العمل يتناول الطرح بشكل جديد على الرواية الأردنية وبجرأة كبيرة لم تخيبني، تجربتي الثانية مع مفلح العدوان، والأولى في مجال الرواية معه.
العمل هو الأول والوحيد للكاتب، وتطرح الرواية فكرته عن القرية في شكل الواقعية السحرية مستخدما السرد الطليعي وثلاث خطوط للزمكان للمضي قِدَمًا في النص من خلال ترقيم الفصول كما فعل تقريبًا الروائي الأرجنتيني كورتاثار في عمله الضخم والذي أثار ضجة كبير "الحجلة".. افتتاحية الرواية كانت سينمائية مُبهمة واللغة وحدها توحي بواقعية سحرية مكثّفة، لغة الكاتب قوية جدا والحوار متقن والتكتيك العام للعمل وحبكته متقنة والمكان هو بطل الرواية، صنعه للشخصيات رغم تهميش المكان لها إلا أنها مصنوعة بحرفية عالية، لكن السرد كان أكبر منه فتفلّت منه وتوترت انتقالاته بين الراوي الخارجي والداخلي وتداخل السرد والحوار بشكل خاطئ كان يقحم الراوي بشكل غير منطقي. رغم هذا إن العمل جميل وممتع ويطرح فكرةً تمنيت لو كل الكُتّاب الأردنيين يطرحون عن قُرانا الضائعة بهذا الشكل.
لهفة روح الإنسان لأصله، خوف التغيير، خرافات يؤمن بها أجيال، وشبح ضحكة امرأة أكلتها الذكريات. اخترت العتبات لرغبتي بتذوق الأدب الأردني، الأدب المنسي، لملامسة شيء يشبهني، كلمات وجمل وفقرات أستأنس بها. والعتبات قدمت لي ما رغبت.
ثلاثة دروب معنونة بالعربية (1)، الهندية (١)، واللاتينية (I) بأزمان مختلفة بأحداث مختلفة لكن يبقى لدى القارئ إيمان بإرتباطها كلما تقدم صفحة؛ الجهة الشرقية وذاكرة كهوفه العتيقة، القرية ببيوتها من الحجر والطين، والجهة الغربية وحجرها الأبيض. نسيان أهل القرية ماضيهم، لكن هل للماضي أن ينسى؟
أعجبني التشويق والغرابة الذين صاحباني من الصفحة الأولى لمعرفة سر إرتباط الأزمنة ببعض، شعرت بأنها تحدث بالتوازي مع بعضها البعض، وهي كذلك.
ناقش الكاتب فكرة قلة الوعي وتمجيد كل ما هو غريب، أسلوب المستعمر في دخول وتخريب وتدمير مجتمع متمثل بقرية بسيطة، فرغم الارتياب، كان دمار القرية قريب يمكن إلتماسه برائحة الأجواء.
أسلوب مفلح العدوان بوصف شوق بعض الأرواح لأصلها (الذي بينه بإنتقال أهل القرية من أسلوب الترحال للسكن في جوف الكهوف) وطوق البعض للتغير والعيش تحت سقف بيتٍ من حجر وطين كان مُتقن الوصف، خصوصًا مشاعر النساء المتمثل بالشخصية الرائعة شفق. فالفكرة الأكبر لم تحتج الا جرأة للخروج عن التقاليد والمألوف.. لكن قد يكون ثمن هذه الجرأة هو ضياع الهوية.. فهل استحق الأمر؟
تداعيات الماضي واثره على الحاضر، فالبرغم من شيخوخة جد خالد لا يزال يذكر الماضي الأليم الذي لاحقه طوال سنين طفولته وشبابه وشيخوخته حملًا على اكتافه، وسرده للاحداث كأنها حدثت قبل ساعةٍ مضت، يبين أن لا يمكن للماضي تركنا، سيبقى ينسل لمكنونات روحنا ليعكر ما تبقى من صفوها. أيضًا بالرغم من خروج أهل القرية -جسديًا- عن أصولهم متمثلة بالابتعاد عن الكهوف، كانت أرواحهم، ذكرياتهم، أصواتهم تحن وترجع لها؛ وهنا يبقى سؤال، هل فعلًا يبقى أثر الساكن للمكان رغم هجره؟
التماسك بين أحداث الماضي وانسلال حياتنا الرقمية بين الأحداث كان رائع.
رواية مليئة بشبح الذاكرة، تحتاج من القراء استنباط ما خلف الكلمات، بلغة مُتقنة خادمة لموضوعها أبدع مفلح العدوان بإيصال أفكاره بـ ١٤١ صفحة.