نور حجج هذا الكتاب القول الفلسفي العربي بتصديها لهذه الاستشكالات الكبرى: لماذا اجتمع رهط من العلمانيين والإسلاميين العرب - بعد ذيوع فلسفة ما بعد الحداثة - على القدح في "مشروع الحداثة"؟
هل الحداثة أم لشرور سبع هي: مضار إنتاج اللحوم، وسموم الثورة الزراعية، ونكد العيش في المدن، والخطر البيئي من الثورة العلمية التقنية، وتآله الرأسمالية، والشكوكية العدمية للعقلانية النقدية، فضلا عن إرهابية التوسع الحربي للغرب؟ هل يمكن تأطير الاختلاف على الحداثة بوضع تعريف جامع مانع لها؟
كيف تترابط نظريات المعرفة والقيمة والعمل لتقييم الفعل الحضاري؟
كيف تمكن "منهجية العناقيد الاستئلافية" التي ابتكرها الفيلسوف نيكولاس رشر على هداية الإنسان في مكابدته لسيرورة التحضر؟
كيف تقدر معطيات "التاريخ الكوكبي"على إحداث الانقلاب التام للاعتراضات السبعة على شرور الحداثة لتصير تحويراتها من المحاسن، بل الضروريات الواجبة؟
دراسة مهمة عن الحداثة ونقادها والرد على تلك الانتقادات، يختمها الكاتب بكون الاقتداء بالحداثة قدر وجودي دونه الهلاك بشرط الاستئلاف الامثل لتعارضات الحداثة.
كتاب زاخر بالمعلومات القيمة والترشيحات لكثير من الكتب الهامة.
"فما مصداق الحداثة؟ فهل هي الثورة الاستكشافية الجغرافية الغربية لتغيير حدود العالم القديم باستكشاف القارات المجهولة أو غزوها أواخر القرن الخامس عشر؟ أم هي الثورة الإنسية المخالفة لتراث الكنيسة بإحياء تراث اليونان والرومان وترجمة تراث المسلمين وطباعة الكتب قبيل القرن السادس عشر وخلاله؟ أم هي الثورة التجارية التي توصلت لصيغ تدريجية من صيغ الرأسمالية الداعية إلى التحرر من الإقطاع وإلى تحرير الأسواق وانتقال العمالة والتمويل بين السادس عشر والثامن عشر؟ أم هي الثورة العلمية المتمثلة في تشیید اتصال بين علوم الفلك والرياضيات لإنتاج الفيزياء بين كوبرنيكوس وغاليليو وصولاً لنيوتن أواخر السابع عشر؟ أم أن الحداثة هي ثورة الحاكمية الشعبية (الديموقراطية) في معارضة النظام القديم القائم على السيطرة المطلقة للملوك والنبلاء في هولندا وأمريكا وفرنسا أواخر الثامن عشر؟ أم الحداثة هي الثورة الصناعية في بريطانيا بواكير التاسع عشر التي قامت على استخدام نظم الطاقة الكثيفة للتحريك والتعدين المجاوزة الحرفة اليدوية والطاقة الضعيفة للإنسان والحيوان، ومن ثم مضاعفة الإنتاج وصهر الحديد لإنشاء البنى التحتية الراسخة؟ أم هي ثورة الإمبريالية الأوروبية لاحتلال كامل المعمورة نهاية الحرب العالمية الأولى استكمالاً للثورة الاستكشافية الجغرافية الأولى أم هي الثورة الزراعية والمدينية والتطبيبية اللاحقة على الحرب العالمية الثانية التي ضاعفت من نفوس سكان الكوكب وطعامهم وعمرانهم؟ أم الحداثة هي الثورة الفردانية التي أخذت تبزغ مع بزوغ الطبقة الوسطى في القرن التاسع عشر وما تفرع عنها من الثورة الجنوسية أواخر الستينات في البلاد الغربية ولا تزال في تطور؟ أم هي الثورة الفنية الجماهيرية الاستهلاكية التي أخذت تعم الأمم القارئة برواياتها وبالفنون السمعية البصرية لمخاطبة مشاغل الأمة، ثم سيطرة الدولة عليها من بعد، بنشر الموسيقى والمذياع والمبصار لبث الأغاني والسرديات الداعمة للنظام وآيديولوجيا الحزب، ثم تحول كل ذلك لأجناس من الفنون المخصصة للأعمار والمناسبات والأمزجة والأوقات حسب الطلب التجاري ما يشكل هوية الفرد أو عبادته اليومية؟ أم هي أخيراً الثورة الحاسوبية المعلوماتية نهاية القرن العشرين بربط مكتبات الكوكب وعقوله وآلاته بشبكة واحدة تفاعلية؟ ولا تجانب الصواب إذا ما قلنا إن مصداق الحداثة هو تعاقب واستمرار وتحور وانتشار لهذه السيرورات جميعاً، أو قل الحداثة هي جماع لتاريخ الثورات الإحدى عشرة الاستكشافية، والإنسية، والتجارية، والعلمية، والديموقراطية، والصناعية، والإمبريالية، والغذائية - المدينية - التطبيبية، والفردانية - الجنوسية، والفنية الجماهيرية - الاستهلاكية، والمعلوماتية).
