حين يستيقظ يسحقه العالم من الوهلة الأولى بثقله وكثافته، يمشي كأسير مكبلة أقدامه. يسعى في دروب البيت هنا وهناك حتى يتجهز للخروج. في الشارع يواجه أطنانًا من اللحم البشري لا ملامح لها، تتحرك في اتجاهات شتى، الكل يريد مالًا لمضاعفة تلك الكتلة البشرية اللزجة إلى ما لا نهاية.
رواية سلالم بنروز للدكتور محمد سمير رجب من إصدارات دار الفؤاد .. استشعر الحرج في مناقشة رواية سلالم بنروز فالدكتور محمد صديق، ولكنه من قال لي ذات مرة إن النقد لا يعرف المشاعر، سأحاول أن أكون محايدا وبذات أسلوبه . السرد: السرد في "سلالم بنروز" يتميز بتعدد الأصوات والأساليب، حيث ينتقل الكاتب بين السرد التقليدي والسرد الذاتي الداخلي (تيار الوعي)، مما يعكس الحالة النفسية المعقدة للشخصيات. في بعض القصص، نجد سردًا خطيًا يتبع تسلسلًا زمنيًا واضحًا، بينما في قصص أخرى، يتم كسر التسلسل الزمني لخلق حالة من الانزياح والغموض، مما يعكس حالة اللايقين التي تعيشها الشخصيات.
السرد أيضًا يتسم بالانزياح بين الواقعي والفانتازيا، حيث تتداخل العوالم الواقعية مع العوالم الخيالية أو السوريالية. هذا الانزياح يعكس الصراع الداخلي للشخصيات بين الواقع والحلم، بين الماضي والحاضر، وبين الحياة والموت. الكاتب يستخدم السرد لخلق حالة من التوتر والترقب، حيث يترك القارئ في حالة من التخمين حول مصير الشخصيات وطبيعة الأحداث. 2. اللغة: اللغة في "سلالم بنروز" لغة شعرية غنية بالاستعارات والصور البلاغية، مما يعطي النص عمقًا وجمالية خاصة. الكاتب يستخدم اللغة ليس فقط لنقل الأحداث، ولكن أيضًا لخلق أجواء نفسية وعاطفية تعكس حالة الشخصيات. اللغة هنا تكون أحيانًا مكثفة ومختصرة، وأحيانًا أخرى متدفقة وموسيقية، مما يعكس التقلبات النفسية للشخصيات. اللغة أيضًا تحمل في طياتها الكثير من الرموز والدلالات، حيث يتم استخدام الرموز الطبيعية (مثل الشمس، البحر، الصحراء) لتعكس الحالات النفسية للشخصيات. على سبيل المثال، الشمس قد ترمز للأمل أو للضياع، بينما البحر قد يرمز للغموض أو للخطر. هذه الرموز تضيف طبقة إضافية من العمق للنص، وتجعل القارئ يتفاعل معه على مستويات متعددة. 3. الحوار: الحوار في القصص يعكس العمق النفسي للشخصيات، حيث يتم استخدامه ليس فقط لتقديم المعلومات أو تطوير الأحداث، ولكن أيضًا لكشف الطبقات الداخلية للشخصيات. الحوارات غالبًا ما تكون مختصرة ومكثفة، تحمل في طياتها الكثير من المعاني الضمنية التي تتطلب من القارئ التأمل والتفكير. في بعض القصص، نجد حوارات داخلية تعكس الصراعات النفسية للشخصيات، بينما في قصص أخرى، نجد حوارات خارجية تعكس العلاقات الاجتماعية والتفاعلات بين الشخصيات. الحوار هنا يكون أحيانًا مباشرًا وأحيانًا غير مباشر، مما يعكس طبيعة العلاقات المعقدة بين الشخصيات. 4. الزمان والمكان:
الزمان والمكان في "سلالم بنروز" ليسا مجرد إطار للأحداث، بل هما عنصران فاعلان في تشكيل الحبكة وبناء الأجواء. القصص تتنقل بين الأزمنة والأماكن المختلفة، من الصحراء إلى الغرف المغلقة، من الحاضر إلى الماضي البعيد، مما يخلق شعورًا بلايقين والغموض الذي يعكس حالة الشخصيات الداخلية. الزمان في القصص غالبًا ما يكون غير خطي، حيث يتم كسر التسلسل الزمني لخلق حالة من الانزياح والغموض. هذا الانزياح يعكس حالة اللايقين التي تعيشها الشخصيات، حيث يصبح الماضي والحاضر والمستقبل متداخلين في ذهن الشخصية. أما المكان، فهو يعكس الحالة النفسية للشخصيات. 5. التحليل النفسي: القصص تعكس تحليلًا عميقًا للنفس البشرية، حيث تعاني الشخصيات من صراعات داخلية، من البحث عن الهوية، من الحب والخسارة، ومن مواجهة الواقع القاسي. الكاتب يستكشف المواضيع النفسية مثل العزلة، والاغتراب، والبحث عن المعنى في عالم يبدو فارغًا من القيم. الشخصيات في القصص تعاني من صراعات نفسية عميقة، حيث يتم كشف طبقاتها الداخلية عبر السرد والحوار. على سبيل المثال، في قصة "رأس ملعون"، نجد شخصية تعاني من صراع داخلي بين الحياة والموت، بين الرغبة في التحرر والخوف من المجهول. هذا الصراع يعكس حالة الاغتراب والعزلة التي تعيشها الشخصية. 6. التحليل الاجتماعي: القصص أيضًا تعكس تحليلًا اجتماعيًا عميقًا، حيث يتم استكشاف المواضيع الاجتماعية مثل العزلة، والاغتراب، والبحث عن المعنى في عالم يبدو فارغًا من القيم. الكاتب يستخدم الشخصيات ليعكس حالة المجتمع، حيث نجد شخصيات تعاني من العزلة والاغتراب، وشخصيات أخرى تعاني من الصراعات الاجتماعية والعلاقات المعقدة. في قصة "سوء تفاهم"، نجد شخصية تعاني من صراع اجتماعي بسبب علاقتها المعقدة مع شخص آخر. هذا الصراع يعكس حالة الاغتراب والعزلة التي تعيشها الشخصية في المجتمع. الكاتب يستخدم هذه القصة ليعكس حالة المجتمع، حيث يصبح الفرد غريبًا في عالم يبدو فارغًا من القيم. 7. بناء الشخصيات: الشخصيات في "سلالم بنروز" معقدة ومتعددة الأبعاد. كل شخصية تحمل في داخلها عالمًا كاملاً من التجارب والمشاعر التي يتم الكشف عنها تدريجيًا عبر القصص. الكاتب يبني شخصياته بعناية، مما يجعلها تبدو حقيقية ومألوفة، على الرغم من أن بعضها يعيش في عوالم فانتازية أو سوريالية.
الشخصيات هنا تكون أحيانًا واقعية وأحيانًا فانتازية، مما يعكس الصراع الداخلي بين الواقع والحلم. على سبيل المثال، في قصة "الرجل الذي مشى"، نجد شخصية تعيش في حالة من الانزياح بين الواقع والحلم، حيث يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو خيالي. 8. الفكرة الرئيسية: الفكرة الرئيسية التي تجمع القصص هي البحث عن المعنى في عالم مليء بالغموض واللايقين. القصص تتناول مواضيع مثل العزلة، والاغتراب، والحب، والخسارة، والموت، والبحث عن الذات. الكاتب يستخدم مجموعة متنوعة من الأساليب الأدبية لاستكشاف هذه المواضيع، مما يجعل "سلالم بنروز" عملًا أدبيًا غنيًا ومثيرًا للتفكير.
