يبدأ ديورانت بسرد تاريخ روما , من قبل هجوم القبائل الأولى التى شكلت روما التى نعرفها عبر التاريخ , تبدأ منذ أن كان يسكنها التسكانيون , وتهيل عليها القبائل من المشرق والمغرب , يتوالى عليها الملوك , واحداً بعد الأخر حتى تتحول فجأة عن النظام الملكى إلى نظام جمهورى يخضع لحكم الأشراف بمباركة مجلس شيوخ يعنى بحقوق المواطنين وواجباتهم وتنظيم سبل العيش , من الغريب أن تعرف أن مملكة صغيرة مثل رومه ستتحول لأكبر إمبراطورية منظمة عرفها التاريخ
يقول ديورانت فى كتابه ص 55
"لم يشهد العالم قبل رومه أو بعدها دولة من الدول حرصت مثل حرصها على حق الموطنية أو أقدرته مثل تقديرها"
لك أن تتخيل أقوى نظام دستورى عرفته البشرية وقتها , يكاد من فرط دقته ينافس أرقى النظم الديموقراطية الموجودة فى عصرنا الحالى
على أن الإنتقال عبر التاريخ لم يكن وليد يوم , بل قرون متتالية , عانت خلالها الإمبراطورية من حروب ومعارك وثورات , نالت منها أكثر مما أعطت
الكتاب الأول (الجمهورية): 508-30 ق.م
يستهل ديورانت حديثه عن الطبقات التى كانت تشكل المجتمع حينها
1- الأشراف : المنحدرين من سلالة الغزاة والذين كونت رؤساء قبائلهم النواة الأولى لمجلس الشيوخ
2- رجال الأعمال : وهم الطبقة الأدنى التى تمثل أصحاب النفوذ من الصناع والتجار ومعظمهم من السكان الأصليون
3- الأرقاء : وهى الطبقة الأدنى تماماً والتى تمثل أسرى الحروب والعبيد الذين لم يكن لهم أياً من الحقوق التى تتمتع بها الأشراف او العامة
سيبدو الأمر غريباً إذا ما قورن حال المجتمع الرومانى الذى يكفل الحقوق الكاملة لمواطنية بينما يمارس أقسى الأساليب وأكثرها وحشية فى التعامل مع الأرقاء والعبيد
فى ذلك يقول ديورانت
"كانت القوانين تبيح معاملة العبد كما يعامل الإنسان متاه , ذلك أنه من الوجهة النظرية , وطبقاً لعادات القدماء فقد فقد حقه فى الحياة حين وقع فى الأسر , وإن إستعباده لم يكن إلا رحمة به وتخفيفاً لحكم الموت الذى إسحقه بهزيمته"
على النقيض تماماً شكل الأشراف والعامة النواة الأولى لأول جمهورية عرفها التاريخ فأسس الأثنان مجلساً للشيوخ حاول قدر المستطاع أن يضبط الإمبراطورية عبر قوانين ولوائح ثابته تكفل الحقوق لمواطنيها
يقول ديورانت أنه فى البداية كان الشعب يشعر أن مجلس الشيوخ معه وليس ضده ولذلك خضع تماماً لسيادته على أن الأمر لم يدم طويلاً , فسرعان ما تحول المجلس لأداة طغيان تحمى المرتشين وتعلن الحروب بلا تدبير ويستغل نفوذه إيثاراً لمصالح أعضاؤه الإقتصادية ,وأقتضى الأمر حينها أن يصبح للشعب رقيباً على عمل المجلس وولدت فئة ثالثة من العامة تلقب بالتربيون تراقب عمل الحكومة (تشبه تماماً مجلس الشعب فى عصرنا) تعترض على قراراتها وتزن الأمور بما تقتضيه مصلحة الأمة عبر حق الفيتو الذى كان يمنحهم سلطة مطلقة فى الإعتراض على قرارات المجلس وأختيار القنصل
فى وقت السلم كان القنصل مجبراً على إطاعة أوامر التربيون , وفى وقت الحرب كان لزاماً عليهم الخضوع لسلطة القنصل ,
فى تلك الفترة كانت روما قد بدأت تنمو بقوة , بدأت مسألة التطور القانونى تأخذ مساراً أكثر رقياً , عبر دساتير كاملة توضح تحت إشراف الحكومات المنتخبة من قبل الشعب , ووضع القيود على الوظائف الرفيعة فى الدولة (كان لا يجوز لشخص أن يتولى المنصب نفسه أكثر من مرة واحدة كل عشرة سنوات )
فى صفحة 75 يقول ديورانت
لقد ظلت رومة عظيمة طوال العهد الذى كان لها فيه أعداء يرغمونها على الإتحاد والشجاعة والتبصر فلما أن ظفرت بأعدائها جميعاً إنتعشت برهة من الزمان ثم بدأت فى الإحتضار
تبدأ روما فى الهجوم على كل القبائل المحيطة , تقتنص الأرض منهم , تخضع لها قبائل كبيرة وإمبراطوريات عظيمة فى الشرق والغرب ولا يبقى أمامها سوى قرطاجنة .
