هذا الكتاب نص «أوَّلي» في علم «أصول الفقه». والمراد بـ «الأولية» هنا أنه يصلح أن يكون «أوَّل» ما يقرأه المثقف غير المتخصص في العلوم الإسلامية في موضوعه، ثم هذا القارئ وشأنه إن رغب في الاستزادة من هذا العلم العظيم فمصادره مبذولة، رائجة، لا تكاد تخلو من بعضها مكتبة عامة أو خاصة. وهذا القارئ سيجد إشارات عديدة في تضاعيف هذا النص «الأوَّلي» وإحالات غير قليلة إلى كثير من المصادر الأصلية التي يمكنه الرجوع إليها ليوسِّع نطاق معرفته بهذا العلم النفيس.
وقد اقتضى الهدف من هذه الدراسة أن تكون موضوعاتها مقتصرة على لُبِّ اللُّباب من أساسيات هذا العلم. وهي دراسة كافية للإلمام المجمل، أو العام، وإن شئت قلت: «المبدئي» بعلم الأصول. وأنا راجٍ أن تكون فصول هذا الكتاب نافعة للمبتدئ في دراسة العلوم الشرعية، لكنها -عندي- لا تكفي قطعًا لتكوين أصولي كامل، ولا كان هذا ما أُريد منها وبها.
محمد سليم العوَّا محام بالنقض ومحكم دولي، أستاذ جامعي سابق، ومفكر إسلامي مصري كما كان يشغل منصب الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس جمعية مصر للثقافة والحوار متزوج وله ثلاث بنات وولدان، وسبعة من الحفدة. تميز فكره بالاعتدال والتركيز على الحوار لا الصدام بين العالم الإسلامي والغرب، حصل على دكتوراه الفلسفة (في القانون المقارن) من جامعة لندن، له أكثر من مائة مقال في المجلات العلمية والمجلات الدينية والثقافية، كما نال عدة جوائز علمية ودعوية وخيرية منها جائزة حاكم عجمان للشخصيات العالمية والدعوية كما له العديد من المؤلفات والبحوث.
انتهيت من قراءة أولى مشتريات معرض الكتاب، كتاب مقامات الأصول لمحمد سليم العوا، وإليكم مراجعة بسيطة
أكثر ما شعرت به أثناء القراءة هي الألفة والقرب من مقصود كل كلمة مكتوبة، ويرجع هذا للتماسك العقلي الواضح عند العوا والعقلية المرتبة القادرة على هضم واسع الاطلاع وإخراجه بصورة كلام منظم مرتب له معنى متعوب على وضوحه ومُصاغ على تحليل لترتيب الأهمية وتضمين الرأي بما لا يقطع انسياب الإطار التعليمي للكتاب المقصود من عنوانه الفرعي "دليل المثقف المعاصر إلى علم أصول الفقه" ويرجع أيضًا للتشابه في أسلوب الكتابة مع أسلوب الوالد (توحيد الزهيري) سواء في اعتياد المدخل اللغوي للأمور، أو كتاب الكلمة وبين قوسين مرادف وقبله علامة (=كذا)، أو الاستدراك بالجمل الاعتراضية، والرجوع الكثيف لمصادر النصوص الرئيسة مباشرة دون الغرق في أقوال وخلافات أصحاب المذاهب المختلفة.
قد أوضحت في الفديو الذي عرضت فيه مشتريات المعرض أن غايتي من هذه القراءات هو خدمة المساق الذي أدرسه هذه الأيام بجانب عملي العادي كطبيب، بعنوان: مقدمة في التاريخ الاجتماعي للتراث الإسلامي. لم يكن طموحي عاليًا في خدمة هذه القراءة لهدفي لكن النتيجة فاقت طموحي بكثير.
- العوا نموذج حي على استمرار "التقليد الإسلامي"
واحدة من الأفكار الشائعة في دراسات الفكر الإسلامي الحديث هو القطيعة بين مجال العلوم الإسلامية بطرقها التقليدية "التراثية" وبين الواقع المعاش الذي صار معقدًا ومتراكبًا منذ وجود «الدولة الحديثة/الحداثة/العولمة/الاستشراق» وينظر له البعض باعتباره خرج عن مكانته ولم يعد، ويُستدل على تقوقع بعض الجماعات الفكرية والحركية المعاصرة على نفسها باعتبارهم المسلمون وحدهم على تأكيد هذه الفكرة الانعزالية العاجزة عن الاستمرار والاشتباك الصحي مع الواقع. يمثل محمد سليم العوا بنفسه حياة مثيرة لهذا النموذج، من شاب سكندري على المذهب الحنفي بمشايخ متصلين تاريخيًا بالتطور المستمر لهذا النسق منذ نشأته إلى العوا لكنه خارج الإطار المدرسي المعروف من الأزهر أو المدارس السعودية الحديثة مثلًا، وسلك الجامعة (تعليم حديث) في كلية الحقوق وأنجز دراسات أكاديمية على النمط الحديث (دكتوراة من لندن). وعمل كمحامي وحقوقي، وشارك في كتابات دستور دول مثل إيران كفقيه دستوري، ومنسجم مع المسالك الإسلامية التقليدية فتجده في مجمع اللغة واتحاد علماء المسلمين... إلى ترشحه للرئاسة في 2012!
