تعجبني العناوين التي لا تحكي شيئاً، تقرأ الرواية وأنت تترقب متى تظهر هذه الرامبوتان كي تأكلها، وصلتُ إلى منتصف الرواية قبل أن أفهم صلة العنوان بالرواية، وهذا جانبٌ أحبه في العناوين.
الإهداء حلو.. قاسٍ بعض الشيء؛ يحكي قصة تعب الكاتبة بطريقة لبقة وجميلة، لكن المُهدىٰ إليهم رائعون ببراءتهم، ما يكفي كي نستمتع بهذا المدخل اللطيف للرواية.
أين وقعت أحداث الرواية؟ أسماء الشخصيات أجنبية متفرقة لا تشير إلى دولة أو إقليم محدد، إلا من اسم "مراد" العربي، ومديره "ماهر".. وهناك أشجار صنوبر، ومنطقةٌ اسمها "ميخاو".. يبدو لي أن هذا مقصود من الكاتبة؛ أن لا تحدد مكانًا واضحاً لأحداث روايتها، وذلك كي تأخذ حريتها في رسم الأحداث بطريقة تتلاءم مع أفكارها والأحداث من الناحية الخيالية، كالعصابات مثلاً وسهولة الحصول على المسدسات وما إلى ذلك.
أما عن الشخصيات، كانت الفكرة الأولى عندي أن ليندا مجنونة تماماً، وتوقعتها تعاني من الفصام، وكاجول لسوء حظها وقعت بين يديها.. لكن الكاتبة كانت قد رسمت خطًّا آخر لها.. إن هذه الشخصية ملفتة للنظر، بتناقضاتها وتقلباتها ومرضها وطيبتها وقسوتها، رُسمت بطريقة صحيحة.. سنُدرك من النظرة الأولى أن المرأة على غلاف الرواية _ (الرَّامبوتان) _ ذات الملامح التائهة والقناع الهش، هي ليندا الطيبة التي تمارس القسوة ادعاءً، ولأنها ليست قسوة حقيقية نابعة من القلب، لهذا كان لون القناع في الغلاف أبيض وليس أسود، رغم أني تمنيتُ لونه أحمر، ليتوافق الأبيض مع الأحمر فيمثِّلان ثمرة الرَّامبوتان بصورة أقوى.
أما مراد فلم أحبه كثيراً، خاصة حين يرى قسوة ليندا فعليًا، ثم يتجاهل كل جرائمها وينظر إليها من ملامحها أنها طيبة في داخلها، بل يسافر معها ويترك دنياه كلها من أجلها.
هنالك الكثير من الحبكات في الرواية، تبهرك الكاتبة بتفاصيل كثيرة في الأحداث، وكلما حاولتُ تخمين أمر أقع في مفاجأةٍ تهدم توقعاتي.. أما عن النهاية، فالحبكة منسوجة بطريقة ذكية أيضاً.
ما يميز الرواية، وهو الذي يميز عائشة الشحي عموماً، هو الحركة الدائمة للأحداث، بحيث تمنعك من أن تشعر بالملل، الذي يجعل القارئ يسترسل في قراءته بطريقة انسيابية.. الخيال لا ينقص قلمها، واللغة متينة، والتشويق _ تعوَّدنا عليه في سطورها _ مستمرٌ حتى الصفحة الأخيرة من أعمالها.