...من بيت فلاح، ومن صميم الأسرة العصامية المكافحة انطلق الماغوط منتزعاً نفسه عن صدر أمه ليكون هبتها للوجود، ثم من بلده التي تعرت من كرومها، وبادلت ذهب السنابل ومساكب الورد وأصداء سوق الذرة وأنين المقاصب والصفصاف بموسم واحد من القطن، كان كفن الرغيف وإعصار الصحراء العاتي على كل أمل بعودة الحياة. ولما تهاوت الجذوع الهرمة، وسقطت عجائز الأشجار مودية بأعشاش الطيور، تقاوى على نفسه هذا الصقر المهاجر مرمماً جناحيه المهشمين منطلقاً من سفر عسير، وفضاء لم يدخر له أي شيء من الطقوس الرديئة.
من العبث أن أستخدم لغة الكلام من أجل التحدث عن تلك الحقبة من عمره، فلعل ما علق من مزق الثياب، ومن بقع الرعاف وتشقق الأقدام على التلال والمقالع والمغاور والكهوف وفروع الأشجار المكشرة على التخوم ما يروي بمنتهى البلاغة والإعجاز بداية التشرد والتمرد والإصرار على لقاء الخلود.
تتعدد أطياف الشعر عند الماغوط، تورف عرائشه على كل الجدران، وكمهندس بارع ما يني بوسع فتحة الفرجار على مدار واسع يشمل العالم كله والإنسان في كل مكان باعتباره آخر نتاجات الكون وأقدس من أن يداس.
وكبناء مرهف خبير يضع الطوبة على الأخرى لينصبه في عقد القبة الكونية، ولسان حاله يقول: لتسقط كل الحضارات أمام طفل يفغر فاهه لقطرة من الحليب. يحاول الماغوط بكل ما أوتي من قوة الإحساس، وصدق المشاعر، وعمق المعاناة أن يجعل من الأدب شعاعاً قوياً يسلطه على الحياة من أجل اجتثاث المأساة من جذورها، واستئصال آفات الزمن الردئ.
من غربته، من ثنايا وحدته، من كوابيسه المرعبة، والأشباح التي تقتحم لحظات رقاده القليلة، تطل عليك قصيدة الماغوط آخاذة جذابة، لا تتمالك نفسك من أن تنهال عليها كما ينهال الجائع البائس على الرغيف، والضال التائه على النجم الدليل تقرأها متسارعاً كما يتسارع نبض العدائين، متسائلاً: أمام أية حقيقة ستضعنا سخرية الماغوط، وماذا هناك أيضاً من المفقودات الثمينة التي دفعت به لأن يقف في صحن محكمة التاريخ يهز ضميره، ويمسك بتلابيبه صائحاً: أوجدها.
شاعر وأديب سوري ، ولد في سلمية بمحافظة حماة عام 1934. تلقى تعليمه في سلمية ودمشق و كان فقره سبباً في تركه المدرسة في سن مبكرة، كانت سلمية ودمشق و بيروت المحطات الأساسية في حياة الماغوط وإبداعه، وعمل في الصحافة حيث كان من المؤسسين لجريدة تشرين كما عمل الماغوط رئيساً لتحرير مجلة الشرطة، احترف الفن السياسي و ألف العديد من المسرحيات الناقدة التي لعبت دوراً كبيراً في تطوير المسرح السياسي في الوطن العربي، كما كتب الرواية و الشعر و امتاز في القصيدة النثرية و له دواوين عديدة. توفي في دمشق في 3 أبريل 2006.