في النهاية، "سلالم بنروز" هي مجموعة قصصية تستحق القراءة، حيث تقدم تجربة أدبية عميقة ومتنوعة، تثير التساؤلات وتدفع القارئ إلى التفكير في معنى الحياة والوجود. الكاتب يقدم هنا عملًا أدبيًا غنيًا بالرموز والدلالات، يعكس حالة الإنسان المعاصر في عالم مليء بالغموض واللايقين. نقاط القوة في الرواية: اللغة الشعرية والصور البلاغية: تتميز القصص بلغة شعرية غنية بالاستعارات والصور البلاغية، مما يعطي النص جمالية خاصة وعمقًا نفسيًا. هذه اللغة تجعل القارئ يتفاعل مع النص على مستويات متعددة، سواء عاطفيًا أو فكريًا. التنوع في الأساليب السردية: الكاتب يستخدم أساليب سردية متنوعة، من السرد التقليدي إلى تيار الوعي، مما يعكس الحالة النفسية المعقدة للشخصيات. هذا التنوع يجعل القصص مثيرة ومتنوعة، ويجذب القارئ لاستكشاف كل قصة بأسلوبها الخاص. الانزياح بين الواقعي والفانتازيا: الانزياح بين الواقعي والفانتازي يعطي القصص بعدًا فلسفيًا وعمقًا نفسيًا. هذا الانزياح يجعل القارئ يتساءل عن طبيعة الواقع والحلم، وعن الحدود بينهما. التحليل النفسي العميق: القصص تعكس تحليلًا نفسيًا عميقًا للشخصيات، حيث يتم استكشاف الصراعات الداخلية، والبحث عن الهوية، والمواجهة مع الواقع القاسي. هذا التحليل يجعل الشخصيات تبدو حقيقية ومتعددة الأبعاد. الرموز والدلالات: الكاتب يستخدم الرموز الطبيعية (مثل الشمس، البحر، الصحراء) ليعكس الحالات النفسية للشخصيات. هذه الرموز تضيف طبقة إضافية من العمق للنص، وتجعل القارئ يتفاعل معه على مستويات متعددة. نقاط الضعف في الرواية: الانزياح المفرط بين الواقعي والفانتازيا: في بعض القصص، الانزياح بين الواقعي والفانتازيا قد يكون مفرطًا، مما يجعل القارئ يشعر بالارتباك ويفقد الاتصال بالواقع. هذا الانزياح قد يجعل بعض القصص صعبة الفهم أو غير متجانسة. التركيز المفرط على الجانب النفسي: في بعض الأحيان، التركيز المفرط على الجانب النفسي للشخصيات قد يجعل الأحداث تبدو ثانوية أو غير واضحة. هذا التركيز قد يجعل بعض القصص تبدو وكأنها تحليل نفسي بحت دون تطور درامي كافٍ. ضعف التطور الدرامي في بعض القصص: بعض القصص تعاني من ضعف في التطور الدرامي، حيث تكون الأحداث بطيئة أو غير واضحة. هذا الضعف قد يجعل القارئ يفقد الاهتمام ببعض القصص. اللغة المكثفة أحيانًا: على الرغم من جمالية اللغة، إلا أنها قد تكون مكثفة جدًا في بعض الأحيان، مما يجعل القارئ يشعر بالثقل أو الصعوبة في متابعة النص. ** من منظور البنيوية القصصية، يمكن تحليل "سلالم بنروز" من خلال التركيز على البنية الداخلية للقصص وعلاقاتها مع بعضها البعض. البنيوية تركز على العلاقات بين العناصر داخل النص، وكيفية تشكيل هذه العلاقات للمعنى. البنية الداخلية: القصص في "سلالم بنروز" تتميز ببنية داخلية معقدة، حيث يتم استخدام الانزياح بين الواقعي والفانتازيا لخلق حالة من الانزياح والغموض. هذه البنية تعكس الصراع الداخلي للشخصيات بين الواقع والحلم. العلاقات بين العناصر: الكاتب يستخدم الرموز والدلالات لخلق علاقات بين العناصر داخل النص. على سبيل المثال، الشمس قد ترمز للأمل أو للضياع، بينما البحر قد يرمز للغموض أو للخطر. هذه العلاقات تضيف طبقة إضافية من العمق للنص. التناقضات: البنيوية تركز على التناقضات داخل النص، مثل التناقض بين الواقع والحلم، بين الحياة والموت، وبين الحب والخسارة. هذه التناقضات تعكس الصراع الداخلي للشخصيات. **أما من منظور الواقعية، يمكن تحليل "سلالم بنروز" من خلال التركيز على تصوير الواقع وعلاقته بالشخصيات. تصوير الواقع: القصص تعكس الواقع المعاصر، حيث تعاني الشخصيات من العزلة والاغتراب في عالم مليء بالغموض. الكاتب يستخدم الانزياح بين الواقعي والفانتازيا ليعكس هذا الواقع. العلاقات الاجتماعية: القصص تعكس العلاقات الاجتماعية المعقدة، حيث تعاني الشخصيات من الصراعات الاجتماعية والعلاقات المعقدة. هذه العلاقات تعكس حالة المجتمع المعاصر. التحليل النفسي: الواقعية تركز على التحليل النفسي للشخصيات، حيث يتم استكشاف الصراعات الداخلية، والبحث عن الهوية، والمواجهة مع الواقع القاسي. وأما من منظور ما بعد الحداثة، يمكن تحليل "سلالم بنروز" من خلال التركيز على انزياح الحدود بين الواقعي والفانتازيا، وتعدد الأصوات والأساليب. انزياح الحدود: القصص تعكس الانزياح بين الواقعي والفانتازيا، حيث يصبح من الصعب التمييز بين ما هو حقيقي وما هو خيالي. هذا الانزياح يعكس حالة اللايقين التي يعيشها الإنسان المعاصر. تعدد الأصوات والأساليب: الكاتب يستخدم أساليب سردية متنوعة، من السرد التقليدي إلى تيار الوعي، مما يعكس الحالة النفسية المعقدة للشخصيات. هذا التعدد يعكس حالة التشتت واللايقين. تفكيك المعنى: ما بعد الحداثة تركز على تفكيك المعنى، حيث يصبح المعنى غير ثابت ومتعدد الأوجه. القصص في "سلالم بنروز" تعكس هذا التفكيك، حيث يصبح من الصعب تحديد معنى واحد للنص. الخلاصة:
"سلالم بنروز" هي مجموعة قصصية غنية بالرموز والدلالات، تعكس حالة الإنسان المعاصر في عالم مليء بالغموض واللايقين. القصص تتميز بلغة شعرية غنية، وأساليب سردية متنوعة، وتحليل نفسي عميق للشخصيات. ومع ذلك، فإن الانزياح المفرط بين الواقعي والفانتازيا، والتركيز المفرط على الجانب النفسي، ، قد تكون نقاط ضعف في العمل. بشكل عام، "سلالم بنروز" هي عمل أدبي يستحق القراءة، حيث تقدم تجربة أدبية عميقة ومتنوعة، تثير التساؤلات وتدفع القارئ إلى التفكير في معنى الحياة والوجود. وأوصي بها لعشاق الأدب النفسي والفلسفي وأدب الفانتازيا ولعشاق اللغة والرمزية بكل تأكيد.