"أبانت المحاججة المطولة في الأقسام الثلاثة السابقة عن سلسلة من الانقلابات للقدح الموصوم بالحداثة ليصير مدحاً. كان ذاك على النحو الموالي: أولاً، لقد أبنا أن ثورة إنتاج اللحوم صارت مقتلة لشرايين البشر، لكن التعرض لها بالدحض كالتعرض بالدحض الثورة استئناس الحيوان القديم وما استحدث من أوبئة ومجاعات واستعلائية للفرسان كلاهما خطأ في التقدير. ثانياً، لقد شرحنا أن الثورة الزراعية الخضراء غدت تسميماً للأبدان لكن التشديد على نفيها كالمطالبة بنفي الثورة الزراعية القديمة وما اختلقت من إضعاف للتربة وفقر غذائي ومجاعات وعبودية للحكام، كلاهما تعسف. ثالثاً، فقد أثبتنا أن الثورة العمرانية المدينية آلت تنكيداً على الإنسان، لكن هدمها نظير لهدم ثورة التمدن القديمة وما ابتكرت من أدوات رابوع التمدن، كلاهما حيف.
رابعاً، فقد برهنا أن الثورة العلمية التقنية صارت سرطاناً يخنق الكوكب، لكن التعرض لها بالتحطيم هو كالتعرض بالتحطيم لطلب الصدق والتحقق في علوم الطب والهندسة والحساب من العلوم القديمة كلاهما مجانبة تامة للصواب. خامساً: لقد ميزنا الثورة الرأسمالية الحداثية عن الأسواقية وكيف أن الأولى قد تألهت فغدت رباً يُطاف في عبادته أفراداً وشعوباً، لكن المناداة بمحو الأسواقية الحديثة بالجملة هو كالتعرض بالقدح للبيوع والمعاملات والديون والشركات قديماً، كلاهما وقوع في ظلم عظيم.
سادساً، لقد أقمنا أن الثورة العقلانية النقدية تحولت زلزالاً لكل المسلمات فلا إيمان ولا سكينة، لكن الهوس بمطلق الذم للثورة العقلانية النقدية الحديثة بالجملة هو كالتعرض بالقدح لظهور الأبنية النظرية الشامخة لعلوم التدبر والتأويل من البلاغة والأصول والكلام والعرفان في التراث الإسلامي قديماً، كلاهما جهل لا شرعية له.
سابعاً، فقد أظهرنا أن الثورة الحربية تحولت أداة للغرب لاستعباد الأرض ومن عليها، لكن التعرض بالإبطال للثورة العسكرية الحديثة بالجملة وما أقدرت على تسريب أسباب القوة، هو كالتعرض بالقدح للتحرر العسكري الإسلامي قديماً، كلاهما فيه منع للذود عن النفس والأمة. وعليه ينقلب استنكار المستنكر إذ قال أي جنون وإفساد ورذيلة هذا الذي يدعو للاحتذاء بسابوع الحداثة ذاك واعتناقها طريقة للحياة؟» ليصير استنكاره أي جنون وإفساد ورذيلة هذا الذي يدعو لنبذ سابوع
الحداثة واعتناق ضدها طريقة للحياة؟».
"الحاصل أن بريطانيا عن غير قصد ساهمت بتسهيل ولادة الجمهورية الفرنسية، التي استفززت الوحدة الألمانية، ففجرت الاتحاد السوفييتي، فتحرر العالم الثالث بهنوده و فرسه وعربه لكن بالحصار الغربي تخلق المعسكر الشيوعي العملاق الذي أنجب العملاق الصيني الحالي. من كان يدرك أن ظلم الحداثة يتشرب من المعتدي إلى المعتدى عليه؟ ومن كان يدرك أن إرهاب الحداثة ينقلب حرية في يد من يدرك ذلك".