أهم مؤلفاته الشعر
حزن في ضوء القمر - شعر (دار مجلة شعر - بيروت 1959) غرفة بملايين الجدران - شعر (دار مجلة شعر - بيروت 1960)
الفرح ليس مهنتي - شعر (منشورات اتحاد الكتاب العرب - دمشق 1970
المسرح
ضيعة تشرين - مسرحية (لم تطبع - مُثلت على المسرح 1973-1974) شقائق النعمان - مسرحية غربة - مسرحية (لم تُطبع - مُثلت على المسرح 1976) كاسك يا وطن - مسرحية (لم تطبع - مُثلت على المسرح 1979) خارج السرب - مسرحية (دار المدى - دمشق 1999، مُثلت على المسرح بإخراج الفنان جهاد سعد) العصفور الأحدب - مسرحية 1960 (لم تمثل على المسرح) المهرج - مسرحية (مُثلت على المسرح 1960، طُبعت عام 1998 من قبل دار المدى - دمشق )
مسلسلات تلفزيونية
حكايا الليل - مسلسل تلفزيوني (من إنتاج التلفزيون السوري) وين الغلط - مسلسل تلفزيوني (إنتاج التلفزيون السوري) وادي المسك - مسلسل تلفزيوني حكايا الليل - مسلسل تلفزيوني
السينما
الحدود - فيلم سينمائي (1984 إنتاج المؤسسة العامة للسينما السورية، بطولة الفنان دريد لحام) التقرير - فيلم سينمائي (1987 إنتاج المؤسسة العامة للسينما السورية، بطولة الفنان دريد لحام)
أعمال أخرى
الأرجوحة - رواية 1974 (نشرت عام 1974 - 1991 عن دار رياض الريس للنشر وأعادت دار المدى طباعتها عام 2007) سأخون وطني - مجموعة مقالات (1987- أعادت طباعتها دار المدى بدمشق 2001) سياف الزهور - نصوص (دار المدى بدمشق 2001).... شرق عدن غرب الله (دار المدى بدمشق 2005) البدوي الأحمر (دار المدى بدمشق 2006)
كتب عنه شقيقه عيسى الماغوط كتاب بعنوان (محمد الماغوط رسائل الجوع والخوف) وفيه يروي حكايات كثيرة عن شقيقه تؤكد الصورة الشائعة عنه، أن يكون منحازًا على الدوام إلى صفوف الحرية والأحرار. يرفق الكتاب بصور فوتوغرافية للماغوط وأفراد أسرته. والكتاب بوجه عام عبارة عن مستند بالغ الفائدة لكاتب مسرحي وشاعر يعتبره الكثيرون من أبرز شعراء وأدباء سوريا في النصف الثاني من القرن العشرين .
سكوت ... مستشفى سكوت ... إنعاش سكوت ... وفاة سكوت ... عزاء سكوت ... محكمة سكوت ... مرافعة سكوت ... مناظرة سكوت ... دورية سكوت ... مداهمة سكوت ... تفتيش سكوت ... تحقيق سكوت ... طعام سكوت ... قيلولة صه. سكوت. خشوع. مفاوضات و مصيرية. متى أصرخ؟ و أنا أغرق! و أنا أحترق! وراء القضبان. في مستشفى المجانين!! **** و أقولها بصراحة رغم كل العواقب المتوقعة. إنني أعرف كيف أرقص. و أقفز و أركض و أهرول و أزحف و أطبخ و أمسح و أرسم و أعزف و أبكي و أضحك و أهرب و لكنني لا أعرف كيف أخون لأنه لا وقت لدي أو أنا مغفل كبير. **** ما يتبقى من الأوطان التي يخليها المستعمر طواعية أو إكراها. بعضه رمزي أو مرتهن للطغاة و مراكز القوى .. قصور ... مسابح ... بساتين ... استراحات ... قبور عائلية و دورات مياة خاصة. و البعض الآخر يتلاشى يوما بعد يوم و جيلا بعد جيل على نعال الأحذية و عجلات السيارات و الدراجات و الطنابر و الحوافر و جيوب المغتربين أو تذروه الرياح. و كلما رأيت أو سمعت بعاشق بما تبقى من هذا التراب أصفق فرحا. **** أيها الحزن. يا حبي الأول و الأخير. لقد نفذ كل ما عندي و من حولي من خمر و تبغ و خبز و أغطية و وسائد و أدوية و رسائل و طوابع بريدية و تذكارية و لم تترك لي دفترا على مكتب أو قميصا على مشجب أو وساما على صدر أو حذاء على عتبة أو صديقا في مقهى أو جارا يقرع بابي و قد أحببتك حتى كدت أشرك و لكن آن لنا أن نفترق **** السلام الوطني. الوئام الوطني. الخلاص الوطني. التجمع الوطني. النضال الوطني. الإنقاذ الوطني. الوحدة الوطنية. الجبهة الوطنية. الكتلة الوطنية. المواجهة الوطنية. ثم عندنا: اقتصاد وطني صناعات وطنية تربية وطنية أحزاب وطنية مدارس وطنية أناشيد وطنية أقلام وطنية دفاتر وطنية مدافيء وطنية بترول وطني أحذية وطنية شحاطات وطنية حمامات وطنية مراحيض وطنية و لكن ليس عندنا وطن! فقبل هذا النضال العربي المظفر كان الوطن حقيقة و بعده صار مشروعا ثم حلما ثم كابوسا و على توقيت بيج بين نضحك و نبكي و نحلم. **** إذا لم يدفع الشعراء الثمن فمن الذي يدفعه. **** كلما كثر أعدائي تأكدت أني على حق. **** من جعل من كل شجرة مخفرا؟ و من كل برعم متهما؟ **** الكرة بيدي و ستظل بيدي حتى لا أكون كرة في يد أحد. **** لقد عايشت و عاصرت أعظم الثورات طموحا و دموية و هدرا للدموع و الكرامات دون أن أطلق رصاصة واحدة. و قد لبست أفخر الألبسة و أكلت أشهى الأطعمة دون أن أدفع درهما واحدا. و وصلت إلى أقصى ما يحلم به إنسان دون أن أخطو خطوة واحدة. شكرا للشعر.