سلالم بنروز هي أحد الأشكال الهندسية المستحيلة، التي تعتمد على آلية الخداع البصري، بحيث تبدو للرّائي كما لو أنها تصعد وتهبط في آنٍ واحد وإلى ما لا نهاية.. لا أعرف ما إذا كان هناك من استخدم هذا الرّمز مسبقا للدلالة على هذه الفكرة أم لا، لكنها ولا شك فكرة عبقرية، يمكن أن يستخدمها زيوس المرة المقبلة لعقاب الأشقياء أمثال سيزيف، كما يمكن استخدامها ها هنا للتعبير عن ثيمة الكتاب؛ كلّ الطُّرق لا تؤدي إلى أي مكان.
على عكس مجموعته القصصية السابقة "أريدها حياة" - والتي كانت أقرب إلى الفلسفة الوجوديّة تحاول إضفاء معنى للحياة، والمزاوجة - كسمكتي الين يانج - بين الأبيض والأسود، الحلاوة والمرارة لصنع قدح قهوةٍ مثالي أو حياة كما ينبغي لها أن تكون - سقط الكاتب على ما يبدو ها هنا في هوة العدم السّحيق واستقر، وكانت القصص تكشف صراحة عن مدى عبثية الحياة وتُفرغها من المعنى.
"نم نم اليوم الطويل المشمس قد انتهى ومن خلف الشمس الآفلة يتقدم الظلام مهما كانت أفراحك فستختفي بنهاية اليوم مهما كانت أحزانك فستتلاشى في النوم نم أيها القلب المعذب، ودع الماضي ماضيا اغفِ أيتها الروح السعيدة، ففي النهاية كل الحياة ستغفو."
على عتبة العمل، يُلقي علينا تعويذةً ضرورية للعبور، تُتفه وتُقزّم كل شيء، كما يليق بحيوات شخوص العمل الذين تشكّلوا من رمال على شُطآن مختلفة بنزوعٍ سادي وسرعان ما تلاشوا مع أول موجة عابرة فقط ليخابروا عاقبة الوجود.. كما أنها بمثابة تهويدة تُهيِّئنا لما هو قادم، فالنصوص لا يمكن قراءتها إلا من الوضع نائما، كلها كُتبت بآليات رمزية حلمية، فوحده مورفيوس يخلصنا في عالمه من رقابة العقل الواعي وسلطان المجتمع وتتكشّف لنا كافة خبايا النفوس المعذبة وبواطنها.
حكايات المجموعة تُثبط كل المحاولات، وتجهض كل المساعي، حيوات تشتعل وتنطفئ بسرعة كأعواد ثقاب، تحترق وتُلقى من دون أن تخلّف أثرًا، إلا من تنهيدة عابرة، حرص الكاتب على توثيقها، فكما يقول في الإهداء: "ثمة من يشعر بكم ويعرف عنكم كل شيء" أبطالها مصلوبون على علامات استفهام تتساءل عن جدوى كل هذا العناء، حيوات أتفه حتى من أن تكون مأساة؛ فالمأساوي يمنحنا وهم العظمة الإنسانية وفيه بعض المواساة كما يقول كونديرا، أما الهزلي فهو أشدُّ قسوة، إذ يكشف بعنف افتقار كل شيء إلى المعنى، مثلما جرى في قصة "واقعة الألف فارس"، حيث البطل ملقى على الأرض يلفظ آخر أنفاسه وفي الخلفية ضحكة شيطانية لا تنقطع من جمال غادر، امرأة تراقب المشهد من عليٍّ، تُحوّل البطل من شهيدٍ لأحمق، والمأساة لمشهدٍ ساخر.
يلعب الكاتب على مدار العمل لعبة من حركتين؛ خلق إيهام وكسره، منح أمل كطعم واستلابه، لعبة بسيطة وإنما معقدة كون كل شخوص العمل يتعرضون للخديعة نفسها ويلاقون المصير ذاته وهنا تكمن الصعوبة، يجب في كل مرة أن تبدو الحيلة جديدة وغير مكررة، كي يتورط القارئ ويتوقع في كل مرة نتيجة مغايرة. كل شخصية تعلّق أمامها جزرة الحب، تتبعها في حالة شاعرية أشبه بالسرنمة، وفجأة تتعفن الجزرة وتُبدد الخيانةُ - بمختلف صورها - كل الأوهام، يتبقى حطام أناس يتخلجون كديوك منحورة العنق.
للوهلة الأولى سيبدو للقارئ أن الكتاب يدين أو يهجو المرأة، فالخيانة ملصقة في أغلب القصص بالحضور الأنثوي، امرأة كانت أو فتاة أو طفلة، سمكة أو شمسًا أو دمية أو حرباء، فنجد مثلا في قصة "خيط ميرهان" معالجة لحكاية ثيسيوس والمينوتور، يقرر البطل قتل الوحش في المتاهة، لكن ميرهان - خلافا لأريادني - تتخلى عن حبيبها، تترك الخيط في النهاية وتتركه هائمًا في المتاهة، أو لعل الحبل كان أقصر من خاصة أريادني كما هو الفرق بين عالمي الواقع والخيال، وفي قصة "شمس آفلة" يقع البطل في سقوط أبدي في الفضاء بسبب قفزة متهورة من أجل نجمة ظن أن جاذبيتها ستنقذه، غير أنها نجمة آفلة، لم يبق منها إلا ضوء خادع. لكننا مع تقدم الصفحات، سيتكشف لنا أن الخيانة ليست قاصرة على الإناث ، ففي قصة "سوء تفاهم" مثلا يحترق فؤاد البطلة، من أجل استعارة ولّدت حبا وشيدت عالما خياليا وهدمته، وفي قصة "كيانان" حرص الراوي على تحييد جنس شخصيتي القصة، وطبيعة العلاقة بينهما، وفي قصة "الغرق" حتى الحب الأبوي لم يكن كافيا للنجاة. كما أن هناك تلميحات مهمة بين السطور، نوع من التّبرئة للأشرار، كما لو كانوا مجبرين على الخيانة والغدر بشكل آلي، تحرضهم الحياة، وتخضعهم نواميس الكون والطبائع البشرية، حتى القدر يسوقهم نحوها أحيانا عن طريق رؤى حلمية تُنذر بحتمية وقوع المأساة. يهوذا القصص مجبر على الخيانة، يمارس دوره في اللعبة. إذن، المجموعة القصصية في النهاية تدين الحياة، تحيل كل الشُّرور إلى الوجود ذاته، كل صور الغدر محض تمثّلات للدنيا، هي شرير القصة الأصلي والوحيد، وكلُّنا دمى ماريونت بين يديها.. حتى لو حاولنا تغير أقدارنا كما في قصة "سائق القطار" أو التمرد بإنهاء المهزلة الوجودية - كما في قصة "رأس ملعون" - ستتبدّل كل القوانين الكونية فقط لتستمر المأساة. لا يسعنا سوى المسير مثل بطل قصة " الذي مشى" مهما نسينا الوجهة والهدف ونقطة الانطلاق، ب أو بدون معنى.. أو مثلما اختتم الكاتب المجموعة باقتباس لألبير كامو:
يقول أحمد أمين : إن الأديب كلما صهره الحب، وبرّح به الألم، كان أرقى أدباً وأصدق قولاً، وأشد في نفوس السامعين أثراً. وبهذا نجد أن الأثر العميق الذي تخلفه بضع صفحات من التراكيب اللغوية والألعاب السردية، دليل كافي على عظم التجربة الإنسانية التي خاضها الأديب، ولن تجد أقوى من الألم محركاً للإبداع وبرهان على صدق صاحب التجربة. وإن كان أحمد أمين قد جمع بين الحب والألم في مقولته، فهذا من باب الإشارة إلى قمتين لابد وأن - الإنسان العادي فضلاً عن الأديب - يتردد عليهما ويلتجئ من واحدة إلى أخرى؛ لكنني مؤمن بأن الألم ومرارة التجربة هما وقود الأدب الحقيقي ,الوقود الذي يحتاجه الأديب ليمنح نصوصه عمق وفلسفة تتيح للقارئ مشاركته تلك التجربة الإنسانية التي قرر أن يسطرها في صفحاته . منذ فترة ليست بالقصيرة اعتدت اختلاس بضع ساعات لقراءة حرة لا أتقيد خلالها بكتابة مراجعة أو حديث حول ما قرأت، تلك الساعة تحديداً دائماً ما أبقيها خارج جدول القراءة لأنني عاهدت نفسي ألا أدنسها بما لا يليق بها، فأجدني أنتقي أعمال عظيمة أقرأها للمرة الأولى، أو لقراءة ثانية لإحدى الروائع التي لا أمل التردد عليها مرات ومرات، وقد أنتقي بعض الإصدارات الجديدة لأقلام جيدة وأدباء معاصرين، أكتفي بالقراءة فقط، أبحر مع الصفحات لأنتقل من حكاية إلى أخرى، داخل عوالم الأدب السحرية. ولهذا فقد وقع اختياري على مجموعة قصصية لواحد من الأقلام المحببة إلى قلبي، وهي واحدة من الإصدارات التي قمت بترشيحها للقراء خلال معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الماضية، قرأت المجموعة في أيام ثم تركتها ولم أحدث أحد بأمرها حتى صاحبها، احتفظت بتلك الحالة الفريدة وتلك الجرعة الإبداعية لي وحدي حتى قررت الحديث عنها ومشاركة رؤيتي المتواضعة مع عشاق الأدب الجيد من الباحثين عن تلك الروائع التي يجدر بنا الحديث عنها كلما تيسر لنا ذلك.
{ سلالم بنروز } مجموعة قصصية صاغها قلم د- محمد سمير رجب , ليست تجربتي الأولى معه , وقطعاً لن تكون الأخيرة , قرأتها مرتين , وأثرت ألا أكتب عنها إلا بعدما أتجرد من أثرها النفسي الذي عايشته مع القراءة الأولى . *عتبات النص في سلالم بنروز وقبل أن أشرع في الحديث عن قصص المجموعة وجدت أن من اللائق الحديث عن عتبات هذا العمل الذي أعده " حالة خاصة " تنقله من كونه مجرد " مجموعة قصص " إلى تصنيف أخر أعتقد بأن صاحبه كان على بينة من أمره حين قام بتشييد هذا البناء على هذا النسق البديع . 1 / العنوان. سلالم بنروز , أو الدرج المستحيل , خدعة بصرية " هندسية " حيث يصنف على أنه تصميم غير عادي , يمنح الشخص الواقف أعلاه خطوة نحو الأعلى إذا استمر في اتجاه واحد , لكنه في الوقت ذاته سيصل إلى نقطة البداية بعد مروره بأربعة مراحل من السلالم , أما إذا تحرك في الاتجاه المعاكس فيتضح له أنه يقوم بالهبوط مروراً بالمراحل الأربعة حتى يصل إلى نقطة البداية من جديد , وبمعنى أدق تلك هي رحلة اللانهاية , حيث يهبط السائر درجة بكل درجة يصعدها أو العكس تماماً في دورة ليس لها نهاية على الإطلاق . وبالنظر إلى تلك الفلسفة الخاصة بطبيعة درج بنروز نستطيع بسهولة ويسر القبض على طرف خيط أول قبل الولوج إلى متاهة النص ذاته، وكأنما أراد سمير أن يقول للقارئ " احترس فأنت الأن تقف عند نقطة بداية لا نهاية لها، تقدم لكي لا تصل، أو عد من حيث أتيت ولا تتجرأ على نص كهذا، لأنه لم يكتب لك، تلك الصفحات لن تنتهي ولن يزول أثرها ولو بعد حين "، رسالة تحذير أولى، أو إن شئت سمها فخ أعد ببراعة، فالعنوان مميز - وكذا عناوين وأسماء قصص المجموعة - ومثير لاهتمام القارئ الحقيقي الباحث عن الأدب الحقيقي لا الزائف. 2 / الإهداء. إلى من نهشهم الخوف والألم والمرض النفسي، في كل مكان وزمان، ثمة من يشعر بكم ويعرف عنكم كل شيء! رسالة أخرى استبدل في نهايتها علامة تعجب لا نقطة تشير إلى نهاية مقاله، علامة تعجب تمنحه مساحة كافية كغمزة تواطؤ بين شريكين، وكأنما يقول لهم لا تخبروا أحداً بأنني قد تجرعت من ذات الكاس التي سُقيتم منها دون إرادة منكم، ها أنا ذا أرتدي ثوب الراوي لألفق لكم حكاية تخبر عنا بعض ما نحياه ونعايشه.