"من الملاحظات الموضوعية العجيبة أن مجمل الجرائم التي أوقعها الإنسان بأخيه الإنسان في القرن العشرين بالحرب والإبادة والإرهاب والتجويع لا تزيد على 190 مليون ضحية، أي 4% من مجمل وفيات القرن بينما كانت الزيادة السكانية الناتجة عن المخترعات والأساليب الحداثية تصل أربعة أضعاف من السكان، أي من 1.6 بليوناً بداية القرن العشرين إلى ستة بلايين نسمة أخره، وهي زيادة لم تحدث تاريخيا قط وأخص من هذه الأساليب: التحكم بنظافة مياه الشرب وتصريف المجاري والمطاعيم والمضادات الحيوية وطرق التعقيم والإشفاء فضلا عن تحسن التغذية بتفجر الإنتاج الزراعي والحيواني وعليه فالمقارنة بين ما أحيث الحداثة وما قتلت في القرن العشرين تميل لصالح الإحياء والنفع بنحو أشد".
كتاب جيد جدًا، ساعدني على رؤية زاوية لم أنتبه لها من قبل، وأضاء وجهة نظر معتمة. الرأي الذي يطرحه الكتاب واقعي ومتفائل إلى حد ما، ويدعو للعمل بدلًا من القنوط والاستسلام للتغيرات العالمية أو مواجهتها بردة فعل متطرفة تلغي كل حديث من حياتنا.
أحببت أسلوب الطرح واللغة العالية والتوصيات القيّمة التي ذكرها الكاتب، أظن أن الكتاب يجب أن يقرأ أكثر من مرة ليتم هضمه جيدًا والاستفادة منه والبناء عليه.
لاحظت تحاملًا بيّنًا على عبد الوهاب المسيري رحمه الله، إلا أنني أشكر المؤلف على جرأته في طرح ما هو مختلف عن السائد.
وسأعود إن شاء الله لقراءته ثانيةً بعد قراءة بعض المراجع التي تسهّل عملية فهمه.
ملخص كتاب (كيف تنقلب سبع رذائل إلى فضائل؟) للدكتور أحمد زهاء الدين عبيدات
وإنه لمن المعلوم أن المغلوب مولع بتقليد الغالب، بيد أنه قد يرفض أيضا الغالب كليا بحيث لا يدرك ما سر غلبته.
فكيف يتحرك المغلوب تحت هيمنة الغالب؟
الحل بين التقليد والرفض هو استخدام أداة الانحياز المزدوج الإحصائية التي تخبرك بأن الحل ليس بالذهاب نحو أقصى المنحنى يمينا بالرفض الشامل أو الذهاب إلى أقصى المنحنى شمالا بدخول جحر الضب وتقليد الرسوم، بل هو الذهاب إلى حالة متوسطة تجمع بين أدراك سر وحرفة صنعة الغلبة وفهم تراث الغالب الذي أوصله لتلك المقدمة ومعالجتها بما نمتلك من تراث حي.
تفهمت جدا في هذا الكتاب حنق الدكتور أحمد على تراث نقد الحداثة وما بعد الحداثة ومدارس النقد الأدبي -ما بعد الاستعماري- وأطروحات مدرسة فرانكفورت، وذلك لعلة أنها لا تغطي الصورة كلها، نعم قد تُبينُ صور النقص والعورات في منتوج الحداثة إلا أنها من حيث لا تدري لا تساعدك في الاطلاع على سر تفوق الغالب من حيث الفلسفة ولا الحرفة التقنية ولا سر صنعة الهيمنة أو الاستخلاف إن شئت قل، فالأداة تفرض كينونة وجودية على الظاهرة المراد فهمها وتفسيرها، وما سبق من مدارس قد فرض تصور غير كامل لظاهرة الحداثة، ولذلك استعان الدكتور أحمد بعدة معرفية مختلفة متمثلة بمنتوج الفلسفة المنظوماتية والتاريخ الكوكبي ومن بعدها المتمثلة بفلسفة الدكتور الراحل ماريو بونغي التي ممكن أن أسميها بفلسفة الأنظمة المعرفية وكذلك أداة الراحل الدكتور نيكولاس رشر التي عربها الدكتور تحت اسم العناقيد الاستئلافية وهي أداة يتوسع الدكتور بشرحها داخل الكتاب لكن من الممكن أن أصفها بأداة منطقية شبكية مرنة للتفكير والجمع بين عدة تناقضات داخل المثال والمشكلة الواحدة ومحاولة الجمع بينها بأعلى المكاسب وأقل الأضرار ولا تتهيب من التنازل عن الحلول المثالية الممتنعة، ثم تطالع إبداع الأمم فيما قدمت من حلول لنفس المثال والمشكل بدون نسيان للقيمة أو تخوف من جسارة التقدم لحل المشكل، وهذه الأداة التفكيرية التفكرية تجسد الكبد والمكابدة الإنسانية في سيره الأرضي خلال الزمان.
