زلزل الخبر أرجاء الضاحية الصّغيرة ونشر فيها موجة من الفزع فهذا الصباح تمّ العثور على جثّة نجوى، فاتنة القرية، غارقة في بحيرة إشكل. هكذا تنمو الحكايات كنباتات شيطانيّة، وتتعدّد الرّوايات، وينسلخ ماضي نجوى كورق حائط متهالك كاشفا عن حقائق مذهلة وتفاصيل كابوسيّة، نتعرّف من خلالها على كواليس ضاحية تجيد دفن الأسرار. تتجاوز إيناس العبّاسي أبعاد رواية التشويق العاديّة لتلقي بنا في عاصفة من الأسئلة الوجوديّة، لعلّها محاكمة صامتة لنظام كامل.
أتيحت لي فرصةُ قراءة مؤلَّفٍ ثانٍ لإيناس العباسي، وهو وإن كان أقلَّ عنايةً ونضجا من رواية منزل بورڤيبة، فقد حافظت خلاله الكاتبةُ "المنزليّةُ" على عالمِها الخاصِّ بين بحيْرتيْن. هذه المرّة تنطلق من مدينتِها الأثيرة لتتأمّل في سوسيولوجيا نشأةِ جيلها في تونس في التسعينات وبداية الألفينات. لذلك يطغى على الروايةِ صوت الشخصيات المراهقةِ، الّتي عبّرت جميعها عن صنفٍ من أصنافِ المعاناة من القمعِ الأبويِّ: الأبُ والنّاظرُ ورجل البوليسِ وربُّ العملِ. وترجع طبيعةُ الصّراعِ إلى تحوّلات عميقةٍ في المجتمعِ غيّرت بشكلٍ جذريٍّ رؤى الجيل الجديدِ مقارنة بجيل آبائه، ولكنّ روايةَ إشكل لا تعي هذه التحوّلات ولا تنتبه إلى التأمّل فيها. لكنّ تباينَ الرؤى واضحٌ بين الجيليْن فيها، فيما يبدو أنّها رؤى أحلامٍ ورديّةٍ بعدالةٍ اجتماعيّةٍ وديمقراطيّةٍ وحياةٍ حرّةٍ بأيّ شكلٍ. ركّزت إيناس العباسي أكثر على التباين بين الواقع والأحلام ما جعلَ الرواية دراما اجتماعيّةٍ بالأساس. وهو أمرٌ محبطٌ بعض الشيءِ بالنظر إلى الأفكار الطريفةِ الكثيرةِ الّتي امتلأت بها الروايةُ: عرضُ نجوى المفاجئ لربِّ عملها الّذي يوقعه في مفارقة غريبةٍ. رمزيّةُ شخصيّةِ قيس الّذي يربط بين مدينتيْن في حالتيْ شدّ وجذبٍ مستمرّتيْن وهما بنزرت ومنزل بورڤيبة، رمزيّة الشخصيّات الّتي رغبت في نجوى إذا ما ربطنا نجوى نفسَها بمدينتِها: إذ ترغبُ في قيس المتعلّمِ الّذي هُجِّر من المدينة بحثا عن استكمال دراسةٍ جامعية لا وجود لها في هذه المدينة الصناعية، ولكنّها لا تحصل إلاّ ربِّ عملٍ أنانيٍّ يريدُ استغلالَها بلا حسابٍ، وترفض فيصل ابن المدينة المتواضع الّذي ظلّ هناك متخليا عن الدراسة ومكتفيا بحرفةٍ مستقلّة تحفظ كرامتَه... أما من ناحيةِ الشّكلِ، فنحن أمام قصّةِ جريمةٍ تكادُ تخلو من عناصرَ أساسيّةٍ فيها. لا بحثَ ولا مفتّشَ، بل جريمةٌ وأقوالٌ تحكي حكايةَ الجريمةِ من شخصيات مختلفةٍ يبدو أن من بينها الفاعلَ. ضربٌ اختزاليٌّ من قصصِ من فعلها whodunit مسلوبٌ من الإثارةِ ومحتفظٌ بالحيرةِ. أفكار جميلةٌ لم تتحلَّ إيناس بالأناة الكافيةِ لاستغلالها أحسن استغلالٍ وللتوسّع فيها وجعل الكُتيْبِ أكثر دسامةً وأكبر حجما.
يسافر الكتاب بنا إلى فترة التسعينات بكل ما يميزها وبالحنين الذي يشدنا إليها إلى جانب القضايا التي كان يواجهها المجتمع التونسي عامة ومدينة منزل بورقيبة خاصة في تلك الحقبة. توهمنا البداية برواية من طراز -من فعلها- لكنها تجنح في ما بعد إلى منحى اجتماعي عن طريق رواية الأحداث من أكثر من شخصية. تمنيت أن تأخذ الشخصيات الرئيسية حيزا أكبر في الرواية خاصة أن إيناس أسهبت في الحديث عن شخصيات لا علاقة لها بالحبكة الرئيسية ولو جربنا أن نمحو تلك الفصول فلن يتغير شيء في القصة. شعرت مع كثرة الشخصيات وقصر مدة اقامتها معنا في الرواية بأن معظم قصصها مبتورة والنهاية أيضا لم تبدو لي الدوافع التي ادت لها منطقية لكن قلم إيناس وأسلوبها يغطي معظم تلك النقائص لتخرج في الاخير بشعور إيجابي تجاه الرواية.