«لا يمكِن تحمُّل الحياة دون قصة، والقصة لا تعني أكثر من «وهم» مناسب حول «أهميتنا» في الكون. وهذا هو ما يسمِّيه «سيوران» الغريزةَ النبوية: أن نحلم بعالَم آخر. ليس حُلمًا يمكِننا أن نستفيق منه، بل حُلم هو شكل الحياة نفسها.»
يُناقش الدكتور «المسكيني» في هذا الكتاب ما يُسمِّيه المراهَقة الملحِدة في مقابل ثقافة الكُهول الاستخلافية؛ فيتطرَّق إلى معنى الإلحاد، لا باعتباره كفرًا أو شركًا بالمعنى الديني، وإنما باعتباره تحرُّرًا من نمط سائد من السلطة الاستخلافية العميقة ممثَّلةً في السلطة الأبوية والسياسية والدينية (الأب – الحاكم – الإله)؛ ورفضًا للنسخة السردية لهُوِية مُعدَّة مسبقًا؛ والتجاءً إلى الجزء غير المألوف باعتباره شيئًا جديرًا بالنظر؛ وتمرُّدًا على النماذج الأخلاقية التي تُقولِب الإنسان للتكيُّف وفقَ سلطةٍ تعمل على إبقاء كل ركن من أركان شخصية الفرد الخاضع لها في منطقة الظهور المناسبة للسلطة. ويتناول المؤلِّف أيضًا ما سُمِّي بثورات الربيع العربي باعتبارها مثالًا لظاهرة المراهَقة الملحِدة، ويرى أن الشعوب لم تَثُر بضميرها الكَهْل، ولا بشيخوختها الأخلاقية، وإنما ثارت اعتمادًا على رؤية الجيل الجديد الرافض لأيِّ انتماءٍ هُوَويٍّ جاهز.
هو فيلسوف ومترجم تونسي، له العديد من المؤلفات، يشغل كأستاذ تعليم عال في جامعة تونس.
حصل على دكتوراة الدولة في الفلسفة، لكن قبل دخول مجال الفلسفة كان فتحي المسكيني شاعرًا، والذي كتبه منذ وقت مبكّر جدّا، في الثالثة عشرة من عمره. ولا زال يكتب الشعر بشكل مستمر، وإن كان لا يهتمّ بالنشر كثيرا. وجد في هيدغر استجابة إلى تطلّعاته، وتجربة الشعر وضعته في ورشة جبران بشكل مبكّر، فدخل ورشة نيتشه دون أن يدري، حسب تعبيره. فقرأ كتاب هكذا تكلم زرادشت وكتاب النبي في نفس الوقت، في الخامسة عشرة من العمر. وهذه أحداث خاصة وضعته على الطريق نحو هيدغر بشكل لم يستطع مقاومته.
في تأويلية الرحمة - فتحي المسكيني لا يمكن فهم الرحمة حسب أغسطين إلا بوصفها ضربًا من «التوسط» الروحي بين البشر والإله، بين الموت والحياة، ولكن دون ادعاء أي نوع من التعالي الخاص. أن نرحم يعني أن نكرر على أنفسنا ما قام به المسيح تجاه الخطاة: القدرة على إنقاذ الميت من موته، ولكن قبول الموت مثله. الرحمة عمل يؤدي فيه البشر دور إله، لكنه يفعل ذلك بوسائل فانية. وسر الرحمة هنا أنها ليست عملا بطوليا أو تراجيديا مثل عمل وثني. هي ليست شفقة عمودية من قوي على ضعيف؛ بل هي عطف أفقي من بشري مخطئ على بشري مخطئ آخر، إنها تبادل للقدرة الإلهية على الرحمة بواسطة أجساد بشرية ضعيفة، تحمل إمكانية الرحمة دون أن تدري. إنَّ شقاء الآخرين هو بذلك موضوع الرحمة الوحيد المتاح للمؤمن الحقيقي، ذاك الذي يجعل علاقته بالغير هي شرط العلاقة مع الإله. «إنَّ الشفقة في المسيحية هي لفظ آخر للإشارة إلى الصفح؛ ولهذا السبب هي مختلفة عن المعنى الدقيق للتعاطف [الشوبنهاوري]. إنَّ المسيحي يشفق على الغير حتى يشفق الله عليه ويمنحه الرحمة، في حين أن الشفقة لدى شوبنهاور هي تتقاسم العذاب مع الآخرين في عالم عبثي.» قال أغسطين: «حين نتألم نحن أنفسنا، فهذا بؤس أو شقاء، أما حين نتألم مع الآخرين، فهذا هو الرحمة (الاعترافات الكتاب الثالث، ۲ (۲) «إذْ ماذا يمكن أن تكون الرحمة إن لم تكن تعاطف قلوبنا مع بؤس الآخرين، الذي يدفعنا إلى نجدتهم متى وجدنا إلى ذلك سبيلا.» (مدينة الله، الكتاب التاسع، ٥) إنَّ المؤمن ليس من يكون «ذاته كأنه غيره» (soi-même comme un autre) حسب تعبير ريكور، بل