ويشير الدكتور أحمد إلى ثلاث اسرار تساعدك على تصور الحداثة وسر صنعتها بطريقة مغايرة لما عرضت في عقود التداول المعرفي العربي السابقة التي إما كانت نزقة حانقة (ولا تستطيع لوم القوم بعد أن حرقت حداثة الغربي أطفالنا وسرقت ثرواتنا وحكّمت علينا إما الغبي أو المنتفع وفي أحيان كلاها) أو كانت عبارة عن عرض إعلامي لعدة أبواق تم شراء ذممها كسفراء للمهيمن الغرب��، ولنعد للدكتور الأحمد وكتابه وأسراره الثلاث التي تساعد على اجتراح سر الحداثة بطريقة المفكر والمتفلسف الشبكي كما استخدمها هو: -
1- قراءة التاريخ الكوكبي: وهو نوع من الكتابة التاريخية التي تجمع عدة علوم إنسانية ومادية ورياضية إحصائية لتقديم صورة أوسع لتاريخ النوع البشري أو الإنسان، وقد ذكر قائمة تكفي لعام كامل من القراءة في هذا الفرع لمن أراد.
2- دراسة منتوج مدرسة الفلاسفة المنظوماتيتن الذين هم منتوج ما بعد مدرسة الفلسفة التحليلية الذين يأمنون بدور تلاقح المعارف المتعددة ويعيدون للمعرفة وحدتها حيث يتيح هذا النهج لصاحبه فهم الظاهرة كما يجب بدون تعمية ولا تبجيل، ثم يحذر من غرق وسطنا التداولي المعرفي بهرمسية الوجودين وعبثية التفكيكين أو منتوج الفلسفة القارية والمدارس الأدبية لما بعد الاستعمار أخذا وردا وله مقالة منفصلة في علة هذا وأرى لها قدر من الأهمية والجدة في الطرح.
3- هم ومزاج وأمثلة ولغة الدارسة تحاول علاج مشكلنا العربي الإسلامي المتأخر فهي بيان للناس عن منافع مهملة، كرجل جاء من أقصى المدينة يسعى حزنا وخوفا على قومه.
فبهذه الأدوات تمكن الدكتور أحمد من تصور الحداثة بكينونة جديدة لا تُفرض على ظاهرة الحداثة أو تمنع عن اجتراح كنه سر صنعة الهيمنة والتسيد والاستخلاف.
في القسم الأول عرض الدكتور رذائل الحداثة على أعلى ما يكون الكاره والناقم على الحداثة لكنه لم يذكر الخلل الأخلاقي والقيمي والوجودي والديني كعادة الفلاسفة التحليلين، وفي القسم الثاني حاول معالجة المناهج المستخدمة في فهم الحداثة عرضا ونقدا ثم قدم منهجيته المركبة المتمثلة في العنافيد الاستئلافية، وفي القسم الثالث يحاول أن يقلب الدكتور مضار الحداثة من لعنات إلى دروس عزيزة للتعلم، أتفق معه فيها وأرى فيها فرصة مميز للتعلم من الأمم التي قدمت الحداثة وأدواتها أو قاومت الحداثة بأدواتها، أتفق فيها معه إلا النقطة السادسة المتمثلة بالثورة العقلانية فلا أتفق معه في تصوره الشرعي للقضية ولا الفكري وعندي ملاحظات كثير على الحداثة في هذا الباب ليس هنا مجال عرضها.
وفي القسم الرابع الأخير يقدم خاتمة ونصيحة تماثل هم ابن خلدون في تبني علوم العمران.
