى حقبة أخرى تماما. و لئن كان اسقاط قيم أخلاقية قديمة على أفعال في الزمن حديثة، يسمى "تخلفا" أو "رجعية" فإن العكس يمكن أن يسمى حماقة، و سطحية. و الأكيد أن الإسلام لم ينتشر في إفريقية عبر الإقناع وحده، و أن السيف عمل قبل أن تعمل الصحف و الخطب، و الأكيد أن المظالم في حق البربر كانت عظيمة، و الأكيد أن تعاليم النبي التي تؤكد على الدعوة و تبليغ الرسالة قبل الحرب لم تكن ذات أهمية كبيرة عند قادة كثر ذكروا هنا. كما أن من المجحف القول أن البربر دخلوا في الدين صاغرين خوفا من القتل و السبي. الجمع مجحف، فهذه موجودة و تلك أيضا، و البربر قبائل متفرقة و تجاربها مع الفتح الإسلامي مختلفة تماما و متنوعة. و فيهم من أسلم و دخل مع جيوش المسلمين في غزواتهم ضد قبائل بربرية أخرى.