لاشك أن الماغوط يعد من أهم الشعراء السوريين و خاصة في فترة معينة، إلا أن هذا الكتاب يحوي العديد من الاستعارات المهينة مثل (السائق القزم المشوه، مظاهر الشذوذ المقرفة .. ) و غيرها. مما استوقفني و أزعجني أكثر من مرة خلال قراءتي لهذا الكتاب.
البدوي الأحمر: انفجارات متتابعه تشمل كل كبيرة وصغيرة بالحياة، تجد السياسة بهمومها ومشكلاتها وقذاراتها، والاقتصاد بجوعه وعريه، والوطن بمجرميه وشرفائه وخونته، والانسان بأمراضه وأحزانه وأفراحه المحدودة. والأدب بأدبائه وأشباه الأدباء وغيرهم... الماغوط لم يترك شيئا الا تكلم عنه. من الناحية الفنية ستجد نفسك حائرا هل كل هذه النصوص تخضع للنثر؟ لكن الاجابة بلا فالشعر واضح وجلي بداخل نصوص كثيرة..
ما أعيبه علي الكتاب: هو الوقوع في التكرار المستمر، فثمة نصوص لو كان حذفها لكان أفضل، لأن المعني وصل من نصوص أخري.
محمد الماغوط الثوريّ الفذ الانسان الذي دائماً يذكرني بنفسي بالشابة الحزينة الثائرة على وضع بلادها قلم الماغوط لا قلم ينافسه ابداً ، وضح هنا بشعره كل ما تم تضليله من قرارات وامور وصف معاناة شعبي ، نزع شاش الجِراح وقال هُنا الجرح أيها الشعوب انظروا
أقسى مافي الوجود ألا يكون هناك ما تنتظره أو تتذكره أو تحلم به.
———
يا إلهي.. أعطني فرصة لأسرق.. لأرتشي.. لأخطئ.. لأغش.. لأخون صديقاً عابراً مع عاهرته العابرة.. لأكذب كذبة بيضاء لا تعاقب عليها الأديان.. إن شعبي لا يستحق كل هذه الرفاهية المفرطة الكل يسرق.. ويكذب.. وينهب.. وتفتح له الأبواب على مصاريعها.. وأنا أنام وأصحو في زنزانتي الشعرية والدموع تغطي ركبتي.
رموز .. وألغاز .. وشيفرات .. وتكرار ثم تكرار .. مع بعض الصور الجميلة والساحرة ولكن ما غاية الأدب اذا كان منغلقاً على فهم القارئ؟ هل يكتب الكاتب لنفسه أم لإيصال رسالة وشعور؟ البساطة أجمل ...
نصوص شعرية ونثرية تقرأ الحياة بكل أطيافها وأسرارها الفاضحة، وخفايا مكامنها، هو شاعر لا يرضى بغير الصدق· ولا يقبل إلا الحقيقة واضحة، براقة، كأبهى حلة يرتديها طفل باسم، ضحوك· هو شاعر واضح كالحياة لا يركن إلى البلاغة اللفظية، ولا يندس خلف تعبيرات المجازية، وألفاظ غرائبية· لذا فإن نصوصه تلامس الوجدان، وتحرك شيئا ما في شغاف القلب· وهو بالتحديد ما نلاحظه في كتاب "البدوي الأحمر" الصادر أخيرا عن دار "المدى" 2006· فهو يحوي بين طياته مجموعة نصوص لم تنشر من قبل· يعلن فيها الماغوط تمسكه بنهجه في الكتابة، وولاءه لقضاياه الإنسانية التي طالما تمسك بها، معلنا تحيزه للفقراء والمحتاجين.