وأن كان لي قول كيف يحاول أن يقدم الدكتور الحداثة، ألا وهي الوعي بوجود شبكات إنسانية داخل الجغرافيا والزمان تمنح القوة لمستخدمها وتعاقب مهملها، وتكوثر الخبرات في أدارتها يزيد من فاعلية تسييرها وتفعيلها، متمثلة بشبكات الغذاء والدواء والمواصلات والحرب والعلم والبحث والتنقل والطاقة والتعليم والتعاون الاقتصادي المالي وتداول السلطة وغيرها، ثم بعد الوعي بوجودها محاولة فهم طريقة عملها وكيف أنها مجاميع متشابكة تقدم القوة والسيطرة لمستعملها ثم الانطلاق لمرحلة إدراك أسرار دقائقها وإتقان حرفة ضخ الشبكات تبادليا في ديارنا، ولا أتوقع أن تجد إنساناً مخلصاً لأمته وقومه ودياره يرفض هذا الطرح وأهميته.
ختم الدكتور أحمد كتابه بقوله: لا يجرمنك شنآن ظلم الغرب ألا تطلبوا الحداثة، قلت في نفسي: لا بأس عندي بتبني حداثة كونية تتطلع على سر الصنعة التقنية ومناهج المنطق والتفلسف الحديثة والخبرة الكونية الإنسانية فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فعليه بها حتى لو وجدها عند من ظلمه.
في الختام أقول: الكتاب مهم وفيه جدة لا تنازع واطلاع واسع يعضد الطرح بالأدلة، حري بالقراء تداول الكتاب ومناقشة مضامينه.
هذا الكتاب رحلة كشوفات جديدة في عالم الفلسفة والحداثة، وبلغة عربية بديعة تستحق لوحدها أن يقرأ الكتاب لأجلها فحسب. ولكن المضمون الذي يقدمه الصديق العزيز د أحمد زهاء الدين عبيدات، الباحث الفذ في اللغة العربية والحضارة الإسلامية والذي يعمل أستاذا في جامعة ويك فوريست في الولايات المتحدة يمثل طرحا متميزا في دعم وتأييد الحداثة في مواجهة الردة المعرفية التي تهاجم الحداثة سواء من قبل المثقفين العلمانيين أو الإسلاميين العرب على حد سواء. يبني المؤلف موقفه المؤيد للحداثة على منهجية تحاول أن تعرض أهم الانتقادات الموجهة للحداثة ومن ثم الرد عليها بصورة شمولية ومن خلال فلسفة للحضارة أسماها المؤلف "المنهجية الاستئلافية" والتي ابتكرها الفيلسوف نيكولاس رشر، والذي يبدو المؤلف متأثرا به بشكل كبير، وربما أكبر من أستاذه الأكاديمي وائل حلاق...لحسن حظنا جميعا. بشكل مختصر، يقدم المؤلف سبعة "رذائل" للحداثة حسب ما يقدمها المعسكر المناهض للحداثة، وبدلا من الحديث النظري المجرد يختار المؤلف سبع مشاكل عملية للحداثة ويرد عليها بمنهجية العناقيد الاستئلافية. المشاكل السبع للحداثة التي اخترها المؤلف هي مضار إنتاج اللحوم، وسموم الثورة الزراعية، ونكد العيش في المدن، والخطر البيئي من الثورة العلمية التقنية، وتأله الرأسمالية، والشكوكية العدمية للعقلانية النقدية وأخيرا التوسع الحربي للغرب. يظهر المؤلف معرفة موسوعية ليس فقط بمناهج الفلسفة واللسانيات والحداثة والحضارة، ولكن أيضا بالتفاصيل التقنية المتعلقة بالإنتاج الغذائي، والبيئة، والزراعة وغيرها من قضايا الحداثة في العالم الجديد والتي لا يمكن لمثقف موسوعي أن يتجاهلها وهذا ما يضيف أهمية كبيرة للكتاب لأنه يربط البعد العلمي التقني مع البعد الفلسفي الإنساني. بعد الحديث عن مشاكل الحضارة السبع يقدم المؤلف عرضا لمنهجية العناقيد الاستئلافية، والتي تعني ببساطة أن تقديم حجة مضادة لا تعني بالضرورة وجهة نظر واحدة متطرفة ما بين الأبيض أو الأسود مثلا، أو موقفا ايديولوجيا متصلبا بل منظومة من المعايير والقيم التي تهتم بمعرفة مشاكل الحداثة، والإعتراف بها ومن ثم مواجهتها بخيارات وتوجهات تعمل على