مذ قرأت ( مذكرات الولد الشقي ) للكبير " محمود السعدني " والتي صنفها الباحثون والنقاد على أنها " أروع ما كتب في أدب السير الذاتية " ..من وقتها لم أقرأ سيرة ذاتية تحوي هذا الكم الهائل من المشاعر ... وتلك القدرة المتمكنة على فلسفة الأمور, فلسفة لاتخلو من حكمة في الحكم على الإحداث.. ورزانة في تناولها , وعمقا في فهمها وتأويلها .. وأضف إلي ذلك تلك اللمسة الساخرة وخفة الظل التي تتمتع بهما " مي أشرف حمدي " في كتابها هذا .
فعلها السعدني لأنه رأى في حياته مايستحق أن يعرفه القارئ ويتعلم منه .. . وليس لأنه كاتب كبير له تاريخ طويل, و جمهور عريض يهرول وراء عناوينه الجديدة ..
ولكن حيث جرت العادة أن تنحصر السير على المشاهير والساسة والمحاربين والكتاب أصحاب المشوار الطويل .. أصبحت هناك عقيدة لدى القارئ تنطوي على مفهوم خاطئ عن السير .. فالهدف هنا ليس طول المشوار والتاريخ , وإنما مضمون هذا المشوار ومدى الإفادة التي سيكتسبها القارئ .. والرسالة التي يؤديها .
ومن هذا المنطلق , وبهذا المفهوم, كتبت " مي أشرف " سيرة ذاتية ساخرة عن جانب كبير في حياتها _ وإن كنت أرى أن توصيف الكتاب على أنه (سيرة ذاتية ) غير منصف , إذ أن الكتاب أشمل وأرحب بكثير من هذا الوصف ! _ كتبتها لأنها بكل تأكيد ويقين تستحق أن تنشر وتوثق ويتعلم منها الآخرين.
في هذه المقدمة تكمن الإجابة الموجزة الكافية للسؤال الذي دار في ذهن بعض القراء , وغيرهم من الذين سمعوا عن الكتاب : لماذا اتجهت كاتبة لازالت تتلمس طريقها , إلى توثيق جزءا كبيرا من حياتها , قبل أن تبدأ مشوار الكتابة أصلاً ؟
****
* فنيات
الكتاب يحوي بين طياته مجموعة مختلفة من ألوان الأدب .. هو وجبة دسمة , لكنها خفيفة شيقة بديعة إلى أقصى حد .. الكاتبة هنا تعزف على أوتارا مختلفة من تقنيات السرد المنضبط ..
بداية من اختيارها المونولوج الداخلي الذي يوظف ضمير المتكلم لتبيان مجري الشعور وتوصيف الحس الداخلي , ثم السرد الكلاسيكي لخلق صورة عامة عن الأماكن والأشخاص وبعض الأحداث العابرة .. ثم الراوي العليم لإبراز مفاهيمها وفلسفتها في تناول الحدث وتفسيره .. ثم تقنية الرسائل والمذكرات التي تضعك وجها لوجه مع الشخصية فتحدث نوعا الانسجام بينك وبين الراوي ....
ستجد رواية شيّقة , ومرجعا تربويا حكيماً ,ومقالا فكريا سيغير من مفهومك تجاه بعض الأشياء .. وستجد أحداثا طريفة , تضفي على يومك مسحة ساخرة , وترسم ابتسامة عريضة على وجهك .. وستجد قصص مليئة بالحكم
حتى أنني عثرت على قصة قصيرة قائمة بذاتها متكاملة العناصر , منفصلة متصلة مع مضمون الكتاب , كالتي تبدأ من نهاية الصفحة رقم (19) وحتى منتصف الصفحة رقم (20) ..
****
* حالة أحدثها الكتاب
تساءلت في أحايين كثيرة , عندما كانت تعجبني فكرة مبتكرة موظفة بطريقة مختلفة , كيف فعلها الكاتب ؟ وكيف تراءت له .. لكني مع هذا الكتاب طرحت هذا الاستفهام لشيء أخر.!
كيف فعلتها " مي أشرف حمدي " كيف استطاعت أن تخترقني إلى هذا الحد , وتجعلني أتوحد معها وانساق دون إرادة ودون حيادية وراء فلسفتها .