3/ استهلال بأبيات شعرية لألفريد ��ينيسون نم نم، اليوم الطويل المشمس قد انتهى، ومن خلف الشمس الآفلة يتقدم الظلام. إلى قوله اغف أيتها الروح السعيدة، ففي النهاية كل الحياة ستغفو. وأقول أنا لماذا ألفريد تينيسون تحديداً؟ ألا يوجد استهلال أخر يعبر عما يرغب الكاتب في قوله كرسالة ملغزة يتركها للقارئ قبل الانغماس في صفحاته؟ لماذا لجأ إلى اختيار شاعر من شعراء العصر الفكتوري؟ والإجابة واضحة لمن أراد المعرفة، تلك الصبغة والنزعة الخاصة بهذا العصر تحديداً لم يسلم منها أديب، إذ لابد وأن تجد أثر الكآبة والإنقباضية بسبب الشعور بعدم الجدوى، وتلك واحدة من سمات هذا العصر، ولهذا فقد اختار محمد سمير أن يستهل مقطوعة شعرية كنوع من الإعتذار عما سيشرع به. 4 / الغلاف. مثال مبسط لنموذج وصورة من صور درج بنروز تختلف عن الصورة المتعارف عليها، ربما كان الشكل الهندسي المختار يشبه المتاهة أكثر من وجهة نظري، ثلاثة شخوص يقف كل منهم في موضع، أوضحهم هو من يقف في المنتصف، كل هذا داخل لوحة خضراء يتوسطها ظل رأس تحتوي المتاهة أو الدرج الأسطوري بشخوصه. رسالة وعتبة أخرى برع سمير في اختيارها لتكتمل عتبات نصه. * وقفات مع المجموعة. في هذا الجزء سأشرع في الحديث عن قصص المجموعة بشكل مختصر، تكفيني إشارة ووقفة مع كل قصة منهم منفردة، وعن علاقتها بباقي قصص المجموعة بأكملها. ١ / واقعة الألف فارس. مواجهة ألف فارس أهون على روح الرجل من نظرة عين لوجه ملثم، جفن أمضى من السيف، وثغر أشد فتكاً من رماح وسهام وسيوف ألف فارس. تلك القصة تسرد وقائع صراع النفس وهزيمتها، معركة قل أن ينجو منها صاحبها، ألف صورة وألف تجسيد، لا قدرة لديهم على إيقافه متى أراد، لكن هزيمته جاءت من بعيد، كتبت النهاية على يد ملثمة تبسمت في وسط صحراء ذاته التي أعلن انتصاره بها منذ لحظات. سحر المرأه والعشق قاتـ ـل لا محالة، مشهد النهاية دليل على اعتناقه لها، كعابد في صلاته شمر عن ساعديه وخر ساجداً، عيناه معلقة بها، وإصبعه يشير بوحدانيتها في قلبه الذي خفق للمرة الأخيرة. ٢/ خيط ميرهان إعادة إحياء لأسطورة ثيسيوس قاتل المينوتور، لكن هناك فارق كبير بين خيط ميرهان وخيط أريادني ابنة مينوس، في الأسطورة تتجلى شجاعة ثيسيوس وتضحية أريادني، وفي أسطورة سمير تتجلى شجاعته وتضحيته من أجلها، المتاهة واحدة، والخيط واحد، الفارق فقط هى اليد التي تمسك به. في الأسطورة يمل ثيسيوس فيهجرها، وهنا تخاف ميرهان وتفزع فتتركه لمتاهة لا نجاة منها طلباً لنجاتها وحدها، أليس هذا بصراع أبدي ما بين الحياة والموت خاصة حين يتعلق بأخرين؟ غامر من أجلها فضاع في متاهتها، أصابها الخوف فتركته وولت هاربة ، قتـ ـله العشق وأحياها الجُبن. ٣/ سوء تفاهم. علاقة بنيت على استعارة، وكم من استعارات قاتـ ـلة، قصة تطرح تساؤلات عدة، مفهوم الحب عند كل منهما ، هل نعطي لمن نحبهم ما نحن بحاجة إليه أم نعطيهم ما هم بحاجة إليه؟ أليس التخلي وقت الحاجة جريمة تفوق جرائم القتـ ـل بشاعة؟ تلك القصة صورة من صور درج بنروز، مسكين من يصاب بلعنة الرقص على هذا السلم، فلن يصل إلى وجهته مهما حاول أو فعل. ٤/ شمس آفلة. هذه القصة تتحدث عن لعنة أبدية، غواية مقدسة كما أسماها من صاغ حروفها ونمق كلماتها وتراكيبها. تجسيد قصصي لمفهوم السراب، إنها حكاية لعنة التماهي والتلاشي والذوبان في كينونة رمز لا يحمل معنى إلا في نظر من رأه وتعلق به. شمس آفلة وشموس أخرى فتية تفوقها جمال وكمال وقوة، لكنه لا يشتهى إلاها ولن يرتضي بغيرها ، سراب يدرك الجميع الهلاك الكامن خلفه، وحده من سار ليصل، وعقابه أن يبقى هكذا،معلق بين الحياة والموت، سيظل يسقط إلى مالانهاية، وتلك درجة أخرى من درجات بنروز التي لا تنتهي. ٥/ الرجل الذي مشى. أرى هنا فورست غامب وهو يخطو خطوته الأول في سنوات مسيره الطويل، وهنا أيضاً صاحبنا فعل، أخذ خطوة تلو أخرى ولم يتوقف، استمر سيره بحثاً عن غاية، عن الأمل وسط الضياع والفوضى. توقف فورست غامب في حكايته، حين شعر بالكفاية، حين تأكد من أنه قد بلغ النقطة التي يجب عندها أن يتوقف، لكن محمد سمير أبى أن يترك صاحبنا ليتوقف عن سيره، ولنا وقفة أخرى مع ذات الرجل لنكمل معه رحلته. ٦/ سلالم بنروز لعبة سردية تتضمن أسطورة هندسية ونفس بشرية بحاجة إلى الفهم. قصة من شطرين وتتممة لو نحيناها جانباً، أصبح بإمكاننا البدء بأي شطر منهما دون خلل في المعنى أو تشتت في الرؤية والفهم، إنه درج بنروز الأسطوري، كما هي خطوة نحو الأعلى هي ذاتها خطوة نحو الأسفل، صعود وهبوط في ذات الوقت، تلك هي الصورة الأكمل لتضاد الرؤية، تراها تتحدث عن استدامة المعاناة وأزليتها، أم عن الأمل المتجدد واستعذاب السير نحوه على أمل الوصول ولو بعد حين للإبقاء على حياة بائسة والهروب منها في ذات الوقت؟ أيهما الحلم و أيهما الواقع؟ ألا يحتمل كلى الأمرين التصديق؟ لماذا نختار الأسوأ ليصبح هو الواقع بينما الجيد لا يكون إلا حلماً؟ المعضلة هنا ليست في التردد بين العالمين ولا الخطوات المتتابعة على السلم اللانهائي، المشكلة الوحيدة هنا هي كيفية الخروج والتخلص من هذا الدرج، معضلة أوجدها الكاتب ولم يجد لها حل إلا بالهدم، لابد من هدم الدرج وهذا ما حدث حين صدمته السيارة ليستفيق من حلم الواقع أو واقع الحلم الذي أسره ولم يفلته. ٧/ كيانات. حماقة المتلقي وعبقرية الراوي، هكذا دونتها حين انتهيت من قراءة تلك القصة تحديداً، تلك واحدة من القصص التي يقدم الكاتب فيها للقارئ " الخبير" بطاقة تعريف به وبقدراته الفائقة فى عوالم السرد. ساحر خبير يتلاعب بأدواته، يضع اللعبة أمام عينيك، تراها وتؤمن بوجودها، لكنك لا تدري شيء عن كينونتها، يتلاعب بعقلك فلا تجد معه إلا التسليم له واتباعه حتى النهاية، يعطيك أطراف لعدة خيوط لكنك لا تستطيع حل الأحجية، ليقدم لك في النهاية ما أراد لك رؤيته لتدرك الحقيقة كاملة. أيهما أكثر إيلاماً، خيانة الفكرة أم خيانة المادة؟ أيهما أعمق أثراً العشق أم الألم؟ ما جدوى روية طبيعة الأشياء مادمنا نجهل حقيقتها؟ القيمة أهم أم المسمى؟ ما فائدة الوجود إن لم نؤمن به؟ ما فائدة أن يكون لنا حياة إذا لم نرتقي لنخرج من طور الكيان، لنصل إلى درجة الكائن الأسمى. الحقيقة الوحيدة التي أراد سمير ذكرها، هي أن الفناء مصير الكائنات إذا لم ترتقي لتستحق شرف البقاء. ٨ / الغرق. رثاء جديد اعتاد الكاتب أن يضعه سراً في ثنايا كل إصدار يحمل اسمه، اعتراف كامل بالفضل لصاحبه، سرد لمأساة الفقد التي تركت أثر عظيم في نفسه، وبما أنه بارع في تطويع حكايتها لتتضمن فلسفته التي يصوغها داخل نصوص المجموعة، فأراها أيقونة تتألق بين جميع قصصه، ولهذا أجيبه على سؤاله قبل الغرق. " نعم المحبة وحدها هي التي تساعدنا جميعاً على الطفو لا قوانين الطبيعة". ٩/ رأس ملعون. الخيبة هي الشيطان الأكبر، لكن الإنسان هو العدو الأكبر، في عصور قديمة، كان قطع رؤوس الساحرات وإحـ ـراقـ ـهن هو العقاب الأمثل لهن، وقيل أيضاً لضمان هلاك الشيطان المتلبس بهن، ولهذا فمقصلة الرؤوس كانت أفضل أداة للتخلص منهن دون التلوث بتلك الـ ـدمـ ـاء الشيطانية التي تسري في عروقهن. وصاحبنا هنا يظن بأن به مس، وحيث أنه " تاجرة خسارة" يسكن رأسه عارض لابد له من التخلص منه، فلم يجد أفضل من المقصلة تخلصه من معاناته وألمه. مشهد المقصلة القديم يعود من جديد إلى الحاضر، الجميع يشاهد ولا يتحرك، المقصلة جاهزة للفعل، وهو مستسلم للأمر تماماً، تتدحرج الرأس ويتخلص الجسد من ثقلها، لكن الرأس التي تحمل الأفكار الشريرة تنبت جسداً من عدم، هذا حقها، فالأفكار المظلمة لها حق في الحياة، ولها الحق في أن تتجسج في العالم كالأفكار الجيدة أيضاً. مشهد سوريالي يعج بغرائبية وسحرية بديعة، على الرغم من كونها مظلمة قاتمة، وهذا أيضاً مظهر جديد وصورة من صور درج بنروز. ١٠ / متاهة. لماذا مثالب الولادة تحديداً؟ أهناك إشارة إلى أن لعنة الولادة هي التي تلقي بالبشر داخل متاهة لا فكاك منها؟ ثم أين تقع تلك المتاهة تحديداً؟ بالداخل أم بالخارج؟ وهل هناك فكاك منها؟ دائرة الحياة اللانهائية المتداخلة لا المتجددة، حلقاتها تتشابك لتلد بعضها دون توقف أو تباطؤ، براعة سمير في صياغة تلك القصة مشهود لها، لقد صنع متاهة لا بداية لها ولا نهاية، الصورة الأعقد من سلم بنروز، أدخل عليه تعديلات فصنع نموذج خاص لا يشبه غيره، متاهة سلم بنروز، لهذا بالعودة إلى الغلاف، لابد من إدراك العلاقة الكاملة بينه وبين تلك المتاهة. فراشة > هو > حلم فراشة > حرباء تصطاد > لقاء معها > حلم الحرباء التي قامت بقنص الفراشة التي حلم بأنها هو. والرابط الأقوى هنا هو سيوران ومثالب ولادته. ١١/ المبروكة. من لا تؤذيه لا يؤذيك، تلك هي حكمة الحيوانات؛ وتلك القصة هي لعبة التحولات الكبرى، النموذج الأمثل للتحول من نقيض إلى نقيض، لعبة التحول من مفترس إلى فريسة، ومن فريسة إلى مفترس، لعبة التحول من قاتـ ـل متربص إلى عاشق هام قلبه حين أشرف على الوصول. إنها لعبة الحياة، الانتظار، انتظار غير المتوقع، وكأن الحياة بأكملها كانت مجرد تهيئة لتلك اللحظة التي قد لا تتكرر مرة أخرى، الجائزة الكبري غير المتوقعة، لكنها مستحقة. السر في تلك الحالة هو العشق لا الألم، عشق خام، نقي، كامل، قادر على تبديل الأدوار، عندها فقط يتحول المفترس إلى فريسة لا تهتم إن كان التماهي والفناء هو نتيجة حتمية لهذا اللقاء. ١٢ / الرجل الذي مازال يمشي. هذا هو صاحبنا الذي تركناه يسير وحده من قبل، نعود إليه من جديد لنجده كما هو، يكمل المسير، وكأنما أراد التطهر من دنس هذا العالم بالمشي. إنها رحلة البحث عن فلسفة الوجود، كيف؟ لماذا؟ متى؟ رحلة البحث عن الذات، ربما، وربما كانت رحلة للبحث عن الحقيقة الغائبة للتطهر والخلاص، رحلة البحث عن الحياة ذاتها ، رحلة تمنح القوة، وبقدر ما تمنحها فإنها قادرة على أن تسلبها، حيث تتجسد النهاية في سقوط داخل هوة سحيقة. لهذا دعوه يسقط ولنكمل نحن المسير لمطالعة باقي حكايات من أوجده من عدم. ١٣ / سيزيف حرًا. سيزيف المعاقب بصخرته الأبدية منح معنى جديد للحكاية، لأن عبثية الفعل ذاته تجعل العقوبة مملة وغير مُجدية، ولهذا قام سمير بطرح سؤال جديد، حول جدوى ديمومة العقوبة على المخالفين من خلال مفهوم جديد للألم السرمدي. يهدم الأسطورة لتجديد العقاب، البشر يملأهم الخوف والشك والضعف حين يداعبهم الأمل، والأمل وحده قادر على خلق درجات جديدة لمفهوم الألم، الألم واليأس وحدهما قادرين على محو المراد من العقوبة، لهذا كان التعلق بالحياة من جديد هو الدافع الأكبر للألم الذي يدفع صاحبه للتردد ومن ثم الجنون لتأتي النهاية. وبهذا تصبح الحرية هي عقوبة سيزيف الجديدة، لأن العيش داخل متاهة الاحتمالات مأساة عظيمة، وصخرة أخرى قد لا يتحملها مهما فعل. ١٤ / قصة لعبة. تلك أيضاً واحدة من الحالات التي تجسد الخيبات، الألم الوجودي المصاحب لافتراضات بتحقيق الرغبات والأمنيات التي تنتهي دائماً بخيبات متتالية، ولهذا يبقى السؤال، هل العيب في اللعبة المختارة وأمانيها التي لا تتحقق، أم العيب في من قام باختيارها ومن ثم التخلي عنها بعدما امتلكها؟ ١٥ / تولد النجوم وتموت. دورة الحياة ما بين بداية ونهاية، والمقارنة بين مراحلها، تلك هي الصورة التي قد يراها البعض، لكنني أرى أن تلك القصة تحديداً، رثاء ذاتي لمن صاغها، ولمن عايشها، رثاء قد يمنح النجم بعض العزاء على حياة مضت وانقضت. ١٦ / سائق القطار. صورة جديدة من صور درج بنروز، نموذج لديمومة الفعل وعبثية التخلي، سيزيف جديد، عصري، خيبات التعلق تديم الألم وتمنحه صورة جديدة، فعذابه دائم، وقدره ألا يراه أحد ولا يشعر به، الحلم وحده باستطاعته تحريره لكن حريته لابد وأن يرافقها هلاك، والعقوبة الأكبر تمثلت في ضياع معنى عشرين عاماً من اليقين، أذهبتهم خمس كلمات خرجت من فم حسناء قد لا يراها مرة أخرى. ١٧ / الرجل الذي لم يصل. خاتمة المجموعة، تخيرها من بين قصصه، أو ربما أوجدها عن عمد كجواب على جميع التساؤلات التي طرحها خلال صفحاته السابقة. فهذا صاحبنا الذي سقط في الهوة، وتلك هي نهايته، وكأنما أراد أن يقول لمن رافقه خلال تلك الرحلة أن هذا هو عقاب الباحث عن الحياة، تلك هي نهايته، فالنسور الجائعة لن تتركه حتى أخر قطعة تستطيع انتزاعها من جسده ليتلاشى ويفني، وليطرح أسئلة أخرى قبل أن تطوى الأوراق وتنتهي الرحلة. إلى أين، وكيف، ومتى، وما الغاية من تلك الرحلة؟ *وبهذا تنتهي درجات سلم بنروز التي لا تنتهي، ويتوقف القارئ مع مقولة أخيرة لألبير كامو. " لن تعيش حياتك أبداً، إن كنت تبحث عن معنى للحياة.
