مثل كافة الشعائر الدينية الجماعية، حوَّل المصريون الحج إلى ممارسة دينية اجتماعية تصاحبها الاحتفالات والبهجة الشعبية منذ بدأت قوافل الحجاج تخرج من مصر إلى الحجاز وسط مظاهر الفرحة والدعاء ، وتعود بعد شهور لتلقى جموع الناس الذين يرحبون بعودة الحجاج . وهذه الدراسة التى يحملها الكتاب تتحدث عن احتفالات الحج فى عصر سلاطين المماليك (١٢٥٠-١٥١٧م) ، وأهمية هذه الاحتفالات على المستوى السياسى والاقتصادى والاجتماعى . ويتطرق الباحث إلى مظاهر الاحتفال بالحج، والمحمل ، الذى يحمل كسوة الكعبة، وكيف أن موكب الحج كان يطوف القاهرة قبل الخروج إلى الحجاز تصاحبه حامية عسكرية، وبعثة طبية وكيف كان يتم تأمين طريق الحج البرى عبر شبه جزيرة سيناء ... وما إلى ذلك . دراسة ممتعة فى التاريخ الاجتماعى . - See more at: http://www.dar-ein.com//book/408
لقد نظر المماليك إلى قافلة الحج التي كانوا يرسلونها إلى أهالي الحرمين الشريفين، على أنها واجبة على عاتقهم وليست فضلاً يتفضلون به، وذلك بسبب المسحة الدينية التي كانوا يتمسحون بها. فالحج هو الركن الخامس من الإسلام وواجب ولي الأمر تيسيره أمام الراغبين في أداءه، ومن هذا المنطلق تولت دولة المماليك تنظيم قافلة الحج والإشراف عليها فعلياً، واعتبرت هذا العمل واجباً يقع على عاتقها.
الكتاب ده أكثر من رائع، فالكاتب تقريباً لم يترك شيئاً عن أمر الحج في عصر دولة المماليك إلا وذكره، وقام بعمل جبار حيث أنه استعان بمجموعة كبيرة من كتب التاريخ في ذلك العصر.
قام الكاتب بتقسيم البحث إلى ستة فصول : الأول : إمارة الحج المصرية في عهد سلاطين المماليك الثاني:أهمية احتفالات الحج سياسياً الثالث:أهمية الحج اقتصادياً الرابع:قافلة الحج في العصر المملوكي الخامس:مظاهر احتفالات الحج في عصر المماليك السادس:طرق الحج المصري ودور سلاطين المماليك فيها
وضح الكاتب في البداية لماذا اهتمت دولة المماليك بالحج واحتفالاته واعتبر من أهم معالم الدولة، وكيف استطاعت الدولة الناشئة الجديدة من توطيد دعائم حكمها من خلال تلك الاحتفالات، وكيف استفادت سياسياً واقتصادياً منها.
أهم مافي احتفال الحج هو المحمل، فما هو؟
يقول القلقشني في كتابه صبح الأعشى: المحمل هو الجمل أو الجمال التي تحمل كسوة الكعبة وهو الهيكل الخشبي المخروطي الشكل الذي يحلى بأجمل زينة ويحمل على جمل ويصاحب قافلة الحج، ويوضع الهودج على الجمل وعليه غشاء من حرير أصفر بأعلاه قبة من فضة مطلية والقبة من الخشب، وتتزين رقبة الجمل وسائر أعضائه بجواهر منظمة أبلغ تنظيم.
صورة للمحمل
صورة لغطاء المحمل
وكان يطوف المحمل أرجاء القاهرة لحث الناس على الحج، وكان الجمل يدور بين صفوف الفرسان، ومن ورائه الطبول وأمامه الرماحة حيث أنهم لديهم مهارة في لعب الرمح من على ظهور الخيل، وبعد أن ينتهي المحمل من الطواف في القاهرة، يتجه أخيراً إلى القلعة.
صورة لمجموعة من النساء والأطفال حرصن على مشاهدة المحمل أثناء طوافه في القاهرة
وجرت العادة أن يأمر السلطان بأن ينادي منادي في الناس بتزيين حوانيتهم ودورهم، فيظل ينادى في الناس في رجب بموعد المحمل، وذلك قبل الموعد بثلاثة أيام يتكرر النداء خلالها ودعوة الناس إلى المشاركة في الاحتفال.
صورة مرسومة توضح تجمع الناس لرؤية المحمل والكسوة الشريفة أيام بيبرس
ولم تقتصر موجودات المحمل على كسوة الكعبة فقط، فقد ضمت أيضاً كسوات أخرى، مثل كسوة مقام إبراهيم، وكسوة الغرفة النبوية، وكسوة الخليل ببيت المقدس، وجرت العادة أن يتم هذا الاحتفال مرتين في العام في شهر رجب وشوال.
كسوة مقام إبراهيم
كسوة الغرفة النبوية
أما كسوة الكعبة التي اعتبرت أهم شئ في المحمل، فكان السلطان يتابع أمر نسجها بنفسه لتعرض عليه في شوال ليتأكد من انتهاء نسجها على أفضل شكل، مع مشاهد الجمالين وهم يحملونها على رؤوسهم، وكانوا يأتون هؤلاء الحمالين من المغرب العربي.
ويذكر القلقشندي أن الكسوة كانت تصنع في بداية الأمر بالقاهرة بالمشهد الحسيني، من الحرير الأسود مطرزة بكتابة بيضاء، وتبدلت الكتابة البيضاء في عهد بيبرس إلى أخرى صفراء مشعرة بالذهب.
وكان هناك نسختين من الكسوة واحدة حمراء من الحرير الأحمر المذهب لداخل البيت والأخرى سوداء لظاهره.
الكسوة الحمراء
أما على الصعيد التكويني لإمارة الحج، فكانت تنقسم إلى أمير أول وأمير ثان، ويعرف الأول بأمير الركب ويرافقه السواد الأعظم من الحجاج، أما الثاني فيعرف بأمير ركب المحمل ويتولى قيادة المحمل وهو أعلى مكانة من أمير الركب.
لم تذكر المصادر عدد جمال قافلة الحج ولكن يذكر (جان لينو) وهو شخص زار مصر في عام 1512م أن قافلة الحج القادمة من مكة كانت تضم مابين 100 إلى 120 ألف جمل !!
محتويات القافلة ونظامها:
وكانت تسير كالتالي: الأكابر وذوو الوجاهة وأهل الدولة كانوا في أولها، والتجار وأصحاب الأحمال المخزونة والأموال في قلبها والفلاحون ورعاع الناس في المؤخرة.
ويتم الاحتفال بتعليق كسوة الكعبة في مكة، حيث يقوم السلطان بغسل الكعبة بنفسه بماء الورد ويغسل أزر إحرام الحجاج بنفسه بماء الكعبة ويجلس على باب الكعبة.
صورة للمحمل متوجه من مكة إلى المدينة يقودها أمير الحج
وبالطبع كانت تلك الاحتفالات تمر بعض السنين بدونها مثل عام 655، 656 هـ حيث تعطل الحج بسبب التتار، حيث لم ترفع راية ملك من الملوك في عرفة.
وفي أواخر عصر الدولة ومع الانهيار ومع تدهور الأحوال الأمنية كان الاحتفال بالمحمل تتم فيه بعض الهرج والمرج، وسرقة المارة وضرب الناس.