كيف صورتني قبل أن أكون جنينا , وحين كنت نطفة , ووقتما صرت طفلاً كاملاً , ثم رتبت صوري وصنعت منهم فيلما دراميا وعرضتني لي ! .. كيف استطاعت أن تحلق خارج تابوهات الأمومة وعظمتها وكل الجمل المحفوظة , فتنتشلني من ( المعروف بداهة ) إلى ( عمق المحسوس ) أن تتمني مجيئي إلى الدنيا بكل هذا الشوق والشجن والحب !! , أن تناجني في غياهب رحمها ((سأحارب من أجلك .. فهلا تمسكت بالحياة .. من أجلي ؟؟ )) (( اليوم رأيتك ..كم كنت صغيرا للغاية .. نقطة بيضاء ترتعش )) ..(( أنت الآن بداخلي ..رحما وقلبا وعقلاً )) وما نوع هذه الفلسفة التي تجعلها تطرح هذا السؤال عليّ في فترة الوحم (( من الذي اشتهى تلك الفاكهة ؟ أنت ؟ أم أنا ؟ ..أرغبت أن تتذوق بعض من طعام الدنيا لتتعرف عليها قبل أن تأتيها ؟ )) وكيف حزنت علي كل هذا الحزن ((لا يمكن أن تقنع شخصاً أن الحزن_بقدر_ والإيمان لا يتعارضان .. أن الرضا لاينفي الحزن ولا يشترط تجاهله .. أن كل العبارات الإيمانية في العالم لن تجعلني في تلك اللحظة أسعد .. لايمكن أن يشعر شخص بنوع المساندة الذي تحتاجه إلا إذا كان قريباً للغاية منك .. ويحبك بصدق .. ذلك أن كل ماكنت أرجوه لتجاوز أزمتي .. عناق يتفهم حزني ويحترمه ))
كيف أقنعتني أنها أمي ؟!!
وأن أبحث في هاتفي عن رقم هاتفها ,لأقول لها كلاما لا أعرف ماهو , وأقدم لها شكرا لم أعدّه أو أستعد له , وأصف لها شعورا , بل مشاعر لم أفسرها قط ..وحالة ألجمت لساني عن الكلام وجعلتني أسأل سؤالا غريبا ( هي الست دي حقيقdة ؟) وأن أخبرها عن تلك الليلة التي أنهيت فيها الكتاب , وظلت طيلتها حاضرة بأطفالها في منامي !
وان أسألها من أين لها بأسلوب غربل مشاعري , وبعثر أفكاري , ثم أعاد ترتيبها وبلورتها من جديد .
*****
في زمن أصبحت فيه (التابوهات الموروثة ) و (الفهلوة ), هما السمة الطاغية على سير حياتنا , وخاصة في تربية الأطفال , نتيجة الفقر الفكري لدى الأب والأم , وانحصار العقول في( الصح والغلط )من وجهة نظرهم هم .. وفرض عنيف للطريقة التي تربوا بها على أطفالهم , وحصر عقولهم في مساحة ضيقة مظلمة , غير آخذين في الاعتبار فروقات تطور الأزمنة والعقول واختلاف المفاهيم . وقتل كل فكرة للإبداع ,وعدم منحهم أي زاوية رؤية مختلفة . وخلل واضح وعدم قدرة على التواصل بينهم وبين أبناءهم .. وكل هذا اللغط
تجد نوعا أخر من الأمهات
تجد أمُا تناقش صغارها وتحاورهم بالمنطق , وتسمع لهم , وتمنحهم مساحة كبيرة للتعبير عن أنفسهم , تأخذ منهم معطيات وتبلورها وتخرج بتقنية جديدة في التعامل هي من صنعتها بنفسها
أما أدركت جيدا طبيعة مكانتها الحقيقة
فمثلا ..
أنا الآن أتخيل رد فعل أم مصرية أصيلة عندما تسمع فتياتها الصغار الذين لم يتخطوا السبع سنوات , وإحداهن تحكي للأخرى عن صديق لها في المدرسة يحبها , و تعقب الثانية على غرار الأولى بأن هي أيضا كذلك , وتخبرها أنها حين تكبر ستتزوجه ..
