ريّا وسكينة/ اثتين من المشاهير/ لهم ضحايا كثير/ لكن محدش
قال/ هما ضحية مين؟
عبارة من المشهد الافتتاحي الاستعراضي الذي كتبه الشاعر عبد الوهاب محمد لمسرحية ريّا وسكينة – 1982
أول معرفتي بريّا وسكينة كانت عن طريق المسرحية الكوميدية الشهيرة والتي كانت تُعرض بكثرة أيام الأعياد، والتي عرفت من خلالها سبب الشهرة التي نالتها الشقيقتان كونهما سفّاحتان تخصصتا في قتل النساء وسرقة مصوغاتهن. ولصغر سنّي وقتها لم أهتم كثيراً بهذا الأمر أو حتى بالبحث والقراءة عنه، إلّا عندما عُرض المسلسل الشهير ريّا وسكينة في شهر رمضان من عام 2005، من بطولة عبلة كامل وسمية الخشاب وإخراج جمال عبد الحميد.. كنت متشوّقة وقتها لمتابعة المسلسل ومعرفة المزيد عن أمر هاتان السفّاحتان، كنت وقتها في الصف الثامن أو التاسع، وقد شكّل لدي هذا المسلسل حالة أقرب للرعب، فلم أستطع مشاهدته لوحدي أو أن أجلس لوحدي في أي مكان سواء في الليل أو النهار، خصوصاً عندما بحثت على الإنترنت عن صور المجرمين الحقيقيين مما زاد الطين بلّة وأصبحت أرى كوابيس قتلي على يد هذه العصابة التي عرفت أنها تتكون من أربعة رجال آخرين وهم: حسب الله سعيد زوج ريّا علي همام، محمد عبد العال طليق ورفيق سكينة علي همام، عرابي حسان وعبد الرازق يوسف فتوات العصابة. وقد توقف فضولي على الاستزادة من المعلومات حول هذه العصابة عند ذلك الحد.. وفي شهر سبتمبر من هذه السنة، وبمحض الصدفة عثرت على المسلسل من جديد على إحدى المحطات وكان في حلقاته الأخيرة، ولحُسن الحظ أيضاً أنني دققت في اسم كاتب المسلسل ووجدت بأنه مأخوذ عن كتاب رجال ريّا وسكينة لصلاح عيسى وبحثت عن الكتاب واستطعت الوصول لنسخة إلكترونية منه بقيت محفوظة إلى ما قبل عدة أيام حين قررت الشروع في قرائته قبل نهاية العام.
المميّز حقاً في هذا الكتاب هو تأريخه وسرده للأحداث السياسية والاجتماعية في مصر وخصوصاً في الإسكندرية قبل ظهور عصابة ريّا وسكينة، وتأريخه لعائلة همام، عائلة الشقيقتان، وتغريبتهم في المدن والكفور حتى حطت بهم الرحال في الإسكندرية.. وقد ذكر بكل موضوعية حالة الاستعمار والفقر والبطالة المتفشّية بين الناس، وكيف أدى قيام الحرب إلى مفاقمة الظروف الاقتصادية سوءاً، وأيضاً تأثير الحرب على الأخلاق الاجتماعية للسكّان، مما زاد من انتشار البغاء – وتفاجأت بأنه كان مسموحاً بإقامة بيوت بغاء علنية ومُرخّصة من الحكومة وخاضعة للتفتيش والرقابة- والخمٌارات والمحاشش، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على مستوى الانحطاط الاقتصادي والاجتماعي الذي وصل إليه حال الناس، ومن الطبيعي في مثل هذه الظروف أن تزداد معدلات الجريمة وأن تتعدد أشكالها.. وهذه الأسباب بالإضافة إلى سيكولوجية رجال ريّا وسكينة قادت إلى ظهور هذه العصابة التي تخصصت بقتل النسوة والفتيات من البغايا وسرقة مصوغاتهن وملابسهن، وما يلفت الانتباه ويثير التقزز في أمر هذه العصابة هو قيامها بإسكار الضحايا وخنقهن ومن ثم دفنهن في نفس الغرفة التي ينامون فيها، ولا يتورّعون حتى من فعل الفواحش فوق جثث الضحايا! وهو فعل شائن دنيء تعجز معاجم اللغات جميعها عن إيجاد أوصاف لهذه الأفعال.. ولا حتى تأخذهم رأفة بتلك النسوة من صديقاتهم وجاراتهم ومن كان بينم وبينهم علاقة عيش وملح! ومما شجّع العصابة أيضاً على الاستمرار في جرائمها، غفلة وتقصير عمل الأمن، وتجاهله للبلاغات المقدمة من أقارب الضحايا بحجة أنهم من البغايا أو من البغايا السابقات أو قد يكنّ قد هربن من رجال غير أزواجهن.. إلى أن تم العثور بمحض الصدفة على جثة قادت إلى اكتشاف عصابة كاملة قتلت بدم بارد 17 امرأة!
ولأن العدالة ستتحقق عاجلاً أم آجلاً، تم تنفيذ حكم الإعدام بأفراد العصابة الستة وتنتهي بذلك حالة الرعب التي سادت شوارع الإسكندرية في تلك الفترة، وتطوى آخر صفحة في جريمة وحشية هزّت الشارع المصري بأسره.
وبدأ منذ ذلك الوقت تناول موضوع ريّا وسكينة في السينما والتلفزيون والمسرح، وتعددت الأعمال التي تناولت هذه القصة انتهاء بمسلسل ريّا وسكينة – الذي ذكرته في البداية- وهو أقرب الأعمال جميعها إلى طرح القصة بموضوعية وتأريخ سيرة العصابة بعيداً عن الاعتماد على الخيال الشعبي في رواية القصة وبعيداً عن الكوميديا والتصوير الكاريكاتورية للشخصيات.
وبقدر ما استمتعت وذُهلت بكل ما جاء بهذا الكتاب، بقدر ما عاودتني حالة من الخوف والرعب من ريّا وسكينة...
أتمنى أن أخرج منها بسرعة، وسأتجنب كتب وروايات الجريمة إلى إشعار آخر.
وأنهي مراجعتي الصغيرة بشكر عميق وحار لكاتب هذه السيرة السياسية والاجتماعية، الأستاذ صلاح عيسى
وبأسلوبه المميّز جداً في الطرح والتأريخ، فظهرت هذه السيرة أقرب إلى رواية دقيقة التصوير ومشوّقة جداً
وأشكر كل من الفنانتين عبلة كامل وسمية الخشاب لقدرتهما الباهرة في تجسيد دوريّ ريّا وسكينة..
أنهي كلامي هذا بآخر مقطع من أغنية النهاية لمسلسل ريّا وسكينة:
ومفيش جريمة بترتكب من غير سبب
ومفيش مولود بيتفطم على الأذى
وهكذا وهكذا الدنيا غابة ومنتزه
...