عاد جلال إلى قريته الصنوبرية. لم يجد منزل جدته حيث نشأ كما كان. لقد اقتحمه أهل القرية وحطّموا أثاثه لاعتقادهم أن صاحبته الحاجة هدية كانت صديقة الجان. صبحية الأرملة التي تسكن في الجوار، تزور جلال لتعرض عليه تنظيف المنزل. تتطوّر علاقتهما نحو ملامسات حسّية. لكن ذكرى حب قديم تستيقظ داخله بعد اتصال هاتفي من سلمى ابنة خاله، كما أن روزيت زوجة صديقه عدنان تريد شيئاً منه. فجأة يتغيّر مزاج سكان أهل القرية تجاه الحاجة هدية. لقد صنعت معجزات عديدة من قبرها، ما دفعهم إلى جعلها وليّة، وزيارة ضريحها للتبرّك منه. لكن ذلك لا يعجب «أهل الصراط» لأن الله لم يرسل نبيات إلى البشر وإنما أنبياء. رواية شيقة تحكي عن الصراع بين التديّن الفطري والتديّن الحزبي في قرية جنوبية يشعر سكانها بالأروح ولا ينتبهون لها. اختيرت في القائمة الطويلة لـ"جائزة الشيخ زايد للكتاب" 2015
شاعر وروائي وصحافي لبناني (مواليد 1945، صور) من أبرز الوجوه الثقافية في بيروت، وروّاد قصيدة النثر. درس الأدب العربي في جامعة بيروت العربية، وحصل على الماجستير في الأدب من السوربون الفرنسية. أمضى حياته متنقلًا بين باريس وبرلين وبيروت حيث يقيم الآن. صدرت له سبع روايات منها "خريف البراءة" (2016) التي حازت جائزة الشيخ زايد للكتاب (2017)، بالإضافة إلى ما يفوق خمس عشرة مجموعة شعرية منها "الموت يأخذ مقاساتنا" (2008) التي حازت جائزة المتوسّط للشعر (2009)، وآخرها "الحياة تحت الصفر" (نوفل، 2021) تُرجمت قصائده إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والإسبانية والكردية.
لأول مرة أقرأ للكاتب والروائي اللبناني عباس بيضون. لقد اكتشفت من خلال قراءتي له كاتبا متفردا في لغته الأنيقة وأسلوبه الوصفي الجميل. كانت قراءتي له محض صدفة، لكنها كانت أجمل صدفة.
في هذه الرواية ينقلنا عباس بيضون لنعيش مع البطل (جلال) في أجواء الحرب الأهلية اللبنانية (1975 - 1990)، وما شهدته من أحداث امتزج فيها ما هو لبناني بما هو فلسطيني، وما هو يساري بما هو قومي، وما هو ديني بما هو وطني. وكان في خضم تقلباتها تبرز بين الفينة والأخرى شخصيات نسائية تطفو على سطح الأحداث لتؤثر من موقعها الأنثوي على حياة البطل. فهذه جدته الحاجة هدية تظهر في مشهد القرية بشخصيتها الروحانية القوية التي استطاعت أن تسحر عقول وقلوب أهلها بتجاربها الروحية في شفاء المرضى، جعلتهم يقرون لها بعد تردد بالتقوى والبركة، حتى أنهم رفعوها بسبب ذلك إلى مصاف الأولياء المقدسين، ومن أجل ذلك صنعوا لها بعد موتها قبة مرتفعة تميز ضريحها عن باقي القبور إمعانا في التبرك بقداستها وبركتها.
وهكذا يتوالى مع تتابع الأحداث ظهور شخصيات نسائية أخرى تتقاطع مصائرها بحياة (جلال)، لنكتشف من خلال حضورهن الدور المتعدد الذي تلعبه المرأة اللبنانية في المجتمع في علاقتها بالرجل سواء كانت زوجة أو خليلة أو زميلة في العمل أو في الحزب. كل هذه الأدوار تجعل القارىء يصل إلى قناعة أن المرأة اللبنانية هي مركز تفكير الرجل مهما كانت ظروفه، فحتى لو حاول الابتعاد عنها، فإنه يجد نفسه محاطا بها تطارده حيثما كان.
بالإضافة إلى الحضور النسائي في الرواية، فإن بيضون يتناول مواضيع أخرى في خضم الأحداث من قبيل: كيفية استقطاب الفكر اليساري للشبان الصغار وتأثرهم به. كما يتطرق للانتهازية الحزبية عند كثير من الزعماء اليساريين، وكذا هشاشة الهياكل التنظيمية التي تقوم عليها أحزابهم السياسية.
في المجمل، فإن رواية «الشافيات» هي رواية اجتماعية، وسياسية تؤرخ لفترة حرجة عاشها لبنان في خضم الصراع السياسي والاديولوجي إبان الحرب الأهلية بين عامي 1975 و 1990، عبر فيها الكاتب عن وجهة نظره من الأحداث التي شهدها لبنان في تلك الفترة.