حين تسقط قرطاجنة يصبح لروما الباع الأكبر , وتكون بلا منازع القوة الأعظم فى العالم , ويبدأ التحول فجأة كما يقول ديورانت , وهو يقارن بين حال المواطن الرومانى أثناء المعارك (وقت أن كانت روما فى أوج قوتها) وبعد أن دان العالم لها (حيث بدأ الإنحدار)
" يد أن الثروة والترف قد بدءا وسارا سيراً حثيثاً بين الحربين البونيتين الأولى والثانية؛ وشاهد ذلك أن هنيبال جمع من أصابع الرومان الذين قتلوا في معركة كاني عدداً كبيراً من الخواتم الذهبية(32)، وأن قوانين عدة قد وضعت لتحرم الجواهر المنقوشة، والملابس المبهرجة، والوجبات الغالية الثمن، ولكن هذه القوانين رغم تكررها ظلت عديمة الجدوى. لقد ظلت وجبات الروماني العادي حتى القرن الثالث قبل الميلاد وجبات بسيطة، فكان فطوره يتكون من الخبز وعسل النحل أو الزيتون أو الجبن؛ وكان غذاؤه وعشاؤه يتكونان من البقول والخضر والفاكهة. أما السمك واللحم فكان يختص بهما الأغنياء. وقلما كانت مائدة ما تخلو من النبيذ المخفف، أما شرب النبيذ المركز فكان يعد إفراطاً. وكانت الأعياد والولائم من المتع الضرورية في هذا العهد الرواقي، وكان العاجزون عن التمتع بها يضايقهم هذا العجز ويظهرون ما يحل بهم بسببه من إجهاد عصبي في تماثيلهم التي خلفوها لمن جاءوا بعدهم. "
و أدى بذخ الرومان والإسراف المبالغ فيه إلى أن يسن مجلس الشيوخ الرومانى قوانين صارمة تحدد مقدار ما ينفق من الأموال على المآدب والملابس، ولكن الشيوخ أنفسهم كانوا يتجاهلون هذه القوانين ولذلك لم يأبه بها غيرهم من الأهلين. وفي ذلك يقول كاتو في ألم وحسرة: "إن المواطنين لم يعودوا يستمعون النصح لأن البطون لا آذان لها" وأخذ الناس يشعرون بأنهم أفراد لا شأن للدولة بهم، وثاروا عليها وعلى تدخلها في شئونهم، كما ثار الابن على أبيه، وكما ثارت المرأة على الرجل.
وقد جرت العادة من قديم الزمان أن يقوي سلطان المرأة كلما زادت ثروة المجتمع؛ ذلك أنه إذا امتلأت البطون أخلى الجوع الميدان للحب، ولذلك فشت الدعارة في رومه وانتشر اللواط حين اتصل الرومان ببلاد اليونان وبلاد آسيا، فكان كثير من الأغنياء يدفع الواحد منهم تالنتا ثمناً للغلام الوسيم، وشكا كاتو من أن ثمن الولد الجميل يزيد على ثمن مزرعة.
على أن النساء لم يخلين الميدان لهؤلاء الغزاة اليونان والسوريين، فأخذن يتجملن بكل وسائل التجميل التي هيأتها لهن الثروة الجديدة، وأصبحت الأدهان ضرورة لا غنى لهن عنها، وشرعن يستوردن من بلاد الغالة أنواعاً من الصابون تخفى لون شعرهن الأشيب وتحيله أحمر
ومن هنا كان السقوط , حين أصبح ثراء روما هو نقمتها , حيث جوزيت روما على تملكها العالم بثروات طاحنة وفتن صماء دامت قرناً من الزمان .
الوجه الأخر للمدنية
هل القوانين التى تحفظ الحريات وتمنح الحقوق لمواطنى الدولة هى ما تعرف المدنية ؟ , اعنى أنه ونحن نقيم الأن حضارة عريقة مثل روما , هل لنا أن نشكك فى مدى مدنية هؤلاء وتحضرهم؟ , فالمعايير المادية والحديث بلغة الحرب أو العلم ليس من الضرورة أن يمنح لأمة حضارة , هذا إذا ما أتفقنا على تعريف الحضارة أصلاً. أعتقد أنها إذا لم تطور معها الأخلاق فلا سبيل أبداً من ترقيتها بهذا الأسم مهما بلغت من الرقى!
الحقيقة أن تلك المسألة تعتبر نسبية بحتة إذا ما قورنت بالعصر الذى نعيشة, وقت تتعجب حين تعلم أنه رغم كل تلك الثورة الدستورية والحروب التى قامت من أجل روما كانت المرأة فى وضع يرثى له داخل المجتمع , فالقوانين كانت ذكورية (بالتعريف الشائع الأن ) وكانت سلطة الأب مطلقة تماماً حتى على أبناءه , كان له الحق فى أن يحاكم زوجتته أو يعدمها أو يقتلها إذا ما أرتكبت جرماً , من حق الأب أن يبيع أبناؤه رقيقاً أو أن يحكم عليهم بالموت , فإذا مات الزوج لا يحق للزوجة أن تنل ميراثاً , أو أن تطالب بأى حقوق من أملاك زوجها , وكان حق البيع و الشراء مكفول فقط للرجال.
من جهة أخرى كانت حياة الرومان الدينية ممتلئة بالخرافات والأساطير ويتساءل ديورانت
"هل أعان هذا الدين على تقويم الأخلاق؟"
الإجابة قد تبدو قاسية إلى حد ما
يقول ديورانت ص 139
"لقد كان من بعض النواحى مبعث الفساد الأخلاقى . فاهتمامه بالطقوس والمراسم يوحى أن الألهة لا تجزى الشخص لصلاحه بل بما يقدمه من الهدايا وما يتلوه من الصيغ .....وكانت الألهة عدا قلة صغيرة منها , أرواحاً رهيبة مجردة من النبل والأخلاق الفاضلة"
تتابع روما إنحدارها , تنطلق الثورات الداخلية , وتبدأ المملكة فى التأكل , تتحول تدريجياً عن الجمهورية , وتبدأ حركة الرجعية اللألجركية حيث الأسر صاحبة السلطان التى تحكم الإمبراطورية بقبضة من حديد عبر مجلس الشيوخ , تتهاوى البلاد , سيخرج شيشرون , ثم يقتل قيصر ثم يظهر أنطونيوس ويموت بعد أن تخونه كليوباترا, تتقلب البلاد بين الحروب والخيانات وكأنها تدور فى حلقة لا متناهية , يقول ديورانت منهياً الفصل الأخير
" وقُضِيَ على الثورة في أكتيوم، كما قضي على الجمهورية في فرسالس وأتمت رومه الدورة المشتومة التي يعرفها أفلاطون ونعرفها نحن: ملكية، فأرستقراطية، فاستغلال ألجركي، فديمقراطية، ففوضى ثورية، فدكتاتورية. وانتهى مرة أخرى، في جزر التاريخ ومده، عهد من عهود الحرية، وبدأ عهد من عهود النظام. "
ويبقى سؤال وحيد لى : إذا تسنى لنا ��ن نجد تعريفاً واضحاً للمدنية فماذا سيكون؟