بينما تغنِّي «حَدُّوتَة» في كازينو المراكبي في الإسكندرية كل ليلة، كانت «عزيزة» و«مَرَام» تبحثان في فراغ قلوبهما عن رغبة الامتلاء. ثلاثُ نِسْوَةٍ يتَّحِدنَ ليجدنَ أنفسهنَ خارج الزمن، في ثنايا حكايات «خَضْرَة الشَّرِيفَة». نعود معهنَّ لأصل الحكاية، الشريفة وخادمتها «سعيدة»، والوقوف والتمنِّي أمام بِرْكة الطير. تمزجُ الكاتبةُ رحلة جفاف رَحِم «خضرة الشريفة» وحصولها على الولد الزّين بحكاية النِّسْوة الثلاث اللاتي لا يكتفينَ بثقل الحضور والواقع، فيذهبنَ إلى الجذور البعيدة وينبشنَ الماضي. هنا ترى «دينا شحاتة» ما هو أبعد من حركة القلوب التعيسة، وتتبعها في قسوتها إلى ما ألقاه الطير «هُوْلَة» عن أسطورة الفراغ والامتلاء.
دينا شحاتة كاتبة روائية مصرية ، مواليد عام 1987 عضو إتحاد كتّاب مصر، لديها اهتمام خاص بتوثيق التراث المصري والعربي و فلكور الشعوب من خلال إبراز هوية المدن والتغييرات الإجتماعية والثقافية، حيث وثقت رواياتها الشعر الصعيدي المصري الجنائزى أو ما يعرف ب " العدّيد" وتراث منطقة النوبة بمصر والسودان، وحصلت روايتها "رحيل وغربة" " على منحة إنتاجية من مؤسسة المورد الثقافي وصدرت عن دار المصري للنشر 2021. حصلت على إقامة فنية / البلد بجدة التاريخية .
الإصدارات
- رواية غفران (2018) - رواية ثلاثاء آخر "2021" رواية " رحيل وغربة" 2021 رواية ما ألقاه الطير 2024 رواية " نداهة أصيل" عام 2025
منحتنا الكاتبة الدكتورة دينا شحاتة رواية بديعة هي "ما ألقاهُ الطَّير"، حدثتنا عن الحرية والإرادة والمعرفة والاختيار، فاختياراتنا يمكن أحياناً أن تقودنا إلى الفراغ الداخلي.
هي حكاية مرام، ويتسلسل منها بالترتيب حكايات عزيزة وحدوتة ودونكا، وفي النهاية استدعت الكاتبة "خضرة الشريفة" من السيرة الهلالية إلى داخل الرواية كي تحل اللغز وتمنح السر الأعظم.
بدأت الحكاية عندما قررت مرام حضور جلسة تواشيح وإنشاد ديني لكتابة مقالها الجديد، سمعت آهات عزيزة ورأت الطائر الأبيض الصغير ودمعته، ثم أدركت أن الزمن متوقف لا يمضي.
طافت بنا دينا شحاتة بين الأماكن والأزمنة، وكانت الأبعاد الأربعة تتداخل وتتشابك مع مرام، التي اختلطت عندها أبعاد المكان والزمان، حين كانت أحداث الرواية تتقدم إلى الأمام وكان الزمن يتراجع إلى الوراء، عند ذلك استولت الكاتبة على حواسنا وإدراكنا فاستسلمنا للسرد وللراوي، نسير خلفه ونستمع إليه ونصدقه.
كانت الحكاية تتبادى لمرام بداية من الحاضر في القاهرة ورجوعاً مع فصول الماضي في الإسكندرية (١٩٨٧) عند نقطة لقاء النسوة جميعاً وهو عام مولد مرام، وفي المنصورة (١٩٦٨) مع بدايات حكاية المنشدة عزيزة وحفرة قلبها، وفي بور سعيد (١٩٥٧) مع بدايات حكاية المطربة الشعبية حدوتة وجابر، وكان الحكي في كل مرة يعود إلى عام مولد مرام (١٩٨٧)، حيث انضمت إليهن الغجرية دونكا بحكايتها والنبوءة المصاحبة لها وأبو الليل، إلى أن تأتي خضرة الشريفة، وحكاية أول طائر وحيد مع أول إمرأة خاوية.
كان الطائر في كل مرة يحاول أن يبوح بالسر الأعظم، وكان الخواء يطرح سؤال الوجود، هل التلاشي مرادف للفراغ، أم أن الفناء هو ما يصاحب الامتلاء الكامل ووجود هوية للذات المفقودة.
