يحكم زمن التحولات العربى منذ نهايات القرن الماضى و مطلع القرن الجديد مثلث من القوى المركزية الفاعلة : قوة "الدينى الإسلامى " الضارب فى ثلة من المواقف و الرؤى و التخطيطات "الطاردة" ، وقوة المطلوبات الحيوية الدنيائية الضرورية "الجاذبة" ، و قوة "التدخل الكونى" الذى يرمى إلى "الحصار" و إلى أعادة تشكيل واقع "الاستقرار فى التخلف و العجز و التبعية"
تحتاج القوة الأولى إلى "تفكر محرر " يعيد إلى الظاهرة الدينية نقاءها و أصالتها وسحرها. و تحتاج القوة الثانية إلى البيان و التبيين و إلى تعزيز استراتيجيات الفهم و التثقف والتمثل . وتطلب القوة الثالثة "فعلا ارتكاسيا" شاملا لاينفك عن مدى النجاح الذى يتحتم إدراكه فى المجالين الدينى و الدنيائى
تحرير الإسلام ورسائل زمن التحولات استجابة معرفية ووجدانية قوية لهذه الدواعى و النوازل
مفكر أردني من أصول فلسطينية، من مواليد سنة 1939م، في بلدة عين غزال الفلسطينية، درس الفلسفة في جامعة السوربون وحصل منها على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام سنة 1968م، عمل أستاذا للفلسفة والفكر الإسلامي في جامعة الكويت والجامعات الأردنية، وشغل منصب عميد البحث العلمي بالجامعة الأردنية، ونال عضوية مجلس إدارة معهد العالم العربي في باريس بالفترة من 1980 حتى 1984، له آراء جدلية حول الإسلام السياسي حاصل على جوائز عديدة، كما تم اختياره لعنوان الشخصية الفكرية لعام 2013 من قبل بعض المؤسسات الثقافية في بلده.
منذ فترة لم اقرأ مثل هذا الكتاب ( منهج بالبحث، و طرح عميق ) الكتاب في نهايته يدعو إلى تشكيل وعي ذاتي مستقل حتى يكون هناك " حضور ذاتي ذي معنى و فاعل في التاريخ الحاضر و في المستقبل المنظور. و إذا نحن لم نفعل ذلك فإننا سنكون قد أبرحنا ما سمّاه نيتشه"تسوية مع العبودية" "
مع الإنتهاء من قراءة هذا الكتاب، استطيع الإدعاء بأنني قمت في السنوات العشرين الماضية بقراءة أهم الكتب الفكرية العربية التي تصدت لقضايا التقدم والتحديث والتنوير. في هذه القائمة التي تكونت من عشرات الكتب وربما عشرات الآلاف من الصفحات يمكن أن نجد محمد عابد الجابري ومحمد جابر الأنصاري ومحمد أركون وجورج طرابيشي وفهمي جدعان ونصر ابو زيد وسيد القمني وصادق جلال العظم وعادل ضاهر وبرهان غليون وحسن حنفي وغيرهم. ما الذي أضافته لي هذه الكتب؟ ربما تمكنت من تأسيس ترسانة معرفية وفكرية ساعدتني على ترسيخ إيماني التام وقناعتي بأولوية التنوير والعلمانية والتحديث في العالم العربي في مواجهة كل النظريات الفكرية الإقصائية سواء كانت دينية أو قومية أو يسارية. بالطبع هذه القناعات ساهمت في تقوية الاإنسجام الذاتي عندي في رؤيتي للحياة والمجتمع والدين وغيرها من القضايا الأساسية، ولكن ما يثير الأسف لدي هو شعوري بأن هذه الآلاف من الصفحات التي بذل مؤلفوها جهودا عظيمة في إنتاجها لم تتمكن من إحداث تقدم نوعي وكمي في القناعات العامة في العالم العربي والتي لا زالت تتجه بقوة وثبات نحو الفكر المتطرف والإقصائي والظلامي الذي يعيد استعادة عالم مرسوم من الخيال يعود في الأزمنة إلى عقود طويلة من الماضي. ربما كان من مشاكل المثقفين التنويريين في العالم العربي اللغة الصعبة التي يكتبون بها، وهي لغة نخبوية ينمت أن تنتشر بين دوائر المهتمين بالفكر والسياسة والفلسفة ولكن لم يظهر في كل تاري التنوير العربي ربما باستثناء سيد القمني من كتب بلغة سهل يمكن أن تصل إلى كافة الفئات الاجتماعية بغض النظر عن مستوى تعليمها إضافة إلى أن معزم هذه الكتب ركز على قضايا تجريدية مثل النص والمقدس وخصائص الديمقراطية ولم يشتبك مع أولويات المجتمع العربي بنفس الطريقة المؤثرة التي تميز الخطاب الديني. نعود لهذا الكتاب والذي يهدف به الكاتب حسب وصفه في تقديم "دفاع عن صورة الإسلام الجاذبة في قبالة الصورة الطاردة التي تتلبس عقول المسلمين ونفوسهم ومسالكهم، وتحرير للعقل والوجدان والفعل عندهم من مخاطر هذه الصورة وتوجيه إلى أن المنطق السديد الذي يغذي أنوار هذا الدين يكمن في التصالح مع الإنسان وفي التواصل الرحيم مع الوجود وتاريخية الموجودات وفي العدل الشامل وفي العقل والحرية وفي الانفتاح المتفائل على المستقبل وفي تقديم قوة القيمة الأخلاقية عل قوة العجب والاستعلاء والاستحواذ والسيطرة". وللأسف، يمكن ـأن نقول أن القليل فقط تحقق من هذا الأمر في السنوات التي أعقيت صدور الكتاب. بالنسبة لي شخصيا اشعر بأنني أكتفيت تماما من الكتب والخطابات التقدمية والتنويرية، ولم يعد هنالك ما يمكن إضافته إلا إذا تم نشر كتاب أو خطاب تنويري جديد مختلف وقادر على تجاوز الحلقات الضيقة وصولا إلى كافة فئات المجتمع.
حكم “زمنَ التحولات” العربي، منذ نهايات القرن الماضي ومطلع القرن الجديد، مثلثٌ من القوى المركزية الفاعلة: قوة “الدينيّ الإسلامي” الضارب في ثلة من المواقف والرؤى والتخطيطات “الطاردة”؛ وقوة المطلوبات الحيوية الدنيائية الضرورية “الجاذبة”؛ وقوة “التدخل الكوني” الذي يرمي إلى “الحصار” وإلى إعادة تشكيل واقع “الاستقرار في التخلف والعجز والتبعية”. تحتاج القوة الأولى إلى “تفكُّر محرِّر” يعيد إلى الظاهرة الدينية نقاءها وأصالتها وسحرها. وتحتاج القوة الثانية إلى البيان والتبيين وإلى تعزيز استراتيجيات الفهم والتثقف والتمثل. وتطلب القوة الثالثة “فعلاً ارتكاسياً” شاملاً لا ينفك عن مدى النجاح الذي يتحتم إدراكه في المجالين الديني والدنيائي.