*** (مابين لاعب الشطرنج وسلالم بنروز) حين قرأت سلالم بنروز في المرة الأولى، لم أتردد في التأكيد على هذا الرابط الخفي بينها وبين رواية لاعب الشطرنج، أخر رواية كتبها ستيفان زفايج، بعيداً عن نقطة المتعة الفنية التي تتميز بها الرواية والمجموعة، استطعت العثور على هذا القالب الخفي الذي نجح كل منهما في صهر فلسفته ورؤيته الوجودية التي يعتنقها ويؤمن بها، ليخرج في النهاية تحفة فريدة من نوعها. وكما ذكرت سابقاً، أن الألم هو وقود الإبداع الحقيقي، أعود مرة أخرى للتأكيد على أن عمق التجربة وقسوة الواقع ومعايشة مالا يحتمل لهما أبلغ الأثر في تشكيل تلك النصوص. فها هو زفايج يصهر أوجاعه الخاصة، ومأساته الخاصة والعامة مع قناعاته ليوجد من العدم السيد / ب ، كاتم الأسرار المعاقب، صاحب المأساة، نسخة خاصة من سيزيف، يقضي ستة أشهر يقاسي خلالها أشد أنواع العذاب النفسي داخل متاهته العقلية ليقف على حافة الجنون، ثم يعود من جديد للحياة بعدما يتجدد الأمل، كتاب صغير يعيده من جديد ليتحمل ذلك العذاب الذي لا يطاق ؛ ثم ما يلبث أن تتحول تلك العطية إلى عذاب جديد تقف به على حافة الجنون بعدما تعيده من جديد إلى متاهته التي فر منها قبل أن يمنح الحرية، وتلك أيضاً عقوبة أخرى، خاصة حين تقوده الأقدار إلى ذات السفينة التي يبحر عليها زينتوفيك وماك كونور، ليكون اللقاء حول رقعة الشطرنج وصراع أخير ما بين الفوز والهزيمة على طريقة تشبه في ذاتها درج بنروز. ولهذا ترى زفايج يقول عن روايته. " ليس هناك شيء مهم أقوله عن نفسي، كتبت قصة قصيرة حسب أنموذجي المفضّل البائس، وهي أطول من أن تُنشر في صحيفة أو مجلة، وأقصر من أن يضمّها كتاب، وأشد غموضا من أن يفهمها جمهور القراء العريض، وأشد غرابة من موضوعها في حد ذاته. وهذا ما فعله محمد سمير في مجموعته القصصية، مع الفارق في التكوين والشخوص، لكن تبقى الفلسفة والعمق وألم التجربة واحد، وهذا ما دعاني لكشف تلك الصلة بين كلى العملين. " خاتمة" ربما أطلت الحديث بعض الشيء، لكن رغبتي في اسقاط الضوء على تلك النصوص بحيادية تامة ودون مجاملة، وبصورة موضوعية هي ما دعتني إلى هذا، وإن كنت قد أغفلت الحديث عن عدة جوانب تتعلق بتقنيات السرد وأساليبه وغيرهما من العناصر التي كان من الواجب على الحديث والوقوف معها ، فلا يعني هذا أن هناك نقص أو عوار في تلك الجوانب، وعلى العكس تماماً فقد وجدت بتلك النصوص ما يؤكد على براعة صاحبها وتمكنه من أدواته كما يليق بكبار رواد فن القصة القصيرة، لهذا أثرت الحديث عن الفلسفة والجانب النفسي الذي قل أن نجده بين الأعمال الكثيرة التي يسمونها عبثاً بالمجموعات القصصية، لكنني على يقين من أن تلك الصفحات ليست كغيرها، وبأن تلك الرحلة الأدبية هي واحدة من رحلاتي الاستثنائية في دنيا الأدب ولهذا توجب علي الحديث عنها حسب رؤيتي وذائقتي وفهمي لتلك النصوص، ولكي أقدم للقارئ الخبيرة إشارة إلى درة من الدرر التي يجب عليه الإبحار معها لأنها بالفعل تستحق .
"سلالم بنروز" المجموعة القصصية للكاتب د. محمد سمير رجب الصادرة عن دار الفؤاد للنشر والتوزيع، وما أدراك ما هي تلك السلالم؟
القصص مكتوبة بأسلوب أدبي فلسفي ومؤثر، حيث يستخدم المؤلف اللغة العربية الفصحى لوصف المشاهد والشخصيات. الاستخدام الماهر للرمزية والمواضيع يضيف عمقًا إلى القصص، كما أنه يستخدم الاستعارات والرمزية لاضفاء عمق على القصة، حتى نهايات القصص التي حيرتني وأخذت بضعة دقائق لفهمها وحل اللغز، تجد النهاية كمتاهة دخلت من بابها ولن تستطع الخروج قبل حل العقدة، الكاتب يتركك في حالة من الدهشة والتفكير في أول قصة له "واقعة الألف فارس" فتجد نفسك تتسائل هل البطل مات حقًا؟ وما هو المعنى الحقيقي وراء هذه النهاية؟ ومن هؤلاء الألف فارس؟ القصة بنيت على بنية درامية، حيث يبدأ البطل في مواجهة مع ألف فارس، ثم يكتشف أنهم نسخ طبق الأصل من نفسه.
وعندما نقلب الصفحات نجد "خيط ميرهان" حيث يبدأ البطل في رحلة لإنقاذ مدينة من وحش مرعب وتظل تتسائل من الوحش هذا؟ ويستخدم خيطًا كدليل للعودة بعد التيه، لكن في النهاية ستندهش من اللا متوقع..
ثم نقلب بضعة صفحات أخرى ونقابل القصة الثالثة "سوء تفاهم" والتي تعكس صراعًا عميقًا بين الحب وسوء الفهم، وتظهر كيف يمكن لسوء التفاهم أن يؤدي إلى تدمير العلاقات.