من يكون «ذاته بفضل غیره» (soi-même par un autre) حسب تعبير ماريون. كل الحداثة منذ ديكارت هي ادعاء «الأنا» أنه يملك «العالم» الذي يسيطر عليه بقدر ما يعمل على تحويله إلى «موضوع». ولا معنى لتصريف الرحمة إزاء موضوع. وإن طرافة أغسطين هي كونه يقف في الطرف الآخر من الخيط الذي يمسكه ديكارت والمحدثون: إنه قد صنع في سردية الاعترافات فنَّ الذات دون ادعاء الأنا. وهو فن كان ممكنا لأنَّ الإنسانية لا تزال قريبة من رؤية لعالم تواصل حمايته من اللامعنى بواسطة الإله الخالق، ومن التملك الوثني بواسطة الرحمة الإلهية، لكنَّ الحداثة قد هدمت أفق المعنى الذي يؤمنه الإله الخالق عندما حولته إلى مجرد فكرة ترنسندنتالية. ولكن خاصة أنها قد قوضت مفهوم الرحمة، عندما حولت الذات المؤمنة إلى أنا متغول بالعقل الأداتي عوّض أفق النعمة ببرنامج تملك تكنولوجي للعالم. قال هيدغر: «إنَّ خمرة تفكير أغسطين قد أُغرقت بالماء الذي صبه فيها ديكارت. إنَّ يقين الذات والقيام بالنفس في معنى أغسطين هو مختلف تمامًا عن البداهة الديكارتية للكوجيطو .» كل تصور أغسطين عن الرحمة مؤسس على تصور دقيق للأنا الذي يفكّر : إنه «أنا» لا يقوم «بذاته»؛ ولهذا هو يحتاج إلى الرحمة لأنَّ وجود الأنا دون امتلاك ذاته هو المعنى الميتافيزيقي للبؤس الذي يقصده أغسطين. نحن بؤساء سلفًا؛ أي «أناوات» دون «ذوات»؛ ومن ثم فإنَّ كلَّ وجود هو «هبة» من جهة غير مفهومة، ولا يمكن فهمها أبدًا إِلَّا على سبيل الرجاء. لذلك فإنَّ الرحمة تبدو معطوبة في ظل ثقافة «الأنا» الفرداني الحديث : لا يرحم إلَّا من قبل بأن يوجد «خارج ذاته»؛ لأن ذاتا أخرى يمكن أن تساعده على احتمال التناهي دون حساب دنيوي. الرحمة لا معنى لها سوى تأمين المعنى للمخلوقات؛ لأن الوجود يبدو وثنيًّا بلا رجعة و«الفاني» الوثني يشفق لكنه لا يرحم ؛ أما المخلوق التوحيدي فهو يرحم لكنه لا يشفق: إن الشفقة تحتوي على معنى وثني لا يجدر بالمؤمن التوحيدي أن يرضى به؛ لا يشفق إلا كائن متكبر. والكبرياء الوثنية تشفق، أما التواضع الإبراهيمي فهو يرحم ولا يشفق فقط. وأنت لن ترحم إلَّا إذا نظرت إلى المخلوق على أنه أمانة مقدسة لها حرمة تتجاوزها هي حرمة الخلق. وهو وضع وجودي عابر للبشر وعابر للأديان.
في تقريظ الفراغ - العدم الإبراهيمي والفراغ البوذي ما يميز الإبراهيميين حقًّا هو مفهوم العدم. والعدم يختلف عن «الفراغ» البوذي بشكل مثير. ويبدو أنَّ كلَّ تعاليم البوذية عن الفراغ إنما تدور حول ما يسمونه «السونياتا» أو «السوناتا» (Sunyata)؛ أي «الخواء» أو «الفراغ»: فراغ الوجود من ذاته. وهي مسألة تجادل فيها البوذيون بما فيهم بوذا نفسه — طيلة أكثر من - ألفي عام. السونياتا ضرب من الوعي بالفراغ. والسؤال هو: «هل يمكننا أن نسكن في المكان الفارغ من نفسه؟» لكن المحذور الأكبر هو هذا: «لا يمكنك القبض على فراغ الزان من خارج. ينبغي عليك أن تجربه، الفراغ بوصفه خاصية ما «لا ذات له (no-self) بلا هوية ولا ماهية ولا مستقبل؛ لأنه خالٍ من أي طبيعة خاصة؛ ولذلك هو يقال على أنحاء شتى: يمكن أن يكون حالة تأمل أو سمة للأشياء أو نوعا من الوعي، لكن المعنى العام هو تحرير النفس بواسطة الفراغ. لا نتحرّر إلَّا بقدر ما نفرغ العالم من أي وجود خاص، أي أن ننظر إليه بوصفه شيئًا «غير قابل للموضعة (unobjectifiability). ومعنى الفراغ مبثوث مثلا في كل نواحي الحياة اليومية اليابانية: في المعمار حيث تكون الأبواب والجدران متحركة لإنتاج «الفضاء»؛ وفي الرسم حيث تكمن قوة الرسم الياباني في جذب الفراغ والقبض عليه كما هو، وتركه مرتجلًا وغير مكتمل: ترك شيء يمكن للمتفرج أن يُكمله. وفي الزان والتاوية ينكشف الجمال عندما ينجح المتفرج في إكمال ما تُرك غير مكتمل. وجاء في مذهب الدفاع عن النفس: «في هذه الرياضة، على المرء أن يعمل على جذب قوة الخصم وامتصاصها بواسطة عدم المقاومة؛ أي بواسطة الفراغ، وذلك مع المحافظة على قوته الخاصة من أجل القتال النهائي.» وثقافة «الزان» هي تمارين في البحث عن الفراغ واستعماله بشكل مناسب من أجل إنتاج السكينة. وعلى خلاف ثقافة «الغرب» التي تقوم على قيمة «الامتلاء» و«الممتلئ»، كتقنية تملك رسمية، حيث إنَّ الفارغ ليس له سمعة طيبة، ومن هنا تم تكريس مبدأ يجري من اليونان إلى ديكارت يقضي بأنَّ الطبيعة تخشى «الفراغ»، يعتقد الياباني أنَّ ما لا يقوله المرء هو ملح النقاش. وفي تعاليم الزان أنَّ التأمل موضوعه هو الفراغ : إنتاج الفراغ الباطني. وحده الفراغ يهيئ مكانًا للقاء مع الآخر، سواء أكان شخصًا أم عاما. بَيْد أَنَّه إذا كان الفراغ البوذي فضاء فهو ليس فوضى (مثل اللاموجود اليوناني). الفراغ عنصر من النظام، مقبول ومحمود وهو ليس ثابتًا، بل هو ما يساعد الأشياء على الحركة؛ ولذلك فإنَّ الحرب هي محاصرة الفراغ والسيطرة عليه. الفراغ هنا مصدر معنى. والبوذي ناغارجونا (۱٥۰ - ۲٥۰) الذي أحدث في الهند مبدأ الفراغ قال إن الأشياء «لا هي موجودة ولا هي غير موجودة. بل إن الفراغ هو الطبيعية الحقيقية للحياة. والتأمل الروحي ليس له مضمون، بل هو فَهم الفراغ في وجودنا». السونياتا تعني خلاء الموجودات والأشياء من ذات أو ماهية سابقة أو لاحقة لها. والقصد هو أنه لا شيء يمتلك سلفًا وجودًا خاصا به، فقط هو يوجد في علاقته بشيء آخر. هو فراغ في معنى أنه خالٍ من الوجود الخاص أو الذاتي أو الجوهري : الأشياء لا ذات / ماهية لها. لكن السونياتا ليست عدمًا؛ ومن ثم فإن البوذية ليست عدمية كما ظنَّ نيتشه الذي نبه في تصدير جنيالوجيا الأخلاق إلى خطر أن تنقلب الثقافة الأوروبية إلى «بوذية جديدة ... بوذية أوروبية؛ أي إلى عدمية». لكن البوذية الآسيوية هي مذهب شرقي في الفراغ. وهو «غير غربي» تمامًا، نعني ليس يونانيا ولا إبراهيميًّا. إنَّ الراهب البوذي ليس فيلسوفا (ليس له قول في غيرية اللاوجود) ؛ وهو ليس نبيًّا ( ليس له كتاب مقدَّس في الخلق من العدم)؛ بل هو حكيم الفراغ. والفراغ البوذي ليس مجرد «تعالق» بين الأشياء كما يفهم العقل الغربي؛ بل هو حدس لمستوى من الحياة علينا اختراعه. جاء في بعض نصوص البوذية: «الفراغ هو شكل. والشكل هو الفراغ». وبهذا المعنى، فإنَّ العالم برمته ضرب من الفراغ. إنَّ الفراغ البوذي معناه غياب الاتصال الواقعي الثنائي بين كيانين منفصلين هما «الإنسان» و«العالم»، بين «الشخص» و«الشيء». فإن الإنسان البوذي مثله مثل العالم ليس له وجود «في ذاته». وتعلم البوذية أن الأشياء من حبة الرمل إلى جملة الكون هي فارغة. والفراغ فيها له معنى محدد هي فارغة من «نفسها» أي من وجود خاص بها، ثابت وباطني ومستقل برأسه. إِنَّ الفراغ البوذي هو فراغ من الذات، من ادعاءات السيطرة على أي شيء. والأشياء لا وجود لها إلا اسمًا فقط. فالفراغ يكتنفها من الداخل (من جهة الذات) ومن الخارج (من جهة الموضوع). والفراغ نفسه ليس موضوعًا لذاته، بل هو يوجد بشكل فقاقيعي؛ والفراغ حجاب (المايا) لكنه لا يحجب شيئًا؛ ولذلك فالحرية القصوى (النيرفانا) ممكنة لأن الوجود فارغ واللاوجود فارغ، ونحن لسنا مختلفين عن المطلق وخواطر النفس مثل العصافير: تعبر سماء روحك ولا تترك أثرًا.