- الكتاب للمثقف المعاصر على شاكلة الكتابة الإسلامية القديمة
يجد الناظر في تاريخ الكتب المشهورة بالعلوم الإسلامية أنها لا تٌكتب على طريقة ما نعرفه اليوم من نمط الكتابة، فإنها كانت إما دروس شفهية لطلاب أو إجابة لسؤال طالب، أو محاضرات في علم، أو حتى إنشاء لعلم كامل بقواعد ليحل مسائل يواجهها في عصره ومعاصريه. ولذلك قد يكتبها عنه طلابه ويعرضوها عليه أو حتى يجموعها مما حفظوه عنه بعد موته. القصد هو الاشتباك الذهني والاجتماعي للنص وهو يتشكل في الواقع قبل خلقه بحبر على ورق ولذلك قد يأخذ سنوات. تعرف من المقدمة أن هذا الكتاب تفريغ لمحاضرات ألقاها العوّا بين (2005-2007) ضمن البرنامج الثقافي «معالم الثقافة الإسلامية»، ثم صياغتها الأولية وهذا عمل صعب ثم عرضها على العوّا ليخرجه في صورة كتاب.. طريقة تشبه كثيرًا بناء الكتب في التاريخ الإسلامي القديم وطريقة العناية بالنص وموضعه ليصل إلى صورته الباقية.. وأظن هذا من أسباب انضباطه، لأنه قد أٌعيد النظر فيه طويلًا للتأكد من توجهه للفئة التي يقصدها مع تطور الحوادث خلال السنين، وقد حدث الكثير حتى كان احتمال أن يكون العوا رئيس مصر 😅
وقد حقق الكتاب مقصوده بنجاح واضح فخرجت عندي أفكاره جلية وراسخة، وترشيح أعمال أخرى للتعرف والتعمق فيما عرج إليه، خرجت بحوالي 6 ترشيحات هامة، واقتبس الكثير من النصوص التي جعلت النص منسجم مع بناء فكري أوسع وربط بين أفكار العلماء (أصحاب مذاهب شتى حتى الشيعة الإمامية والزيدية) بسهولة ويسر ندر اجتماعهم في كتب أبناء التقليد الإسلامي.
وأدهشني بكثرة ما يقتبس من مختلف الأزمنة والمذاهب بلا ذرة استعراض إنما تكييف محدد ودقيق لما يقصد، مع عرض تاريخي شامل لتطور كتب الأصول وأهمها في كل عصر حتى عالمنا الحالي.
كنت أتعجب من قرب العوا الاجتماعي والسياسي من الإخوان المسلمين لأنه ببساطة لا يشبههم تمامًا وبمستوى ما أقرأ فهو قادر على رؤية فراغ طرحهم وإدراك تهافت الشعارات التي لا تنطوي إلا على أفكار حداثية مماثلة لمن يعارضوهم فقط بسمت يوحي بإسلاميتها (الفكرة التي بلورتها الدكتورة هبة رؤوف عزت في كتابها الخيال السياسي للإسلاميين).. لكن مع معرفة أن والده كان من مرافقين حسن البنا شخصيًا فالأمر مفهوم، كما أن الحكومة لا تُفرق في النظر فاعتقله عبد الناصر 1965 😅 (دايما بفتكر الفديو اللي قصيته وهو بيشرح إحياء علوم الدين بعدين حكى موقف لدكتور صغير مع ظابط واقعد اضحك، ما علينا)
يخرج من هذا الكتاب نقاشات كثيرة لكن أهمها بالنسبة لي الفارق الواضح بين الوعي السياسي للعوا وبين ما يكتب عنهم، يبدو واضحًا أن من أكبر مشاكل العلوم الإسلامية هو ضمور المسائل السياسية داخلها بدءً من السؤال الأكبر من يحكم وكيف يأتي للحكم، اكتفوا بـ كيف يحكم، أي بعد حدوث ما قد يحدث حتى ولاية المتغلب! وينتقد ذلك انتقادًا شديدًا.
كانت صحبة محببة طيلة أسبوعين، وأظنني قد حققت أجلّ ما أحب في القراءة وهو الوصول لقدر مقبول مما في نفس الكاتب، أي ما الذي دار بخلده حتى يشرع في الكتابة ليقول شيئًا يشير إلى ما يقصد.