تنتهي الرواية عندما يمتلئ الفراغ داخل كل واحدة بالترتيب، عزيزة داخل حدوتة، وحدوتة داخل دونكا، ودونكا داخل مرام، وتعود مرام للحاضر وقد امتلأت نفسها وعاد إليها طعم الحياة، بعد أن امتلكت المعرفة، تلك المعرفة التي لا يحظى بها الجميع.
هي رواية محملة بأسئلة الوجود، تتركنا في النهاية نحاول تقديم الإجابة ونحاول الامتلاء بشغف تلك المعرفة.
❞ طالما أردت أن أتلاشى كما لم أكُن، غيرأن التلاشي في قاموسي كان مرادفاً للفراغ، ظننت أنه إذا فرّغ المرء داخله ونزع جذوره سيصير من الخفة التي يصبح اختفاؤه بعدها شيئاً حتمياً واجب الحدوث، لم أعرف أن الأشخاص يفنَى وجودهم بالامتلاء الكامل و وجود هوية واضحة لذاتهم المفقودة ❝
عن الفراغ و الامتلاء ... عن إحساس النفس بذاتها ، و امتلاء فراغ القلب ، قلوب فرغها حب لم يكتمل ، أمان بيت لم تشاء الحياة أن يتواجد ، خيانة طرف لم نتوقع منه خيانة ، نفس خذلتها الحياة أو حتى خذلتها نفسها ، وحدة و عزلة ربما خلقناها بأيدينا و ربما فُرضت علينا ... فمن أين تأتي السكينة و يستعيد القلب امتلاءه ؟
تتسأل الكاتبة لنبحث معها و مع بطلاتها الأربعة مرام ، عزيزة ، حدوتة ، دونكا ... شخصيات مختلفة العوالم يجتمعن بطريقة غريبة علهن يجدن ما يملىء فراغ قلوبهن . لتخلق الكاتبة حالة من الواقع المغلف بالسحر ، عالم بلا زمن ، امتزجت فيه حيوات الأبطال و تقاطعت طرقهم ، نعرف عنهم و نسعى معهم لمعرفة سر ما حدث .... و ذلك بسرد جميل سلس ، أفكار مركزة و شخصيات مرسومة بإتقان .
عمل مختلف بعوالم غريبة ، على صغر حجمه يحتاج تمعن بالقراءة ... أرشحه لمحبي أعمال الواقعية السحرية.
أربعة نساء يسافرن ما بين الواقع والخيال في جلسة إنشاد. نتعرف على حياة كل منهن الماضي والحاضر ونترك المستقبل لبُعد النظر. خضرة الشريفة التي كانت النهاية معها لتعرفنا ما معنى أن يكون الرحم معاندًا للمرأة وهو سرها الأعظم، أن تنتظر منه البوح الذي لا يأتي أبدًا. مرام التي تبدأ منها وتنتهي إليها الحكاية مع يوم مولدها، وعزيزة المنشدة، ودونكا الغجرية وحدوته المطربة الشعبية تدور معهم في سنوات طويلة ما بين الماضي والحاضر فتعود لنفس النقطة في كل مرة، ومع قصة من السيرة الهلالية تتعرف على الطير الذي يصاحبنا في الرواية
يختلف عالم كل بطلة من بطلات الرواية ولكنهن يشتركن في البحث عن انفسهن وحكاياتهن المؤلمة والبحث عن فراغ قلوبهم باختلاف أشكاله. رواية قد تنتمي إلى الواقعية السحرية، ولكن الأكيد أنها رواية تبحث عن امتلاء الفراغ داخل كل من البطلات بصورة أو باخرى تتناسب مع ما تبحث عنه.
حدوتة من أكثر الشخصيات الملفتة بالنسبة لي في الرواية واحببتها جدًا.
قرأت تعليقات عديدة عن "ما ألقاه الطير" تضعها في خانة "الواقعية السحرية"، لكني لا أتفق، حتى لو كان قالب "الواقعية السحرية" مطاطيًا ويستوعب أشكالًا كثيرة، حسب مفهومنا الحديث لها. إذ أن عالم الرواية أسطوري بشكل واضح؛ أسطورة رُسمت بالكامل، غير مستندة إلى أسطورة بعينها، وقد جاء بناء الرواية المتشظي ليخدم تلك الأسطورة التي حدثتنا عن الفراغ والامتلاء، فضلًا عن المقامات الموسيقية.