تعظيم فوائد الحداثة ومواجهة مضارها، وليس رفضها بشكل تام. يقدم المؤلف نقدا لاذعا للمثقفين العرب العلمانيين والقوميين والإسلاميين الذين يهاجمون الحداثة بدون أن يدركوا فوائدها وخاصة عندما تكون هذه المواقف مبنية على الغرور والاستعلاء حيث يقول المؤلف بكل وضوح: "فما أقبحها عيشة وما أشده كفرا أن يعاند المرء منجزات وكشوفات سلسلة الوجود الكبرى واسرارها زاعما أن حقائق الطبيعة مخصوصة بثقافته فقط لا غير فيطالب بأسلمة العلوم أو تهويدها أو تمجيسها وكأن حقائق الطبيعة لا تشرق إلا على قومه وتطبيقات التقنية لا تظهر إلا عند الناطقين بلسانه". الفصل الثالث من الكتاب هو أهم الفصول لأنه يتصدى لكل النقد الموجه للحداثة في الأوجه السبع السابقة ويقدم مرافعة مضادة تؤكد، من تفاصيل التاريخ والحاضر معا، بأن كل المواقف والتبريرات التي يتم استخدامها حاليا لرفض الحداثة، لو تم استخدامها من قبل الحضارة البشرية في السابق لما حدث أو تقدم أي تطور إنساني، ومنها في الحضارة الإسلامية أيضا. على سبيل المثال يقول المؤلف" من كان رافضا للثورة الزراعية الآلية الكيميائية الحديثة فحسبه أن يعلم أن الزراعة العضوية نفسها بدعة تاريخية خطيرة أواخر العصر الحجري". وبهذا المنطق فإن كل بدعة في التاريخ أصبحت الآن تراثا بالنسبة لنا، وبالتالي من غير المعقول رفض التغيير القادم بحجة المحافظة على الماضي أو رفض التمدن الحديث والاشتياق لحياة الريف والقرى لأن اساس الحضارة الإسلامية بالذات كان التمدن في بغداد ودمشق وقرطبة واشبيلية وغرناطة. يحمل المؤلف معولا قويا يهدم به كل المبررات التي بني بها ناقدو الحداثة أفكارهم، وينهي كتابه بنصيحة ثمينة "فلا يجرمنكم شنآن ظلم الغرب ألّا تطلبوا الحداثة". أتمنى أن يجرؤ نقاد الحداثة على قراءة الكتاب، وأن يستفيد منه مؤيدو الحداثة في دعم حصيلتهم المعرفية واللغوية بأسلحة جديدة غير مسبوقة.
هذا بحث مطول اكثر من كونه كتاب، وقد قرأت مقالة من قبل لنفس الكاتب فأنا اعرف أسلوبه ولغته. ورغم كوني متيم بحب مدرسة فرانفكورت النقدية، ومدافع عن اليسار والماركسية، إلا ان هذا العمل عمل جاد. وقولي بأن هذا عمل جاد إنما اقصد به بأن الكاتب يقدم حجج قوية ويدافع عنها بشكل جيد للغاية. وسوى كنت تتفق او تخلتف مع الكاتب إلا انك ستقرأ كتاب يقدم كلام مفيد، وحجج تحترم عقل الفرد. وأنا اتفق مع الكاتب تماما فيما ذهب إليه، انه لا يجب حل في المنظور القريب إلا بالحداثة، ولكن مشكلته هو اعتقاده بأنه يمكن الوصول الى حل وسط باستخدام المنهج الاستئلافي. وفي رأيي الشخصي بأن هذا تفاؤل مبالغ فيه. فمن يرى كيف تتطور الحداثة سيرى اننا نتقدم بشكل متسارع الى الاسوأ. فمثلا إن كانت الحداثة قد اعطت حقوق اوسع للعمال مقارنة ببدايات القرن الماضي مثلا، إلا انها في ذات الوقت حولت حياتنا كلها الى ربح للرأسمالية عن طريق غزو الترفية المنزلي. بمعنى آخر إن كانت الحداثة قد اعطت حقوق العمال اثناء عملهم في النهار فهي قد حولتهم الى عمال مستهلكين مجانيين في المساء. ان النقطة التي اختلف تماما مع الكاتب فيها هو حديثه عن الاستعمار باعتبار انه وسيله لنقل القوة من الطرف الاقوى الى الاضعف، وفي الاصل ان نبحث عن حل ليجعل الحداثة وما نتج عنها من دول وامبريالية تتخلص من هذا التفكير الأرعن بالاستحواذ والسيطرة على الشعوب الأضعف. هذا كتاب جيد بحجج قوية ولغته عالية .. ولكنه يستحق القراءة