لهذا العمل حنان البنج في الوقت الذي يبتر المنشار الكهربائي ساقك. ستصحو بعد التخدير بساق وحيدة. "وإن شمالاً زايلتها يمينها / لباقٍ عليها في الحياةِ حنينها" أو كما قال شاعرٌ قُطِعت يده. ربما تكون اللغة في العمل هي البنج. لغة سومر منظر من مناظر الطبيعة. يمسح براحتها العرق من جبينك، ويمد أناملها إلى الأعلى فتتخلل شعرك وتغوص رؤوسها الناعمة إلى جمجمتك فتدلكها حتى إذا أغمضتَ عينيك سلختْ فروة رأسك.
لا يشتبك سومر بالمأساة السورية، هو أذكى -فنيا- بكثير من ذلك. إنما يمر بمحاذاتها دافعاً قدميه إلى الأمام دون أن يلتفت. لكن المأساة عظيمة، ومن أهوالها أنْ تركت لها في كل مكان نقطة تفتيش وحاجز أمني. ستسمح لقدميك بالمرور بعد أن تلقي نظرتين عموديتين عليهما وتتحقق من أوراقهما الثبوتية لكنها ستأخذ خطواتك إلى الحبس.
تبدأ الرواية بحفل وداع إثر حصول الزوجين أخيراً على فيزا الخلاص الأمريكية. لينجو المرء هناك، إن كان ثمة نجاة، فالأمر بحاجة إلى أكثر من الصدفة والصبر والمعجزة. يجتمع الأصدقاء في تلك الليلة الأخيرة -على بعض الليالي أن تكون الأخيرة- للشرب والأكل والعناق وتبادل النظرات أو تفاديها. كثير من الرواية يدور في الصمت. الكلام من زجاج. سقوط أي كلمة يعني تناثر الحروف الحادة على الأرض. كانت الزوجة قد شرعت في توزيع هدايا تركتها قبل الهجرة. أما الزوج فقد صفّى أملاكه. سرعان ما يركب الطائرة، وفي تلك السويعات لا بد أن يجد الزوج طريقة لينقل الخبر لأبيه الثمانيني دون أن يقضي عليه. لن يسافر الشيخ المريض مهما حدث. ارتضى القعود والنظر طويلا إلى ما لم يعد هناك بل والتلويح للماضي. لكن ذلك الزوج سيسقط -بفتح الياء أو ضمها- من السطح. تأتي الشرطة للتحقيق في مطبخ البيت فتنبعث الروائح الكريهة.
"الآن بدأت حياتي". يا لها من رواية. يا له من عنوان.