أما القصة الرابعة "شمس أفلة" القصة متنوعة ومتعددة الأوجه، حيث تظهر الوحدة كموضوع رئيسي، ويستخدم الكاتب الاستعارات والرمزية بشكل جيد لاضفاء عمق على القصة، خاصة في وصف السقوط والشمس الآفلة. اعجبني هذا المقتبس من القصة: "وأنت، أنت تسقط منذ ألف عام لدرجة أنك نسيت تمامًا أنك تسقط. كيف سقطت؟ لا أعرف تحديدًا، فأنا لم أقابلك إلا بعد سقوطك بمئة عام، لم أكن معك منذ البداية"
وتأتي القصة الخامسة " الرجل الذي مشى" القصة تتبع بنية درامية فلسفية، حيث يظهر الرجل الذي يمشي في رحلة لا نهاية لها ثم نتفاجئ ونجد بعد منتصف الأوراق "الرجل الذي مازال يمشي" وهي قصة فلسفية تتناول مواضيع العـ ـذاب، الحـ ـريّة، والإرادة. البطل يجد نفسه في موقف يضطر فيه إلى اتخاذ قراراته بنفسه، في البداية، كان يعتبر حياته كروتين متكرر دون نهاية، لكنه الآن يجد نفسه في موقف يضطر فيه إلى اتخاذ قرارات صعبة ويواجه تحديات كثيرة وستجد نفسك تتسائل هل هذا التغيير سيغير مجرى حياته أم سيظل يمشي ولن يستطع الجلوس في راحة واسترخاء؟!
في النهاية، سوف نلاحظ أن الكاتب ترك القارئ مع أسئلة كثيرة حول معنى الحـ ـريّة والإرادة، وكيف يمكن للفرد أن يتخذ قرارات صعبة في مواجهة التحديات الكثيرة. هذا يظهر أن القصة تهدف إلى تحفيز التفكير والتفلسف حول هذه المواضيع.
وهنا نجد قصة "سلالم بنروز" في ترتيبها السادس بين القصص، والتي تطرح العديد من الأسئلة حول الحياة. القصة تتبع حياة خالد، الذي يعاني من توتر نفسي شديد بسبب حياته اليومية ووظيفته. يجد نفسه عالقًا بين عالم الواقع وعالم الأحلام، وسوف تتسائل كيف يمكن للفرد أن يجد التوازن بين عالم الواقع وعالم الأحلام؟!
اللغة المستخدمة في القصة قوية وبها تقنيات سردية متقدمة وغير تقليدية لجذب القارئ إلى عالم القصة واستخدم الكاتب اللغة الفصيحة لوصف المشاعر والأفكار.
"مقتبس أعجبني من سلالم بنروز "
"ينام ليبدأ يومه. هو الوحيد الذي يذهب إلى عمله حين يطبق عينيه لا حين يفتحهما. بخفة كائن لا وزن له يرحل عبر محيط أثيري إلى مكان محدد يعرف أنه مكان عمله بلا وسائل انتقال أو برامج تحديد المسار. من يضيع هنا يجد نفسه، ومن يجد نفسه يضيع مرة أخرى من أجل استعادة لذة الإيجاد. أعلى البناية التي يتوجه إليها مكتوب (المكتبة) بلا اسم محدد، أو وصف. أفواج من الناس تدخل وأفواج تخرج، أعداد مهولة تتحرك في اتجاهين متعاكسين، ولا تمتلئ المكتبة، ولا تضيق ولا تخلو منهم على مدار الساعة. تؤخذ منها الكتب المستعارة دون أن تنفد الكتب المصفوفة على الأرفف، ما يؤخذ تحل مكانه طبعات أخرى، أجدد وأكثر تنقيحًا، أقدم وأكثر أصالة، طبعات أولى ومسودات بخط يد كاتبيها"
مقتبس أخر👇🏻
"هذا سلم سحري؟ _ هذا سلم بنروز؛ واحد من الابتكارات البشرية الافتراضية المستحيلة، كل خطوة إلى فوق تأخذك خطوة إلى تحت لتبقي هكذا باستمرار، تصعدين ثم تنزلين. تقفين في حالة صفرية تامة"
وهكذا تتوالى القصص 👇🏻 ● كيانان ●الغرق ● رأس ملعون ● متاهة ● المبروكة ● الرجل الذي ما زال يمشي ● سيزيف حرًّا ● قصة لعبة ● تولد النجوم وتموت ● سائق القطار ● الرجل الذي لم يصل
تشعر وكأنها متشابهة ولكنك تجدها مختلفة تمامًا عن بعضها، وكل ما عليك التركيز قبل البدء بقرأتها.
أرى أن الكاتب أسلوبه في كتابة القصص والسرد الأدبي والفلسفي غني ومتنوع.
"في النهاية، هذه القائمة من القصص الأدبية تعكس تنوعًا وتعمقًا في التفكير والشعور. الكاتب ظهر مهارته في استكشاف مواضيع ومفاهيم مختلفة وكتب أعمالًا فريدة ومؤثرة.
المجموعة القصصية (سلالم بنروز) للكاتب المدهش محمد سمير رجب. Mohamed Samir Ragab قلت للكاتب أنه هجى المرأة بأكثر الأساليب ذكاء. ثم عدت أفكر هل كانت المرأة حقا؟ من أمتع المجموعات القصصية التي يحظى المرء بقراءتها وأكثره�� دهشة. تنعش عقلك في التفكير من أجل كشف معانيها وأسرارها الخفية ولغتها الكثيفة بحسب قدرتك الذهنية لخوض العمق الهادئ خلف كل قصة ومعنى. بداية من سلالم بنروز المستحيلة حيث أنت مكانك صعدت أم هبطت أنت لا تتحرك تعيش الحلم وتكره واقعك. وانتهاء بالرجل الذي كان يمشي ولم يصل حتى الآن؛ ما زال يهوي وإن نهشته النسور. يظل السؤال ما الوصول؟ والاحلام تؤكل وتتحول إلى براز كما قال الكاتب. ما بينهما حكايات بلغة سلسة جذابة وحبكة مدهشة ومعاني عميقة كلما وصلت إلى معنى تبدل لك آخر. كل جملة مفتاح لعقلك وكل معنى يحتمل ألف معنى. أجمل العتبات المفتوحة تجدها في هذه المجموعة الكثيفة الشفيفة. بداية ادهشتني قصة المتاهة بحبكتها وافتتاحيتها الخطيرة. لكنني حتى الآن لم أستطع تفضيل قصة عن أخرى كل قصة مدهشة باهرة وخطيرة. المجموعة لا تتعدي المائة صفحة من الدهشة والجمال والعمق والفن البديع. هنيئا دكتور محمد على هذا الإبداع والتألق والأخلاص للكتابة أعظم هبة منحنا الله إياها.
للمرة الألف تفعلها يا دكتور.. تبعثرني تماماً، لا أستطيع أن أقول على عمل كهذا إلا أنه متقن حد الاكتفاء.. ممتليء زاخر رغم صفحاته التي انتهت بسرعة، تاركة عقولنا تضرب نفسها ألف ضربة وصفعة بكل ألم و دون ألم. كيف استطعت أن تجعل الرجل يمشي لهذا البعد؟ و كيف استطعت أن تجعل الفراشة تحلق لهذا الحد؟ كيف غصت في الحلم و حلمت بالحقيقة؟ وهل سأخرج من المتاهة يوماً؟ وهل سأنزل من على سلالم بنروز؟ أم أني سأصعد نزولاً بلا نهاية؟ هذا العمل لم أنتهِ منه، بل انتهى مني تماماً و تركني حائراً أتسائل.. سؤالاً سرمدياً.. ما الوصول؟