#البدوي_الأحمر #محمد_الماغوط عدد الصفحات 56 الكتاب الخامس والتسعون لعام 2020
ديوان نثري شعري للماغوط أحتوى على العديد من القصائد التي عبر فيها الماغوط عن مافي نفسه وعن كل ما حوله، فنجده يكتب بلسان السياسي عن السياسة ، والمتمرد عن الأعراف البالية، عن الوطن المسلوب المنهك بشرفائه وخونته، وعن الإقتصاد والأدب والأدباء...الخ. القصائد لا تخلو من السخرية اللاذعة تارة ومن الأحزان تارة أخرى ليشكل لنا ديوان شعر جميل لا يُمل. لم يعجبني فقط التكرار الذي وقع فيه الماغوط. #زبيده
يا إلهي .. أعطني فرصة لأسرق لأرتشي لأخطئ لأغش لأخون صديقا عابرا مع عاهرته العابرة لأكذب كذبة بيضاء لا تعاقب عليها الأديان بموعد مسلسل أو مقادير طبخة اليوم . إن شعبي لا يستحق كل هذه الرفاهية المفرطة الكل يسرق ويكذب وينهب وتفتح له الأبواب على مصاريعها وأنا أنام وأصحو في زنزانتي الشعرية والدموع تغطي ركبتي .
من أين لي كل هذه الأجنحة؟ و ماذا أفعل بها؟ أريد آفاقاً جديدة و بهذه السيوف و الرماح والخناجر؟ أريد معارك جديدة و بهذه الأشجار و الغابات؟ أريد فؤوساً أو حرائق جديدة.
كل الأيام التي قضيتها بلا طعام والليالي بلا غطاء وكل سخريتة من أسمالي في الأعياد وكل ليلة قضيتها مشرداً في الشوارع أو نائماً في البساتين والحدائق وكل قملة عَثَرَ عليها هذا الحلاق أو ذاك المفتش في رأسي وعقب سيجارَة ملتقطة من الشارع في فمي وكل مرة انقطعت فيها المياه وأنا أستحم أو أنطفأت الكهرباء وأنا أحلق أو الاتصال الهاتفي وأنا أتحدث وكل مرة رُفِض إذاعة اسمي في برامج ما يطلبه المستمعون أو كتابته في بريد القراء ورُفِض انتسابي لأي حزب واشتراكي في أية مباراة أو مظاهرة أو دخولي السينما أو المسرح كمشجع او مصفِر أو صُفِق في وجهي باب أو نافذة وطُردت من مقهى أو حانة أو عمل أو مدرسة أريد ثمنه شعراً أو صورة شعرية واحدة جديدة وعفا الله عما مضى !!
- - -
قصيدة الهندي الأحمر
كان المطر الغزير يغسل نظارتي والأغصان المزهرة تلامس رأسي والثمار الناضجة تلامس فمي ثم مياه جارية ينابيع متدفقة ومياه طبيعية و معدنية و أجراس قطعان وكنائس توحّد الخالق *** طائرة تقلع ، فتحط اثنتان ورديات عمل تتبادل المواقع والمهام على مدار الساعة وفنادق ومسارح ومعارض ومقاه وحانات وسيارات ودراجات وجسور ومحلقات وهواتف ثابتة ونقالة تغطي الأرض وهوائيات وصحون لاقطة تغطي السطوح والشرفات *** أمّا ما يلقى في حاويات الفنادق والسفارات من فضلات فيكفي لخمسة جيوش تحارب على عدة جبهات وقد انجذبت إلى إحداها انجذاباً قومياً بل شوفينياً منذ أول لقمة ، والتصقت بإحداها التصاق الخروف الرضيع بأمه النعجة *** ومع ذلك أعيش تحت خط الفقر بأمتار … إنهم يسرقون بلادي !! .
البدوي الاحمر هو محمد الماغوط نفسه الذي تمرد على واقعه و عروبته بصورة لا تخلو من سخرية مفعمة بالايديولوجبا السياسية.. القصيدة والشعر كان سلاحه في وجه كل من كان ضد الحرية وضد مفهوم الوطنية المزيف على حساب الشعب..نصوص رائعة تبعث الالم الذي يدفعك نحو التمرد على الواقع العربي المزري
كتاب جميل .. فيه نصوص للكاتب محمود الماغوط .. يسرد فيها بعض آلامه , و أفراحه .. يسخر أحياناً .. و يحزن أحياناً أخرى .. و يثور و يتمرّد أيضاً بأسلوب مميز يتفرّد به حرف هذا الأديب ..
يا أمهات الكتب، أخبروني : ماذا حل بمؤلفاتي المتواضعة ؟ لقد عانيت طويلا في كتابتها، وأريد أن أعرف ما آلت إليه، علي أي رف ترقد؟ أو في أية مصبغة تستخدم؟ وإن كنت أتمنى، أن يكون ما تبقى منها، قد تحول إلي طائرة ورقية، بيد طفل يتيم في بلادي. ... في كل شجرة زهرة لا تتفتح، وفي كل شتاء سحابة لا تمطر، وفي كل نزهة، رفيق متحمس لا يصل، وفي كل ليلة قدر .. معدم ينام في الشارع، ولا يطلب لنفسه أو لسواه شيئا.