(يمشي الهُوينى، ببطء الذاهب إلى مقصلة غير مرئية، تقطع الهواء عنه شفتاه معلَّقتان بلا أسباب على ياسمينة سوداء وورقة على ظهره وصدر عصفور مشدود بخيط مقطوع، ويداه مخضَّبتان بدماء ليست دماءه، مرتفعتان وليستا يدَيْه).
قصيدة واحدة موزعة على مقاطع، أو يمكن القول إنها موزعة على نصوص، كل نص قصيدة بذاته، يشدها إلى بعض المعنى واللغة وانهماك لاهث ليس بالبحث عن مفردات جديدة فحسب، بل ربما ليس ذلك أبداً، بل بابتكار مفردات، كأنما اللغة هنا، في هذا الديوان، تُخلق من جديد، وكأن المفردة تتشكل الآن/ آن الكتابة وآن القراءة معاً. تبلغ اللغة مداها حيث يمكن للقارئ الحصيف أن يسمع أصواتاً كثيرة تصدر من ثناياها أو من حروفها معلنةً بداية جنون لغوي لا رادّ له. قصيدة صعبة ومتوحّشة فعلاً، لكنها مكتوبة بانتباه بلغ أقصاه، مثل وتر مشدود حتى آخره بيد رامٍ حاذق يعرف أساليب شدّ الوتر وإرخائه في اللحظة المناسبة: "يمشي الهُوينى، ببطء الذاهب إلى مقصلة غير مرئية، تقطع الهواء عنه شفتاه معلَّقتان بلا أسباب على ياسمينة سوداء وورقة على ظهره وصدر عصفور مشدود بخيط مقطوع، ويداه مخضَّبتان بدماء ليست دماءه، مرتفعتان وليستا يدَيْه".
ربما يمكن فهم ذلك الجنون اللغوي والانفجار المدوي للمفردات والجمل من خلال معرفتنا أنه يتوجب على اللغة أن توازي الحدث الأكبر الذي ترويه القصيدة وهو انحلال هذا العالم وتفككه وانهياره وتحولاته...
قصيدة تجريبية من أولها حتى آخرها، وهذا منهج بول شاوول في كتابة الشعر.
بول يوسف شاوول (ولد سنة 1942) شاعر حداثي ومترجم وناقد أدبي وكاتب مسرحي لبناني. له العديد من الأعمال الإبداعية والنقدية. حاز جائزة الشاعر أبي القاسم الشابي في تونس تتويجاً لأعماله في الترجمة الشعرية وفي الشعر والمسرح.
حياته ولد بول شاوول في بلدة سن الفيل في الضاحية الشرقية ببيروت، لأسرة تعود جذورها إلى ضيعة «دورس» في بعلبك. وكان واحدًا من ثمانية أبناء لأب يعمل شرطيًا في الأمن العام: أربعة صبيان (أحدهم توءمه جورج) وأربع بنات، تعلم في المدرسة الابتدائية الرسمية في سن الفيل، ثم تلقى تعليمه الثانوي في مدرسة رسمية ثم في مدرسة قدموس الليلية الخاصة ببيروت قبل أن يلتحق بكلية التربية في الجامعة اللبنانية متخصصًا في اللغة العربية وآدابها.
أسس مع رفاقه أثناء دراسته الجامعية «حركة الوعي»، التي يصفها بأنها استمدت أفكارها واتجاهاتها من طبيعة التناقضات اللبنانية والعربية، ونجحت هذه الحركة في استقطاب العديد من طلاب الجامعات وبعض الثانويات حتى صارت واحدة من أهم القوى في الجامعة اللبنانية.
عمل شاوول أثناء دراسته الجامعية في ترجمة الأفلام السينمائية الغربية، كما عمل مدرسًا بمعهد الشرق في سن الفيل.
الشاعر والمترجم ترجم شاوول نصوصًا لأبرز المبدعين الغربين في غير عمل له، ومن ذلك في كتابه: مختارات من الشعر العالمي، إذ ضم نصوصًا لكل من: اراغون، وريتسوس، ولوركا، وفرناندو ارابال، وجاك بريفير، ورينه شار، وميشيما، وبابلو نيرودا، وهولدرلين، واخماتوفا، وبورخيس، وبول إيلوار، وطاغور، وميلوس، وصموئيل بيكيت... وغيرهم