غلاف موحي بالكثير، شعر امرأة، وجه صحراء، أكتاف غابات، وفي قلب هذه الغابات كهف، وأمامه مباشرة مركب شراعي ونيل مصر وقت فيضانه بلونه المشرب بالحمرة.. وفي الغلاف من الخلف صورة لعرائس الماتريوشكا الروسية، والتي توضع بداخل بعضها البعض لتصبح عروسة واحدة..
يهدي الكاتب روايته إلى جندي ومهندس بأسمائهم، وعثمان أحمد عثمان ورجاله، وكل أهل أسوان وموسكو وشرم الشيخ..
تبدأ الرواية ب صباح ١٤ أغسطس عام ٢٠٠٤ وياله من تشابه مع رواية الكاتبة ضحى عاصي "صباح ١٩ أغسطس" والتي تدور أيضًا في موسكو.. ولكن عند هذه العناوين يتوقف التشابه.. طائرة متجهة إلى أسوان واثنان من الرجال، فلاديمير الروسي وحسن المصري، يتعارفا أحدهما ذاهب مع مجموعة من الشباب إلى أسوان، فيرد الثاني أنها مصادفة، فحكايته بدأت من أسوان..
فلاش باك لنعود إلى القاهرة صيف ١٩٥٩، حيث يتقابل اثنان أيضًا يطلبان قاموس تعلم الروسية بدون معلم، شاب مصري وشابة روسية.. يعود هذا الشاب إلى أسوان وفي رحلة القطار يتحدث لنا الكاتب بشاعرية عالية وعشق عن الطريق من القاهرة وحتى أسوان وكما يقول: "أسوان التي تقع في آخر الدنيا وأول السماء. وأينما تعرف أين ينام النيل، كل الطرق تؤدي إلى نسيمه، وكل الأنفاس تتناغم مع أمواجه. النيل هو الطفل البكري لكل عائلة، وهو خال اليتامى ووكيل كل العرائس. في أسوان رؤية النيل ترم جروح الروح" هو نفس النيل الذي بمرور العقود سيقول عنه: "وعلى مرمى البصر تتمايل أضواء المراكب السياحية فوق صفحة النهر، وتتشابك على الأسطح أصوات سماعات الفرق الموسيقية والمطربين، لقد أصبح السكن بجوار النيل همًا في الليل"..
يقول الكاتب عن أهل أسوان: "نساء أسوان تربين على طاعة الأب والأخ والزوج، وتربى كل هؤلاء على أن قبضة من تراب تمشي عليه أمهاتهم تكفي للسامري أن يسبك منها عجلًا يخور"
يقابل حسن نفس الفتاة في القطار، ثم في عمله الذي تسلمه حالًا في مشروع سد أسوان، ليعلم أن اسمها أولجا وأنها ستعمل بالتمريض في المشروع..
سد أسوان وحكايات لا تنتهي، حيث جعل من أسوان مهرجان متعدد الجنسيات والألوان.. وأثناء حكي الحكواتي وعم إدم للحكايات على القهوة نستمتع بحكاية قديمة تعود إلى عهد المماليك حيث جد حسن الذي شارك في حدوتة باب العزب، لنجد أنفسنا بانسيابة جميلة في طائرة عام ٢٠٠٤ نستمتع مع المجموعة ونستكمل الحكاية..
يتحاب حسن وأولجا حبًا قويًا حتى أنها تمتزج مع أهله بصورة عجيبة ويصبح برام البامية أو طبق الملوخية عشقًا لها ولكن الملوحة كانت لأولجا بالمرصاد فأصابتها بنزلة أفقدتها الكثير من وزنها..
في مولد الشاذلي يقابل والد حسن الشيخ عبد المنعم، شيخ كتاب القرية الذي رحل عنها منذ سنوات، يسأل الشيخ الوالد: لماذا يبكي حسن؟! يبكي حسن لإعادة أولجا قسرًا إلى روسيا يبكي وكما يقول لأن: "العين التي لا تبكي لا ترى يا رفيق الرحلة".
بعدما مرض حسن وأصابته الحمى يقول عن أمه: "الثدي الذي طالما التقمته صغيرًا صار مسندي، ونبضات قلبها صارت لي منبه استيقاظ". تخطب له أمه ابنة خاله التي تحبه، ويتمم الأوراق ويعود إلى جامعة ليتفوق ويتخرج ويسافر في بعثة إلى موسكو ،فهل يلتقي أولجاه؟
يقول فلاديمير لحسن عن الحياة: "يشيب الإنسان منا وداخله طفل يخمش أنفه ويضحك! هل تدري يا عزيزي المصري لماذا تتقوس ظهورنا حين نكبر؟ فقط من أجل أن تنحي لنقبل ذلك الطفل"..
أولجا، نادية المسماة على اسم أخت حسن الصغيرة وابنتها سيفتلانا، أحمد مرابط الذي قرر الرباط في أفغانستان للجهاد ضد الشيوعين الملاحدة، سلمى وابنها منذر وصديقته تاتيانا، كلهم شخصيات يرمي الكاتب للقارئ لمحة عنهم، ومثل من يمسك بعروسة الماتريوشكا الخشبية، يفتح عروسة ليجد أخرى ثم أخرى، فيتساءل القارىء كلما انتهى من فقرة، من هذه؟ ومن هذا؟ لنجد بعد عدة صفحات لمحة أخرى فتتضح الصورة أمام عينيه شيئًا فشيئًا، ويتأكد أنه حقًا أمام ماتريوشكا من أسوان..
في البداية كان حذاء أولجا الذي تخلعه خارج دار حسن تعلو فردة منه الثانية، ولم يفهم حسن المعنى من أمه، أما في النهاية فقد جاءت الأحذية جميعها ترقد مطمئنة مصطفة بجوار الحائط..
رواية مثل هذه قد تأخذ من البعض مئات الصفحات إلا أنني وجدت الكاتب قد برع في كتابة كل هذه الأحداث في ١٢٣ صفحة،فهي رواية للقارئ الذكي..
تمتعت كثيرًا بما قرأت، شكرًا للكاتب مع تمنياتي لك بمزيد من الإبداع..
قصة جميلة وخفيفة، مليانة أحداث وتاريخ جميل من أيام بناء السد العالي وقبلها كمان. من النوبة لموسكو وقصة حب جميلة اتولدت في ظروف غريبة، وحفيد بدرجة ابن ضحية من ضحايا جماعات التشدد. عيلة حسن توليفة غريبة، لكن قدروا يلاقوا بعض ويلاقوا الحب ولو في لمحات سريعة من الزمن. ممتعة جدا.