الرد البديهي الفطري المصري العظيم , هو (الشبشب) طفلة كانت أم شابة .. الكل تحت وطأة هذا الشيء واحد , إن لم يكن جرعة من (القرص وكام ألم ) مع وصلة تهديد ووعيد أنه في حالة تكرار هذا الكلام (الفاضي) سيكون العقاب واحدا من أفاعيل الشيطان ذاته !.. وأن الحب عيب , ( والعيال هاتبوظ من صغرها يابو العيال ) فيقوم أبو العيال على أقل تقدير بالذهاب إلى الصديق المشار إليه وترهيبه بأفاعيل الشيطان ذاتها إن اقترب من بناته !! او إلى أبيه لتوعيته أن ابنه (مدلع واخلاقه هتفلت لو ملحقهوش من صغره )
لكن أنظر إلى رد فعل هذه الأم الرائعة في صفحة (116) وهي تحتوي الأمر وتفلسفه
(( الحقيقة أنه بالرغم من مخاوفي بعض الأحيان من تلك الأنوثة المفرطة ! إلا أنني لا أنكر إعجابي بها .. أن تتساوى المرأة مع الرجل في الحقوق الإنسانية فهذا جيد ولكن أن نقوم بتشويه فطرتنا الأنثوية في سبيل ذلك فهذا غباء ))
هي أم تعي تماما دورها في حياة أبناءها وهنا دعني أعرضك لمفهومها في صفحة رقم (120)
(( في اغلب الوقت تجد أن نظامنا التعليمي ومجتمعنا غير المشجع للابتكار قد جعل من الأم مدرسة .. ولكن حكومية ! يضيق عقلها بحدود أفكارها وتقضي على مساحات الإبداع وتكتظ هذه المساحة الضيقة المتبقية بالمسلمات مثلما تكتظ الفصول بالتلاميذ ويقضي على مساحات الملاعب فتضيق المدرسة بأسوارها . أعترف أنني لم أدرك هذا في المرات الأولى وظللت _رغما عني _ أحارب الإبداع في عقل طفلتي الصغيرة مقيدة بفكرتي عن الأشياء وتعريفاتها ناسية أن مهمتي ليست في أن ألقنها ما أعرفه ولكن أن أعلمها كيف تتخطى حدود معرفة الأشياء إلى التفكير فيها ))
نعم هذه المراجعة الدائمة , والتطور في فهم الدور المنوط بها , وكذلك الإدراك الحكيم لطبيعة رد الفعل المناسب لكل حدث على حده .. كل هذا هو مايخلق لنا أجيال تستطيع أن تصنع لنا حضارة جديدة , وتعيد إلينا مكانة سلبت منا يوم قلتنا كل ماهو مختلف عنا في أطفالنا , وشوهنا فطرتهم بأيدينا , ووأدنا إبداعهم , وانحصرت أدورانا في جمع المال , و(هس وبس ومتعملش كذا ) وعندما يسأل الطفل : ليه .. يكون الرد التلقائي ( من غير ليه هو كده )
أن تكوني عين مصوبة وبدقة على جميع زوايا واتجاهات طفلك , تستقبلينها وتترجمينها , وتبحثين عن الطريقة المثلي للتعامل معها , بل وتشركيهم في اختياراتهم للأشياء , فهذا يعني أنك تستحق لقب (أم)
وغير ذلك لايعني سوى أنك كائن يلد مثل أي كائن أخر !
**
في الكتاب أيضا ستقرأ عن فتاة لازالت فتاة كما هي رغم محاولة ثلاثة من الأطفال على إفهامها أنها كبرت وأصبحت أما! .. فتاة لازالت تحب وتعمل وتدرس وتمارس هوايات مختلفة ,
وزوج رغم انشغاله لازال حاضرا في حياتهم بكل الحب والأمان والتضحية بكامل العطاء ..
هم خمسة أرواح تتعايش في ملكوت خاص , يستمدون القوة والحب والإيمان من بعضهم ويمنحونهم للأخرين ..
(( اللي خلف مانمش ))
أنت أمام تجربة فريدة لأسرة لم تعد موجودة في مجتمعنا إلا نادراً.